دروج Drooj

الماروني الشّاب يعود إلى بنغازي

مع صدور الترجمة العربية لرواية “الماروني الشاب” لأليساندرو سبينا عن دار الفرجاني، وبترجمة معاوية عبد المجيد، تدخل المكتبة العربية إلى منطقة معتمة بين الذاكرة الليبية واللغة الإيطالية. فالرواية، التي تفتتح مشروع سبينا الملحمي “حدود الظل”، تعود اليوم إلى فضائها التاريخي والثقافي عبر العربية، بعد أن بقيت لعقود جزءًا من أدب مكتوب بلغة المستعمِر عن بلد عاشه الكاتب من الداخل، وكتب عنه بعين قلقة، تعرف المكان وتقرأه من مسافة تسمح بفهم تحوّلاته.

ألِسَّاندرو سبينا هو الاسم الأدبي لباسيلي شفيق خزام، الكاتب السوري الأصل، المولود في بنغازي عام 1927، والذي قضى شطرًا طويلًا من حياته في ليبيا، ثم اختار الإيطالية لغة لعمله الروائي. هذه السيرة تدخل إلى قلب النص، لأن “الماروني الشاب” نفسها تبدو مكتوبة من موضع مماثل. أي موضع من يعرف المكان، ويرى الاستعمار في أثره اليومي، ويقترب من الشخصيات بينما هي تتحرك في تاريخ يفوق قدرتها على فهمه أو مقاومته أو الإفلات من نتائجه.

تبدأ الرواية في بنغازي عام 1912، في اللحظة التي شرعت فيها إيطاليا في انتزاع برقة من العثمانيين. لكن سبينا يتعامل مع التاريخ كضغط خفي يدخل البيوت، والأسواق، والعلاقات، واللغة، ونظرة كل شخصية إلى نفسها. يصل إميل شباز، التاجر الماروني الشاب القادم من حلب عبر الإسكندرية، إلى المدينة محمّلًا بطموح تجاري وبموقع ثقافي ملتبس. فهو مسيحي مثل الأوروبيين، وعربي اللسان مثل الليبيين، قريب من الجميع بما يكفي كي يحاول كل طرف أن يجذبه إلى جانبه، وبعيد عن الجميع بما يكفي كي ينجو مؤقتًا من أي اصطفافات حادة.

هذا الموقع هو أحد مفاتيح الرواية. فإميل يظهر كائنًا يعثر على قوته في المسافة التي تفصله عن كل جماعة. الرواية تقترح، عبره، شكلًا من “اللاانتماء” يتحول إلى قدرة على العيش بين ولاءات متضاربة، مع احتفاظ الشخصية بحقها في المسافة والمراقبة والنجاة. هكذا يحمل وصف “الماروني” في العنوان معنى يتجاوز الانتماء الديني. فهو يشير إلى هوية دينية، لكنه يفتح أيضًا على موقع إميل بين العوالم التي يتمحور فيها. بين المسيحيين والمسلمين، وبين العرب والأوروبيين، بين التجارة والسياسة، وبين المدينة التي يصل إليها والبلاد التي جاء منها. وعبره يكشف سبينا هشاشة الحدود، حدود الظل، التي تصنعها الإمبراطوريات والجماعات حول نفسها.

إلى جانب إميل، يبني سبينا عالمًا روائيًا من شخصيات مركبة. فالحاج سمرث أفندي، التاجر العثماني الثري والمنفي من مجده القديم في إسطنبول، يظهر أولًا كهيئة غامضة ومخيفة، ثم تتكشف شخصيته في تناقضاتها بين القسوة والصفح، وبين سلطة الفرد وإدراكه أن الشرف حين يتحول إلى قانون جماعي يصبح أشد فتكًا من الخطيئة نفسها، ما يجعل الوحشية منطقًا اجتماعيًا وليست مجرد فعل فردي. وفي المقابل يحضر القبطان مارتللو، الضابط الإيطالي الذي يجسد مأزق المستعمِر حين يكتشف شرعية العالم الذي جاء لإخضاعه؛ فهو جندي في جيش غازٍ، لكنه يتزعزع أمام كرامة خصومه وتعقيد مجتمعهم، ليصبح شاهدًا على التصدع الداخلي للفكرة الاستعمارية نفسها عندما يدرك الغازي أن الأرض التي يحتلها عالم مكتمل بقوانينه وطقوسه.

