دروج Drooj

قراءة شخصيّة في أعمال هشام مطر

مرّت عشرون سنة على صدور أولى روايات هشام مطر، في بلد الرجال، عام 2006. قرأتُ الرواية في 2009، حسبما تمليه نوائب الذاكرة، بعدما تفاجأتُ في أواخر المراهقة بوجود أدب إنجليزي ــ ليبي، برز فيه اسم هشام مطر في الرواية، وخالد المطاوع في الشعر.

قرأتُ الرواية حينها من دون أن أعرف الكثير عن الكاتب، ولا عن سيرته التي تلامس تخوم حكاياته وشخصياته. ولئن أتممتُ عشرين عامًا، قضيتُ ربعها الأخير أكتشف أدب الكوكب باللغة الإنجليزية، والأدب العربي بلغته، فقد سرّتني القراءة عن ليبيا مختلفة، بلغة غير التي نتحدثها ونكتبها؛ ليبيا التي ينحصر حديثها، في الغالب، في الشعر الشعبي والأغاني، موقّرةً في الذاكرة وطليقةً في الشارع، وتنحصر كتابتها في أدب ليبي لم أحبّذ رواياته كثيرًا. أما ليبيا التي قرأتُها في شعر خالد المطاوع، فتلك حكاية أخرى.

لم تكن أهمية الرواية كامنةً في نثرها الذي تُحسَد عليه وحسب، لا سيما أن كتابات المراهقة باتت إنجليزية، بل في تصوير طرابلس السبعينيات، المدينة التي سأعرفها بعد خمس سنوات كـ”عاصمة أبدية” لهذا البلد المعطوب. الجديد أيضًا قرأته في وصف أم بطل الرواية وعالمها، وإدمانها الكحول في غياب الأب. أمسيتُ حينها مشبّعًا بسينما العالم، ولم أستغرب ذاك العالم المخفي في مجتمعنا، المتستر بين الطبقات “السفلى” و”العليا” والمتوسطة أيضًا، خلافًا لاعتراضات البعض بأن الرواية تصوّر ليبيا متخيَّلة كتبها أديب أجنبي.

والحال أن “أدب المنفى” يفرض على قرّائه الغارقين في المحلّية رؤى مغايرة، فيفرض أولئك القرّاء نقدًا اجتماعيًّا للنص، وهو من أكثر أشكال النقد تضييقًا في تعامله مع جوانب الأدب، والفنون كافة، الجمالية. فقولبة كل ما يكتبه ليبيّو المهجر بلغات أجنبية، لا سيما الإنجليزية، لا تساهم في إثراء النقاش ولا تؤخذ بجدية، على أي حال، في جدالات الأدب العديدة. ولكيلا نبتعد عن هشام مطر ورواياته، جاز أن نتقبل هذه القولبة فقط بوصفه روائيًّا منفيًّا، دون الحاجة إلى لصق أدبه بآداب سواه في خانة “المنفى”. ليس كل منفيّ يكتب عن المنفى، بغض النظر عمّا إذا كان ذاك “شغله الشاغل”.

2

لم أُعِر اهتمامًا بعد انتفاضة فبراير إلى رواية مطر الثانية، اختفاء، 2010، أولًا لأنني لم أجدها بالإنجليزية، وثانيًا لأنني تيقنتُ بيقين الشباب الوقح أن موضوعها لا يختلف عمّا قرأته وأحببته سلفًا في في بلد الرجال. تمرُّ السنون لتظهر مذكراته، العودة، 2016، لأقتنيها العام ذاته بفضل مكتبة الفرجاني في حي الأندلس بالعاصمة، التي احتفظ مديرها أسامة الفرجاني بنُسيْخات في “المكتب الخلفي” لزبائنه، فراسلته ليحتفظ لي بواحدة، وقد باتت المكتبة حينها ملاذي غير الآمن لاقتناء ما رغبته من الأدب الإنجليزي الحديث.

قرأتُ في العودة خلاصة الإنسان والأديب المستترين في هشام مطر. هكذا نعود بـالعودة إلى روايته الأولى، التي يفقد فيها بطل الرواية الصغير أباه الذي خطفته سلطات الجماهيرية، كما خطَفَت واقعًا والد هشام، المعارض جاب الله مطر. كان ذلك في مصر، في تسعينيات قرن الاختطاف، لتبدأ رحلة البحث التي انتهت ولم تنتهِ. فبعد سقوط الجماهيرية في 2011، تجدّد الأمل في رفع الحجاب وكشف السر، لكن مصير الأب يظل مجهولًا، حاله حال الأجساد والأرواح التي فُقِدَت ولم تعُد أجسادها. في أحد لقاءاته، يعبّر هشام عن هذه الحالة قائلًا ما معناه إن كتاباته، وبالتالي حياته، كانت تدور حول أبيه وأمسى هو في الطرف. أما بعد كتابة المذكرات وعيشها، صار العكس، فباتَ هو المركز.

