أرض جدّي، كما يروي أبي، كانت تُعرف بصخرة واحدة لا أكثر، حدًّا يفصل حقه عن حق جاره. وحين سألته عنها أنشد بيتًا لا يزال يحفظه:
”ونا بقيت في أرضي كيف حيطة الحد
مكان عامنول هو مكان السنة
لا نردّ له لا شارد ولا وارد
علي منهلي يلقى بلول لسانه“
يشبّه صاحب البيت نفسه بحيطة الحد، ثابتًا في أرضه من عام إلى عام، لا يرد شاردًا ولا واردًا، وعند منهله يجد العابر ما يبلّ لسانه.
وحين أقول اليوم ”أرض جدّي“، فأنا لا أخبرك أين تقع تحديدًا ولا كم تبلغ مساحتها. أنا أخبرك من أنا. ففي العبارة شيء من الوقار والانتماء، والأرض فيها شيء أنتمي إليه أكثر مما أملكه، وبين أن أملك وأن أنتمي تقع القصة كلها.
كانت أرض جدي تُعرف بما يُفعل بها، لا بما تساويه. هذه تُحرث، وتلك تصلح للرعي في الربيع. تنبت وتُظلّل، وتوفر للنحل مرعاه، وتحفظ ماء المطر في مصاطبها. ومن سأل جدي كم تساوي أرضه، كمن يسأله كم يساوي اسمه.
وكان هناك نظام يعرفه أهله من دون أن يكون مكتوبًا. فهناك من يرعى وأين ومتى، وكيف يُقسم ماء العين بين الحيازات، وما الذي يبقى مشاعًا وما الذي يخص بيتًا بعينه. في تجربة عائلتي ومحيطها، كان هذا النظام مستندًا إلى العرف والحاجة والقرابة، وإلى ما يقبله الناس وما يستنكرونه. وما دام الرعي والزراعة أسلوب حياة، كان تفتيت الأرض يُضعف منفعتها، فيصبح إبقاؤها متصلةً أكثر معقولية.
ثم هاجر أبي وأعمامي إلى المدينة، وتوقف الرعي والزراعة عن أن يكونا أسلوب حياة. ومعهما تراجع ما كان يبرر بقاء الأرض واحدة.
لم يحدث هذا التحول في فراغ. فعلاقة الليبيين بالأرض والملكية نفسها تعرضت، خلال العقود التالية للاستقلال، لتبدلات قانونية واجتماعية واسعة. ففي عام 1970، اعتبر قانون الأراضي والآبار القبلية الأراضي القبلية غير المسجلة ملكًا للدولة، وإن أبقى للقبائل حق الانتفاع بها. ثم جاء قانون الملكية العقارية سنة 1978 ليقيد ملكية المساكن والأراضي الصالحة للبناء، ويجعل ما يزيد على الحدود التي رسمها القانون يؤول إلى الدولة لإعادة توزيعه. وفي عام 1986، ذهب التشريع أبعد من ذلك حين نص على أن الأرض لا تكون محلًا للملكية الخاصة، مع الإبقاء على حق الانتفاع بها في حدود معينة.
وبين هذه التحولات، احترق أرشيف التسجيل العقاري سنة 1985، فضاعت معه وثائق وخرائط كانت تثبت ملكيات وحقوقًا تراكمت عبر عقود.
أما أرض جدي فلم تُصادرها الدولة ولم تُعد توزيعها. انتقلت بين الورثة بالقسمة العرفية. وهذا لا يخرجها من قصة التحول، بل يجعلها تكشف وجهًا آخر منها. فلم يكن لا بد أن تصل الدولة إلى الأرض مباشرةً حتى تتغير علاقتنا بها. كان يكفي أن يهاجر أهلها إلى المدينة، وأن يتراجع الرعي والزراعة، وأن يتعدد الورثة، وأن تصبح الأرض شيئًا يمكن قياسه وتقسيمه وبيعه.
تفرقت الأرض بين الورثة. وما كانت صخرة واحدة تكفي لتعليم حدها حين كانت تُستعمل كوحدة واحدة، لم تعد كافيةً حين صار لكل نصيب صاحبه وحدوده. حلّ محلها ما يفصل كل قطعة عن الأخرى. لم يعد الحد علامةً تُقرأ فقط. صار جدارًا أو سياجًا ترتد عنه الغنم وينحبس عنده الماء. والأرض التي كانت متصلةً بدأت تتقطع إلى أجزاء منفصلة، بعدما كان الحد الحجري يعلّم الملكية من دون أن يقطع حركة الحياة. اذ كان يقال ”هذه الأرض لفلان“، ويترك الجبل مفتوحًا في الوقت نفسه. الحيوان لا يعرف من يملك الأرض، والصخرة كانت تتركه على جهله فيمر.
لكن قصة عائلتي ليست قصة كل العائلات الليبية. فالأرض والإرث كانا أيضًا، منذ زمن بعيد، موضع نزاع بين الإخوة والأقارب، ومصدرًا للخلاف حول الحدود والحقوق والقسمة. وما تعرضت له الملكية العقارية خلال العقود الماضية أضاف إلى هذه التعقيدات طبقات أخرى من المصادرة وإعادة التوزيع وتداخل الادعاءات القديمة بالجديدة.
لهذا، ليست المسألة انتقالًا بسيطًا من ماضٍ متجانس إلى حاضر فاسد، ولا من أجداد أوفياء إلى أحفاد يبيعون ما ورثوه. الذين يبيعون اليوم ليسوا بالضرورة أسوأ من آبائهم، والذين حافظوا على الأرض بالأمس لم يكونوا قديسين. الذي تغير، في جانب مهم منه، هو السياق الذي يتحرك الناس داخله.
حين كانت الأرض تطعم وترعى وتحفظ الماء، كان بقاؤها متصلةً يمنحها قيمتها. وحين تراجع هذا الاستخدام، وتعدد الورثة، واتسعت المدن، وصارت الأرض أيضًا مخزنًا للقيمة ومالًا يمكن تحويله إلى مال آخر، تغير معها السؤال. لم يعد: ماذا تفعل هذه الأرض؟ بل: كم تساوي؟ ما كان يمنح الأرض جزءًا من قيمتها القديمة قد يصبح عائقًا أمام قيمتها الجديدة. المصاطب والزرع والحدود المفتوحة التي تتناسب مع الرعي والزراعة لا تتناسب بالضرورة مع أرض يراد تقسيمها إلى قطع مستقلة. الأرض ”المنظفة“ أسهل في القياس والتسوير والتصرف من أرض تحمل آثار استعمالاتها القديمة.
الصخرة صارت جدارًا، لا لأن أصحابها قست قلوبهم، بل لأن الأرض التي صارت تُقسم وتباع تحتاج إلى ما يثبت حدود كل نصيب فيها. وهكذا تحولت أرض الجد، في تجربتنا، من فضاء متصل للرعي والزراعة والعبور إلى مساحة مجزأة، لكل قطعة منها حدها وحسابها وقيمتها.
أما الصخرة التي وصفها أبي، تلك التي لا ترد شاردًا ولا واردًا، فما زالت فعلًا لا ترد أحدًا.لكن ما بُني إلى جوارها صار يرد الجميع.