حديث مع الدكتور أحمد عبد الستار
أجرته: أحلام المهدي
في جبل الرواغة تفرض الرمال نفسها على المشهد، فتمتد لمسافاتٍ شاسعة وسط وحول السلاسل الجبلية الوعرة هناك. في ليبيا، لم تكن هذه البيئة مرادفًا للموت يومًا، فهي تعج بأنواع كثيرة من الكائنات التي ما زالت تتشبث بالحياة، رغم بنادق الصيد المتربّصة بها، ورغم سيّارات الدفع الرباعي التي لا تكف عن اقتحام بيئتها ومطاردتها إلى حتفها، وصناعة الصور البشعة للموت على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تتكدس جثث الحيوانات البريئة بالعشرات في طقسٍ دموّي لم يتوقف منذ أن أصبح الصّيد مسرحًا للعبث واستعراض قوة المال والسلاح، ومنذ أن توقّفت القوانين -وإن قصرت- عن ممارسة سطوتها على هذه الأرض.
لقد تحولت الحياة البريّة في ليبيا إلى تجارة كبيرة يُباع فيها كلّ شيء، ويتحول فيها الكائن المهدد بالانقراض إلى مجرد سلعة يحصل عليها من يدفع أكثر! تهتز بلاد كبيرة مساحةً واقتصادًا مثل الصين وترقص فرحًا عندما يولد “باندا” صغير في حديقة حيوان في بكين، ونتبادل بفخر صورا لعشرات الغزلان والأرانب البرية المقتولة والمتراكمة على مقدمة سيارة تويوتا.. هنا تحديدًا سيظلّ الفرق شاسعًا بيننا وبين الآخر.
“محمية جبل الرواغة ودّان لحماية الحيوانات البرية”، الانقراض، هذا الغول المتربّص بكثير من الكائنات في العالم يبدو أكثر شراسةً في ليبيا، لكن جهودًا حثيثة وأصيلة تستمر في مقاومته كذلك. التقينا المشرف العام على هذه المحمية الدكتور أحمد عبد الستار، وأخبرنا عن هذا المشروع الوطني التطوعي الذي يحاول المحافظة على الحياة البرية في المنطقة، وفي ليبيا كلها.
سألتُه بدايةً عن الخطوة الأولى لتأسيس هذه المحمية الطبيعية، فقال إنها كانت بتاريخ 7/ 7/ 2021، بهكتار واحد من الأرض يملكه مدير المحمية، تبرع به فقمنا بتسجيله بشكل رسمي، وبدأنا بجلب عدد قليل بين 10 و12 من غزال الريم ومن الودّان، وبدأنا بالاهتمام بها والحرص على دورة الحياة التي تولد معها حيوات جديدة ويزيد عدد القطعان، وقد ساهمنا غير ذلك في مبادرات بيئية كثيرة في ودان وفي سد الوشكة في سوكنة، وغير ذلك كثير من المحاولات لنشر الوعي البيئي الذي نعول عليه كثيرًا.
وعن المعاناة الكبيرة التي تتعرض لها هذه المخلوقات، يقول السيد أحمد: “كانت بعض الغزلان تصل إلينا في حالة إرهاق شديد لعدة أسباب، منها شحّ الموارد في البرية وأيضًا الأخطار المتربصة بها. كان بعضها يموت بسبب ذلك بعد ساعات أو أيام قليلة من استلامنا لها ودخولها المحمية.. وهكذا فإن من ينجو منها من القتل، لن ينجو من الدمار الجسدي الذي يُظهره التشريح بعد ذلك، بسبب التعب أو الجوع والعطش والإرهاق الشديد.”
