يشغل مفهوم المجتمع المدني اليوم مساحة واسعة في الخطاب العام الليبي، سواء في الحوارات الوطنية، أو المؤتمرات، أو برامج المنظمات المحلية والدولية. غير أن اتساع استخدام المصطلح لا يعني بالضرورة ترسخ مضمونه أو اكتمال بنيته. فقد ارتبط المجتمع المدني في الوعي العام، وحتى لدى بعض العاملين فيه، بالمنظمات غير الحكومية وحدها، بينما يتجاوز هذا المفهوم في حقيقته حدود المنظمات ليشمل مختلف الأطر المدنية المستقلة التي تنشأ من المجتمع، وتعبر عن مصالحه، وتسهم في تنظيمه، وتؤدي دورًا رقابيًا وتنمويًا في مواجهة السلطة.
لقد ترسخت لدى شريحة واسعة من العاملين في هذا المجال قناعةٌ بأن المجتمع المدني يبدأ بالمنظمة وينتهي عندها؛ فتُسجَّل المنظمة، وتُكتب المقترحات، ويُبحث عن التمويل، ثم تُنفَّذ المشروعات وفق الموضوع الذي أصبح يحظى باهتمام المانحين، أو غيره من “الموجات” التي تتغير بتغيّر أولويات الجهات الممولة. وكأن وظيفة المجتمع المدني أصبحت ملاحقة “الترند” التمويلي أكثر من ملاحقة احتياجات المجتمع نفسه.
غير أن المجتمع المدني، في معناه الحقيقي، لم يكن يومًا مجرد منظمات غير حكومية. فهو فضاء أوسع بكثير؛ يضم النقابات، والاتحادات المهنية، والجمعيات، والروابط، والأندية، وكل أشكال التنظيم الأهلي المستقل الذي ينشأ من المجتمع نفسه، يدافع عن حقوقه، ويشارك في تشكيل الرأي العام.
لكن الواقع الليبي يكشف مفارقة مؤلمة. فبدل أن تتحول هذه المؤسسات إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير في السياسات العامة، والدفاع عن الحقوق، وصناعة الوعي، أصبح الانجذاب لدى البعض موجَّهًا نحو الصورة أكثر من الجوهر. فالعمل داخل المنظمة لم يعد عند كثيرين رسالة بقدر ما أصبح وسيلة لاكتساب مكانة اجتماعية؛ بطاقة تعريف أنيقة، وبدلة رسمية، وصور في المؤتمرات، ورحلات خارجية، وشارة تعريف تحمل الاسم أمام مقعده في قاعات المؤتمرات، ولقاءات مع سفراء أو مسؤولين دوليين. وهي مظاهر قد تكون جزءًا طبيعيًا من العمل، لكنها تحولت أحيانًا إلى غاية في ذاتها، حتى بات تقييم النجاح لا يقاس بحجم الأثر الذي أحدثته المنظمة في المجتمع.
والأخطر من ذلك أن بعض المنخرطين في هذا القطاع لا ينظرون إلى المجتمع المدني باعتباره ركيزة للدولة المدنية أو شريكًا في صناعة القرار، بل باعتباره مشروعًا وظيفيًا مرتبطًا بالدورات التدريبية والمنح والمشروعات قصيرة الأجل. وهكذا يغيب الإيمان بالدور التاريخي للمجتمع المدني بوصفه قوة رقابية وضاغطة ومستقلة، ويحل محله تصور إداري ضيق يختزل كل شيء في إدارة مشروع وإغلاق تقرير مالي.
المجتمع المدني أم المجتمع الأهلي؟
ولهذا، فإن التسمية الأقرب إلى واقع ليبيا اليوم قد تكون “المجتمع الأهلي” أكثر من “المجتمع المدني“. وليس في ذلك انتقاص من قيمة العمل الأهلي، بل توصيف لطبيعة البنية الاجتماعية الليبية، التي ما تزال تقوم بدرجة كبيرة على الانتماءات الأولية؛ كالقبيلة، والعائلة، والجهة، أكثر مما تقوم على مفهوم المواطنة الجامعة. وفي ظل استمرار هذه البنى التقليدية في تشكيل الولاءات والعلاقات العامة، يصبح من الصعب الحديث عن مجتمع مدني مكتمل الأركان، لأن هذا الأخير لا يزدهر إلا في بيئة تؤمن بالفرد المواطن، وبالحقوق المتساوية، وبالاستقلال عن العصبيات والانقسامات التقليدية.
وما بدأ يظهر بصورة أوضح في الحالة الليبية هو التحول في وظيفة بعض مؤسسات المجتمع المدني. فبدل أن تحافظ على موقعها كمساحة مستقلة تعبر عن المجتمع وتدافع عن مصالحه، أصبحت لدى بعض الفاعلين فيها محطةً للانتقال إلى مواقع داخل الحكومات المتعاقبة. ولم يعد مستغربًا أن يتحول مدير منظمة مجتمع مدني إلى متحدث باسم حكومة، أو مسؤول تنفيذي، أو قنصل في الخارج، في حالة توضح تداخل الأدوار بين المجتمع المدني والسلطة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى بعض المستفيدين من المنح والبرامج الدولية التي تقوم فلسفتها على دعم قيادات شابة تؤمن بالدولة المدنية، والحكم الرشيد، وحقوق الإنسان، ليصبح بعضهم لاحقًا جزءًا من مؤسسات تعمل على تبرير السلطة أو تجميل صورتها، بدل الحفاظ على المسافة النقدية التي يفترض أن تميز المجتمع المدني عن أجهزة الحكم.
