ما الذي يحدث داخل مستشفى الرازي؟
نشرت مواطنة ليبية هذا الأسبوع نداءً إنسانيًا كشفت فيه عما وصفته بظروف قاسية داخل مستشفى الرازي للأمراض النفسية في طرابلس. وجاء في النداء شهادات تفصيلية حول ما تتعرض له بعض النزيلات من عنف واحتجاز، إضافة إلى سوء أوضاع المرافق وغياب المتابعة الطبية المنتظمة. أثار المنشور موجة من الجدل، بين من اعتبره فضيحة تستدعي تحقيقًا عاجلًا ومساءلة للمؤسسة، وبين من دافع عن المستشفى وكوادره، مشيرًا إلى نقص الإمكانيات وضغط العمل، ومؤكدًا أن ما ورد فيه لا يعكس الواقع بشكل دقيق.
النداء الذي نشرته المواطنة يكشف في الأساس عن وجود نظام غير متكافئ داخل المؤسسة، حيث يمكن أن يحدد وجود “السند” نوع المعاملة التي يتلقاها بعض النزلاء، بينما يتحول من لا سند له إلى ضحية بلا حماية. وفق شهادتها، فإن بعض الأقسام تشهد ممارسات وصفتها بالعنيفة، تشمل الصراخ والضرب أثناء تقديم العلاج، واحتجاز نزيلات لفترات قد تصل إلى ثلاثة أيام في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية. وعن حالات اعتداء بين النزيلات دون تدخل، وأخرى عن تعرض بعض المريضات للعنف رغم أوضاعهن الصحية الحرجة. كما أشارت إلى غياب المتابعة الطبية واقتصار وجود الأطباء على زيارات محدودة لا تكفي لتشخيص الحالات أو متابعتها بشكل فعّال، إلى جانب تردي أوضاع المرافق الصحية.
في المقابل دافع عدد من العاملين والزائرين عن المؤسسة، مؤكدين أن ما ورد لا يعكس الصورة كاملة، ومشيرين إلى وجود كفاءات طبية تعمل في ظروف صعبة، مع نقص حاد في الإمكانيات والدعم، وفي بيئة عمل يتعرض فيها الطاقم بدوره للعنف من بعض الحالات دون حماية كافية أو حوافز مهنية.
المشكلة هنا ليست في “من قال الحقيقة”، بل في أن المجال نفسه، الصحة النفسية، يُدار في ليبيا كملف ثانوي، أو كاستجابة طارئة، وليس كسياسة عامة مستدامة. لقد ظل مستشفى الرازي، الواقع في قرقارش، تاريخيًا، المؤسسة شبه الوحيدة التي تستقبل الحالات النفسية الحادة. ليبيا لا تملك شبكة رعاية مجتمعية حقيقية، ولا خدمات متابعة خارجية، ولا برامج إعادة إدماج تضمن للمريض حياة بعد العلاج. مع غياب هذه الحلقة الوسيطة بين المستشفى والمجتمع، صار الإيواء حالة دائمة، أو شبه دائمة، خاصة في ظل ضعف التنسيق بين القطاع الصحي والخدمات الاجتماعية.
تتفاقم هذه الإشكالية حين نضعها في سياق المنظومة الصحيّة الأوسع، إذ تعاني من نقص التمويل، وضعف التدريب، وغياب الرقابة الفعالة، وفي حالة الصحة النفسية تحديدًا، يتضاعف هذا التهميش بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض، والتي تدفع عائلات إلى إخفاء الحالات أو التخلي عنها، وتُضعف في المقابل أي ضغط مجتمعي حقيقي لتحسين الخدمات أو مساءلة المؤسسات.
أمّا عن غياب تشريعات واضحة ومحدثة لحماية المرضى النفسيين، أو آليات مستقلة لتلقي الشكاوى ومتابعتها، فإنه ترك المجال مفتوحًا أمام الممارسات الفردية، سواء كانت اجتهادات حسنة في ظروف صعبة، أو تجاوزات لا تجد من يوقفها.
من اللافت أيضًا لغة المؤسسة نفسها في بياناتها الأخيرة، خاصة في ضوء الجدل الذي أثارته الشهادات المتداولة. ففي بيان سابق نُشر في يناير 2026، أعلنت إدارة المستشفى عن اجتماع جمع مديرها العام برئيس جهاز الشرطة القضائية، في إطار ما وصفته بـ “تعزيز التعاون” و”تطوير آليات العمل المشترك في مجال الرعاية النفسية للنزلاء والموقوفين”. رغم الطابع الإداري لهذا الخطاب، فإنه ما زال يكشف عن تقاطع مقلق بين المجال العلاجي والمنظومة الأمنية، حيث يُوضع المرضى النفسيون، أو جزء منهم، ضمن نفس الإطار الذي يُدار به الموقوفون، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المقاربة المعتمدة.