كل هذا الجهد الذي لا تدعمه أي جهة رسمية، وفي ظلّ الوضع الاقتصادي المنهار تقريبًا في البلاد، سألتُ السيد عبد الستار عن قدرتهم على الاستمرار رغم كل ذلك، فقال: “تمر علينا فترات نعاني فيها من ارتفاع أسعار الشعير والذرة والأعلاف الخاصة بالحيوانات. وكذلك من عدم توفر بعض الأدوية؛ في ليبيا، توجد بعض المضادات الحيوية وأدوية المناعة، لكن بعض الأنواع المهمة الأخرى نقوم بجلبها من خارج البلاد، وهذا يشكل عبئًا كبيرًا بالنسبة لنا، لكنه لم يوقفنا حتى اليوم.. نحن مستمرون في رسالتنا.”
لا يغيب عنّا هنا أن الودّان أو “الكبش البربري” من الحيوانات البرية التي تستحق وتحتاج الحماية في ليبيا، لأنّه معرض للانقراض وفق “منصة طبيعة ليبيا”، ويقع ضمن التصنيف (VU) إحدى فئات القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة “IUCN”.
في الصفحة الرسمية للمحمية على فيسبوك، ستصيبك الدهشة والسعادة وأنت تُشاهد منشورات عن ولادة غزال؛ هذا الكائن الذي نُحبّ، ونشبّه به من نُحبّ، ونربطه بانتماء لا يموت بهذه الأرض. ستشعر بأنّ هؤلاء المتطوعين في المحمية أعادوا لهذا الكائن هيبته وبهاءه بعد أن وضعه آخرون في الصناديق الزجاجية وأهدوه لحبيباتهم.
بسبب كل هذا الاهتمام وهذه الولادات الجديدة التي يشرف عليها الدكتور أحمد ورفيقه، أخبرنا أن العدد في المحمية قد زاد كثيرًا وتجاوز الخمسين بين غزال وودان، وقال إن أعداد الغزال أكثر بأنواعه المختلفة، فمنه الوطني الليبي ومنه الجزائري والتشادي أيضًا.
هذه الصفحة على فيسبوك زيارة افتراضية للمحمية فماذا عن الزيارات الواقعية، وهل يفتح المكان أبوابه للمحبين وللفضوليين؟
وجّهنا السّؤال لضيفنا، ليوضّح: “إن زيارة المحميّة ليست متاحة دائمًا، فالحيوانات تكون أحيانًا في فترة تزاوج أو ولادة، وهذا يجعل وجود الزوار مزعجًا بالنسبة لها. وهي بطبيعتها برية لا تحتمل هذا القرب من غرباء في مكان مغلق. ومع اعتماد الودّان على حاسة الشّم، وحاسة السّمع القوية جدًا عند غزال الريم، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا فيما يخص وجود زوار غرباء في كل وقت.”
وأضاف: نسعى قريبًا إلى زيادة مساحة المحمية، بإضافة نصف هكتار ملاصق لها أو ربما أكثر. ومِن خُططنا أيضًا إنشاء قسم خاص بطيور الحبارى والقطا والحجل، والأرانب البرية.”
تنشط على اتساع الخريطة عدة جمعيات أهلية يديرها ليبيون آمنوا بأرضنا كملاذٍ آمنٍ لكل الكائنات التي تعيش فيها، خاصة تلك التي يهدّدها الفناء تحت رحمة الهوس المرضي لصيادين يتلذذون بمنح الموت لكل ما يتحرك ويقاوم ليعيش، ليس جوعًا ولا دفاعًا عن نفس، بل رغبة في ممارسة فعل القتل طالما ظلوا بعيدين عن يد القانون، التي تحمي الجميع وتعاقب الجميع دون استثناءات.
وجبل الرواغة لم يعد معلمًا جغرافيًا يمد أذرُعه الصّخرية الخلّابة شمال واحات ومدن الجفرة، بل طوق أمان يمنحه المسؤولون في المحمية لكل الكائنات التي يهتمون بها، فيُبعدون عنها شبح الانقراض لتظل كما كانت دائمًا عبر العصور.. شريكًا يؤثّث الحياة ونتقاسم معه الماء والهواء.