وقد أسهم هذا التداخل في ترسيخ صورة سلبية لدى قطاع من الليبيين تجاه المجتمع المدني، إذ لم يعد يُنظر إلى بعض الفاعلين فيه بوصفهم ممثلين لمطالب المجتمع أو مدافعين عن قضاياه، بل باعتبارهم أصحاب مسارات شخصية يسعون إلى تحويل العمل المدني إلى وسيلة للوصول إلى المناصب والنفوذ. ومع تكرار هذا النموذج، تراجعت الثقة في استقلالية بعض المنظمات، وأصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأنها تمارس دورها الرقابي بعيدًا عن المصالح السياسية والشخصية.
الكوربوراتية.. إطار لفهم التحوّل
وفي هذا السياق، يمكن تفسير جانب من هذا التحول في ضوء مفهوم الكوربوراتية، كما تناولته أدبيات علم السياسة، بوصفه أحد الأطر النظرية المفسرة لطبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيمات الوسيطة، وفي مقدمتها مؤسسات المجتمع المدني، الذي يشير إلى نمط من العلاقة بين الدولة والمجتمع تُدمج فيه التنظيمات المهنية أو المدنية داخل بنية السلطة، بحيث تصبح شريكًا لها أو خاضعة لتوجيهها، بدلًا من أن تمارس دورها المستقل في تمثيل المصالح الاجتماعية. وقد ميّز الباحث فيليب شميتر بين الكوربوراتية المجتمعية، التي تقوم على التفاوض بين الدولة وتنظيمات مستقلة في الأنظمة الديمقراطية، والكوربوراتية السلطوية، التي تسعى فيها الدولة إلى احتواء التنظيمات المدنية وإضعاف استقلاليتها، بما يجعلها أقرب إلى أدوات لدعم السلطة منها إلى مؤسسات تعبر عن المجتمع.
إلا أن الحالة الليبية لا تبدو منطبقة بصورة كاملة على أي من النموذجين اللذين ميز بينهما شميتر؛ فهي لا تقوم على احتواء الدولة لتنظيمات مستقلة بالمعنى الكوربوراتي السلطوي، ولا على تفاوض مؤسسي بين الدولة وتنظيمات مستقلة كما في الكوربوراتية المجتمعية. وإنما تكشف عن نمط مختلف، يتمثل في انتقال بعض الفاعلين المؤثرين في المجتمع المدني إلى مواقع السلطة، ثم توظيف ما راكموه من علاقات وشبكات داخل المجال المدني في خدمة السلطة أو تحسين صورتها.
ويمكن، إن صح هذا الاجتهاد، وصف هذا النمط بمفهوم “الكوربوراتية الطوعية”، حيث لا تأتي عملية الاحتواء من السلطة وحدها، بل تبدأ جزئيًا من داخل المجتمع المدني نفسه، من خلال انتقال بعض الفاعلين بإرادتهم إلى مواقع السلطة، بدوافع قد تتداخل فيها الاعتبارات العامة مع المصالح الشخصية والمهنية، حاملين معهم شبكاتهم وعلاقاتهم ورأس مالهم الاجتماعي، ثم إعادة توظيفها من مواقعهم الجديدة داخل المجال المدني.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو أن هذا التحول بات يجد من يبرره، انطلاقًا من أن ليبيا تعيش حالة تعثر في مسار التحول الديمقراطي، وأن الانخراط في مؤسسات السلطة هو الطريق الأكثر واقعية لإحداث التغيير. غير أن هذا التبرير لم ينعكس، في كثير من الحالات، على إصلاحات حقيقية أو تأثير ملموس في بنية الحكم، بقدر ما تحول إلى غطاء لانتقال الأشخاص أنفسهم من فضاء المجتمع المدني إلى فضاء السلطة، بينما بقيت الأوضاع العامة على حالها، وفقد المجتمع المدني تدريجيًا جزءًا من استقلاليته ووظيفته الأساسية.
إن نقد واقع المجتمع المدني في ليبيا لا يستهدف التقليل من أهمية المنظمات أو الانتقاص من الجهود التي بذلتها العديد من المؤسسات والأفراد، بل يهدف إلى إعادة النقاش إلى جوهر مفهوم المجتمع المدني ووظيفته الحقيقية. فإذا كانت ليبيا تتطلع إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، فإنها تحتاج إلى مجتمع مدني مستقل قبل أن تحتاج إلى مجتمع مدني نشط؛ لأن النشاط قد يصنع حضورًا مؤقتًا، أما الاستقلالية فهي التي تمنح المجتمع المدني شرعيته وقدرته على التأثير. ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو استعادة هذا القطاع لدوره الأصيل، بوصفه ممثلًا لقضايا المجتمع، وشريكًا في بناء الدولة، ومؤسسةً تُقاس قيمتها بما تدافع عنه من حقوق، وما تسهم به في ترسيخ المواطنة وتعزيز المساءلة وصون المصلحة العامة.