دروج Drooj

لستُ هناك.. ولستُ هنا: قراءة ارتيابية في ارتياحنا لأنصاف الأمور

تبدو علاقتنا بالنصف ملتبسة بعض الشيء، وإن كانت حاضرة بقوة في أغلب أدبيات معيشتنا وتفكيرنا، وحتى في آليات الاختيار. إذ يبدو لك للوهلة الأولى أن المجتمع خالٍ تمامًا من حالة عدم اليقينية في كل شيء، بينما تكشف تمثلات “الحالة النصفيّة” عن حضور واسع لطريقة في التفكير تبرّر النقص، وتترك الأشياء معلّقة، وتتحايل على المعنى والمقصد.

ولعل تمثلات الحالة النصفيّة كثيرة، منها ما يأتي من خلال الموروث الشعبي الذي أصبح جزءًا من الذاكرة الشفهيّة الجمعيّة، وأودى، بطبيعة الحال ودون قصد، إلى تلاعب بالمعنى وتحايل على المقصد. فعلى سبيل المثال، حين يقال: “نص الطريق ولا إكمالها”، وهو مثل في ظاهره يحث على عدم السعي وراء ما لا طائل منه، وهو همسة ومواساة تحت ما نسميه شرف المحاولة؛ أي إنك ربما لم تُكمل الطريق، لكنك قطعت نصفه، في إشارة واضحة إلى الاحتفاء بالمنجز مهما كانت درجة إنجازه. إلا أنه، وعلى سبيل الكسل، أصبح هذا المثل مدعاة لترك الأشياء معلّقة وغير منجزة، وصكّ غفران لحالة اليأس أو اللامعنى التي تتملكنا أحيانًا.

وكذلك الحال مع المثل القائل: “صاحب النص مش خاسر”، الذي يبدو كحكمة باردة لتهوين مرارة الخسارة أو التسليم بعجز أصاب الروح، لكنه يُوظَّف، هو الآخر، في غير سياقاته، وغالبًا ما يكون لإقناع صاحب الحق بالتنازل عن تمام حقه لصالح الآخر. ثم نجد القول المأثور: “أمسك العصا من النص”، كنصيحة سياسية أكثر من كونها عقلانية أو منطقية. فالمقصد من هذا المثل هو الحياد، ولكن حين نعيد التفكير في مواضع استخدامه سنجد الخلل؛ إذ أصبح يُستخدم في سياقات لا تحتمل الحياد، وإن حدث فسيكون حيادًا سلبيًا، كالصمت في القضايا الإنسانية والأخلاقية بحجة مسك العصا من المنتصف. قد يكون هذا المثل ذا جدوى إذا وُضع في سياق التحكيم بين آراء، أو الحكم على طرفين بعد استيفاء الأدلة، لكن لا يتم إقحامه في مواقف الخير والشر، مهما بلغت درجة اختلافنا في رؤيتهما.

حتى في حالات العجز أو الفشل العاطفي، لا يستطيع أكبر الكتّاب وأكثرهم واقعية وقوة أن يسمّي الأشياء بوضوح، وأن يصرّح عن مشاعره بشكل لا يحتمل القسمة على عقلين؛ شيء واضح ومباشر يفسّر هذه المعاناة التي حلّت بغسان كنفاني وغادة السمان حين قالا لبعضهما:

غسان: أنتِ جبانة، تريدين أن تكوني نصف الأشياء. لا تريدينني ولا تريدين غيابي.

فترد غادة: لأنني تعلمت ألّا ألتصق بك تمامًا كي لا تزهد بي، وألّا أبتعد عنك تمامًا كي لا تنساني.

حتى في أدب الرسائل، الذي يُعتبر من أكثر الأنواع صدقًا وصراحة، وحتى في أكثر اللحظات قربًا من فهم المعنى، حين وجّه غسان سؤاله بشكل مباشر لغادة واتهمها بـ”الحالة النصفيّة” ذاتها، أبت غادة إلا أن تعيد للسؤال حيرته بإجابة أكثر نصفيّة ورماديّة، لم تضع مسارًا واضحًا، وفضّلت التأرجح كأسلوب في العلاقة، أو كحيلة نفسيّة من العلاقة نفسها.

ربما كان محمود درويش أكثر تطهرًا وتحررًا من لوثة المعنى حين قال: “لا أنت بعيد فأنتظرك، ولا أنت قريب فألقاك، ولا أنت لي فيطمئن قلبي، ولا أنا محروم منك لأنساك، أنت في منتصف كل شيء”.

هنا امتثل النصف للمحاكمة الإنسانية طوعًا، وبانت لوثته الأولى، تلك التي نسميها “تعلّقًا”، واصفًا لنا هذا التأرجح العاطفي. ورغم جمالية اللفظة وشحنة المعنى المضاعفة، إلا أنها كانت تعرية لمرض، إلا أننا لا نزال نتناقلها كي تواسينا عن خيبة لا يُمحى أثرها، أو عن جذوة أُشعلت في غير قلبها، فاضحة ذلك الارتباك العاطفي المقيت، ومعلنة عن تعب أصاب الروح.

وبالحديث عن رؤيتنا للأمور وحكمنا عليها، نجد الحكمة ذاتها وقد أخذت شكلًا آخر من الصياغة. فلربما طرأ على مسامعكم قول أحدهم لك، وأنت مستاء من وضع أو شخص أو تصرف، ليبرز ذلك الحكيم ويقول لك بصوت فخم وبارد وبطيء: “مهما واجهت من صعوبات، عليك أن تنظر إلى نصف الكوب الممتلئ”. وبهذا قد يقرر أحدهم أن يصادر حقك في الشعور بالألم، وبالخطأ، وبالندم، كمشاعر طبيعية، ليوهمك بهذه اللعبة النصفيّة القديمة.