حكاية المعارضة الليبية مدوِّخة، تشبه في تعقيداتها حكاية كل معارضة جابهت بطش الدكتاتوريات؛ تعقيد ينأى بنفسه عن المعارضة التي تشارك في حكومات ظلٍّ وصحافة. ومن نوافل الأقوال أن نذكّر القارئ بتنوّع أطياف المعارضة الليبية التي بدأت ضعيفة في 1969، وازدادت قوة مع تفرّد القذّافي بالسلطة إبّان خطاب زوارة في 1973، فقد تحوّلت الجمهورية الوليدة من مُحرِّرة فقراء إلى سلطوية نفّذت “تعطيل كافّة القوانين المعمول بها” كما نصّت فاتحة الخطاب، لتستمر جمهوريةً بالاسم حتى الكشف عن وجهها الحقيقي بإعلان سلطة شعبها في 1977. ولم أكن معزولًا عن هذا كله، فعمّي فرج العشّه عُرِفَ يومًا ما كأول معارض ليبي يظهر على الشاشة بنطاق واسع في مطلع الألفية الجديدة.

قرأتُ الكتابَ مرّتيْن: الأولى للقراءة، وفي الثانية اقتبستُ نصًّا سينمائيًّا من الحكاية التي لم تختلف روحها السينمائية عن روح روايات المؤلف الثلاث. من هنا راح وجه بطل روايته الأولى ينصهر في إيماءات هشام الطفل والشاب والكهل في لقطات كبيرة وبعيدة، فتُصَوِّر إيماءاتها الحميمية بالصوت والضوء عوضًا عن الكلمة.

3

بعد صدور روايته الثالثة، أصدقائي، 2024، لجأتُ مرة أخرى إلى مكتبة الفرجاني، وهذه المرة، كان المنقذ غسّان الفرجاني، شقيق أسامة. في الرواية نصٌّ ينتشل ماضيًا موازيًا لسيرة المؤلف الذي يشدد على قِدم الفكرة، لا سيما كتابة فقرتها الأولى التي تبدأ بالقول: “يستحيل، بطبائع الأحوال، أن نتيقّن مكنونات الآخرين، لا سيما مكنوناتنا أو مكنونات الأقربين، وأغلب الظن استحالة أن نتيقّن بمكنونات من نعرفهم خيرَ معرفة…”. لذّة اللايقين هذه اصطنعها هشام بلا سياق وردمها سنوات، ليصيغ بعدها الحكاية التي بدأت أيضًا قبل عقودٍ عندما شاهد على التلفاز، مراهقًا، أحداث السفارة الليبية في لندن في 1984.

إنه المنفى يهلُّ من جديد كموضوع وثيمة، وإنما هذه المرة، يلعب الابن نفسه دور المنفي الغائب الحاضر، على الضد من ذكريات الطفولة التي تحكمها روح الأب المفقود وجسد الأم الحاضرة. في أكبر كتبه، يسبر المؤلف تقاطعات نصوصه السابقة بين السيرة والتخييل ليربط بين حقبتيْ الجماهيرية وما تلاها في ليبيا الجديدة وإن كان ذلك من طريق الإنترنت والأخبار، فبطلنا لم يغادر لندن قط.

قرأتُ أخيرًا اختفاء بترجمة محمد عبد النبي، وهو النص الوحيد الذي أقرأه لمطر مترجمًا. بعد القراءة، تفهمتُ ما قاله هشام في أكثر من مقابلة، إن الاشتغال على الترجمة العربية بات أمرًا مزعجًا وكئيبًا لأنه بامتياز كاتبٌ باللغة الإنجليزية. وهذا لا يستنقص أبدًا من ترجمة عبد النبي التي احتفظت باختزال المؤلف واقتصاده، وإنما لم تنجح في إرضاء المؤلف، وهنا تكمن لعنة الترجمة وجمالها، فالنص المترجَم ملك القارئ وليس المؤلف. يظل الأبُ المفقود مركزَ النص في نصٍّ يمثّل مدرسة المؤلف في كشفِ الأمزجة بخرائطها الملازمة لمكان محدد وزمن محدد.

أما عن المنفى المرتبط باختفاء الأب القسري، فيرد هشام مطر على سؤال إحدى القارئات فيما خصّ التصاقه بالموضوع، ليقول إن ما يختبره الآن هو تسليم أمره إلى الله. وكما يرى، هو مفهوم يتجاوز الانتقام و”الكارما”، والاستسلام والتسامح إزاء مختطفي أبيه، بل ويظل عاجزًا عن ترجمته إلى الإنجليزية، تلك اللغة التي لم تأسر قلمه وحسب، بل أخذت بتلابيب انفعالاته منذ الصبا، ليرمي بها ما وراء الوطنية، صوب الإنسان، ليبيًّا كان أو لم يكن. وما اللغة إلا وسيط، كما تعلّمنا، في خضم ما يُكتَب وما يُقال.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

مرّت عشرون سنة على صدور أولى روايات هشام مطر، في بلد الرجال، عام 2006. قرأتُ الرواية في 2009،…

قراءة في دراسة حديثة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول تجارب النساء النازحات والعائدات، وما يكشفه النزوح الطويل من…

يصعب الاقتراب من كتاب الرحيل إلى مرافئ الحلم لزاهية محمد علي الزربي كعمل منضبط داخل جنس أدبي واحد.…

تبدو علاقتنا بالنصف ملتبسة بعض الشيء، وإن كانت حاضرة بقوة في أغلب أدبيات معيشتنا وتفكيرنا، وحتى في آليات…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.