يزداد هذا الالتباس في البيان الأحدث الذي نشرته إدارة المستشفى عقب انتشار الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي أفاد بقيام وفد من وزارة الصحة بزيارة ميدانية لتفقد الأقسام الإيوائية والاطلاع على مستوى الخدمات. لقد أقرّ البيان بوجود ما وصفه بـ “ملاحظات” تتعلق بجودة الرعاية وبيئة العلاج، إلا أن لغته ظلت عامة ومجرّدة، تركز على “تحسين الجودة” و”الإجراءات التصحيحية والوقائية”، دون أي إشارة مباشرة لطبيعة الاتهامات المتداولة، أو إعلان واضح عن فتح تحقيق مستقل وشفاف، أو آلية محددة لمساءلة المسؤولين في حال ثبوت الانتهاكات.
بدا كما لو أن الخطاب الرسمي يميل إلى احتواء الأزمة إداريًا بدل مواجهتها حقوقيًا، عبر تحويلها من مسألة تتعلق بكرامة المرضى وسلامتهم إلى مجرد مسألة تحسين خدمات. كأن ما طُرح لا يتجاوز كونه خللًا تقنيًا في الأداء، وليس كونه احتمال وجود ممارسات عنيفة أو مهينة تستدعي تحقيقًا جديًا. وهذا ما يعمّق الفجوة بين ما يُنشر من شهادات وما يُقدَّم من ردود رسمية، ويطرح مجددًا سؤال المساءلة. إذ كيف يمكن لمؤسسة أن تقنع الرأي العام بسلامة إجراءاتها، وهي لم تسمِّ بعد طبيعة المشكلة بشكل واضح؟
حين تغيّب مؤسسة يقبع فيها مواطنون من الفئات الأكثر هشاشة سياساتها الحقوقية، وتُترك لتعمل بموارد محدودة، وتُحاط بوصمة اجتماعية، يصبح العنف، سواء الممنهج أو العرضي، نتيجة حتمية. ليس بالضرورة لأن كل العاملين فيها سيئون، بل لأن النظام نفسه يسمح بذلك ويدفع نحوه. أي نقاش جدي حول ما يحدث في الرازي يجب أن يبدأ من نقطة تُوضّح فيها أن النزيلات والنزلاء هم المركز وشهادتهن يجب أن تُؤخذ بجدية.
وانطلاقا من ذلك، يجب فتح تحقيق مستقل وشفاف يشمل آلية استماع مباشرة وآمنة للنزيلات والعاملين، مع ضمان عدم تعرض أي طرف للانتقام. ووضع قواعد واضحة ومعلنة للتعامل مع الحالات الحادة، خصوصًا ما يتعلق باستخدام العزل أو القوة، وتُقيد هذه الإجراءات بضوابط طبية وإنسانية صارمة وتخضع للتوثيق والمراجعة. وإنشاء آلية شكاوى داخلية وخارجية فعالة، يمكن للنزيلات أو ذويهن اللجوء إليها، وتكون مرتبطة بجهة رقابية مستقلة لا بإدارة المستشفى نفسها.
كذلك لا يمكن تجاهل أوضاع العاملين في قطاع الصحة النفسية، إذ أن تحسين ظروفهم جزء أساسي من حماية المرضى. يتطلب ذلك توفير تدريب في التعامل مع الحالات النفسية الحادة، ودعم نفسي للطاقم نفسه، إلى جانب تحسين الأجور والحوافز وتقليل ضغط العمل. كما أن الاستثمار في بنية الرعاية خارج المستشفى، من عيادات مجتمعية، وبرامج متابعة، وخدمات دعم اجتماعي، يمكن أن يخفف من الضغط على المؤسسة ويمنع تحولها إلى مكان احتجاز طويل الأمد.
يحتاج القطاع إلى إطار قانوني واضح يحمي المرضى النفسيين ويحدد حقوقهم وواجبات المؤسسات تجاههم، ويُخضع أي انتهاك للمساءلة. فالإصلاح هنا هو إعادة تعريف المريض النفسي كصاحب حق كامل في الرعاية والكرامة، وليس كحالة هامشية تُدار بما توفر من إمكانيات. ودون ذلك، ستظل أي معالجات جزئية تدور في نفس الحلقة، حيث يُعاد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، حتى وإن تغيّرت التفاصيل.