وما يمنح “الماروني الشاب” كثافتها أن سبينا وزع رؤيته بين عدة أصوات حتى بدت الحقيقة شظايا بين كل الشخصيات. فكل شخصية ترى جزءًا من المشهد وتعمى عن جزء آخر. وكل يقين يتحول، بعد صفحات قليلة، إلى مادة للشك. هذه التقنية جزء من فهم سبينا للتاريخ الاستعماري نفسه باعتباره تاريخًا متعدد الروايات، مع بقاء العنف الاستعماري الإطار الأكبر الذي يضغط على الجميع ويدفع بهم نحو مصائرهم. ومن هنا تحديدًا تأتي أهمية سبينا داخل أدب ما بعد الاستعمار الإيطالي.

فالتجربة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا والقرن الأفريقي حضرت في الذاكرة الأدبية الأوروبية بدرجة أقل من تجارب الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والإسبانية. كما أن الصمت الإيطالي، من اليمين واليسار معًا، حول جرائم الاستعمار في ليبيا، جعل هذا الأدب يتحرك في مساحة شبه معتمة. لهذا تفتح “الماروني الشاب” هذه العتمة عبر رصد الكيفية التي تعمل بها الإمبراطورية، وكيف تدخل المدينة، وكيف تتخيل أهلها، وكيف تبرر لنفسها العنف، وكيف تصنع صورًا عن الأهالي ثم تحاول إخضاعهم لتلك الصور.

ولأن سبينا يكتب من موقع هجين، فإن روايته تمنح القارئ تجربة عصية على التصنيف. هو كاتب وُلد في بنغازي، من أصل مشرقي، كتب بالإيطالية، واستند إلى ذاكرة ليبية. لذلك تبدو جملته مشغولة بإرث أوروبي في البناء الروائي، وبنَفَس بلاغي عربي. هذا المزيج يجعل قراءة الرواية محتاجة إلى تمهّل؛ فجمل سبينا طويلة ومشحونة بالإحالات، وحواراته تتحرك بين التأمل والمأساة والحكاية الأخلاقية، بينما ينتقل النص بين السرد والوثيقة والتاريخ. لذلك تمنح “الماروني الشاب” قارئها تجربة غنية، لكنها تطلب منه انتباهًا لإيقاعها وتحوّلاتها.

يشكل صدور “الماروني الشاب” بالعربية حدثًا ثقافيًا مهمًا. فهو بداية مشروع ترجمي تعيد من خلاله دار الفرجاني تقديم سبينا للقارئ العربي، والليبي خصوصًا، وتتيح عملًا ظل حاضرًا في تقدير النقاد، وغائبًا عن اللغة التي تحمل جزءًا كبيرًا من مادته وروحه. لأنها رواية عن بنغازي في لحظة تحوّل تاريخي مفصلي.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

مع صدور الترجمة العربية لرواية "الماروني الشاب" لأليساندرو سبينا عن دار الفرجاني، وبترجمة معاوية عبد المجيد، تدخل المكتبة…

مرّت قبل أيام الذكرى الثامنة لرحيل الكاتب والمؤرخ الليبي داود حلاق، أحد أبرز الأسماء التي جمعت بين الفلسفة…

هل أحببنا فلسطين بالفعل؟ من "القدس زهرة المدائن" إلى الجنوب اللبناني و"قانا الجرح"، كبر جيل كامل على مبدأ…

بعد أكثر من عقدين على صدور دراسة "الثقافة السياسية في ليبيا" للدكتورة آمال العبيدي، تبدو أسئلتها أقل انتماءً…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.