اعلم، رعاك الله، أنه لا يوجد نصف كوب فارغ وآخر ممتلئ؛ ما يوجد بالفعل هو كوب تتفاوت درجة فراغه وامتلائه بحسب ظروف وحياة وفشل ونجاحات وتفكير وقرارات كل أحد على حدة. ولهذا لا تُقال هذه العبارة في كل موقف، ولا لكل شخص، وحتى على سبيل رفع المعنويات والمواساة.

وعلى ذكر المواساة، نسمع كثيرًا على ألسنة الساسة والمحللين، وحتى في أوساط الناس، وصف “المرأة نصف المجتمع”، كنوع من الاعتراف الشفهي والمعنوي بحق المرأة وجدارتها بالعيش المشترك. إلا أنه، مثل أي مقولة ضمن سياق “النصفيّ” لفهم الأشياء أو التعبير عنها أو تركها معلّقة إلى حين، لا يمنح المرأة من وجودها الفعلي شيئًا بقدر ما يمنحها وصفًا رمزيًا عائمًا. فالمرأة لا تشعر أنها من المجتمع كي تقيس وجودها: هل وصل إلى النصف أم لا؟ وعلاوة على ذلك، يبدو هذا الوصف أقرب إلى التعويم والتنويم، وإلى مصطلح لم يُرَد به شيء بقدر ما أُريد به الالتفاف على حق المرأة بحيلة كلامية أخرى.

وفي وصف العمر وتقلباته، كثيرًا ما نسمع بما يُعرف بـ”أزمة منتصف العمر”، وهي في الغالب التي تأتي مع الأربعين “وأنت طالع”. تقريبًا وُضعت كل عُقد الإنسان ومشكلاته وتحدياته ونتائج قراراته في هذه الفترة العمرية، حتى عاطفته يُعاد تعريفها وتشكيلها وفهمها بشكل آخر، واصفين هذه المرحلة بالأزمة. رغم أن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا، والمنطق لا يختلف معه كذلك؛ فكل ما نحن عليه الآن، أو في منتصف العمر، هو نتاج طفولتنا بكامل تفاصيلها، ومراهقتنا بكامل تقلباتها، وتشكّلنا الذي تمخّض عنه ما نحن عليه الآن، وإن كنا في “منتصف العم”.

النصف أو المنتصف أو “النص”، على ما يبدو، لا ينفك عن التدخل في كل ما نحاول فهمه أو إتمامه أو جعله شيئًا ذا قيمة. لطالما شوّه لنا هذا الخيار الأشياء، أو، بمعنى أكثر إنصافًا، جعلنا نجد له صفة مرادفة للنقص والنقصان. كقولنا، مزاجًا: “أنصاف رجال”، كنوع من التقليل والتحقير، ونقول كذلك: “نص الكلام غايب”، كدلالة على عدم اكتمال الحقيقة وأن ثمة ما وراء الأكمة. أو قول الشاعر: “رفيقي مشى نص الطريق وولّى”، في إشارة إلى خيبة الأمل في عدم إكمال الطريق والوفاء بالوعد وخيانة العِشرة.

وعلى ما يبدو أن الإنسان قد وقف في المنتصف، وهو في حالة سعيه إلى الكمال، فبدت له كل الأشياء نصفيّة، ولم يعد يرغب، على كل حال، في إكمالها، أو في محاولة فعل ذلك أصلًا.

أثناء بحثي عن هذه الحالة وعن تمثلاتها، تراءى لي الحل والنصح في الفلسفة الجبرانيّة الرافضة لأنصاف الأشياء والأشخاص والحلول والعواطف والحياة من أساسها، وذلك من خلال اللاءات القاطعة النافية لكل وضع غير مكتمل، ولكل تردد وتشتت، ولكل خطوة أخذها أحدنا إلى الوراء، ولكل كلمة لم تُقل، ولكل تجربة لم تُخض، ولكل أمل تعلّقنا به على أمل.

يقول جبران خليل جبران في أدب الرفض:”لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل”. ثم يردف قائلًا: “النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها”.

النصف هو أن تصل وألا تصل، أن تعمل وألا تعمل، أن تغيب وأن تحضر. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت، لأنك لم تعرف من أنت.

وعلاوة على لاءات جبران، فإنني أود أن ألفت انتباهكم إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أن ثمة إشكالية ترافق الحالة النصفيّة دائمًا، هي “وجع البقيّة”: ذلك الوجع الكامن خلف كل شيء توقّعنا أننا أتممناه، أو حوار بدا لنا أنه صريح ولم نترك خلفنا فيه أي كلمة في القلب، أو حتى لوم أو عتاب لم يُقل، وكان من شأنه أن يُكمل ذلك العمل الذي تُرك معلّقًا للتأويل.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

تبدو علاقتنا بالنصف ملتبسة بعض الشيء، وإن كانت حاضرة بقوة في أغلب أدبيات معيشتنا وتفكيرنا، وحتى في آليات…

صرنا لا نعلم، على وجه التأكيد، من نحن. نتناقش كثيرًا حول مشروعية الأسماء، ومن الأعرق، ومن أصحاب الأرض…

"محمد"، شاب ليبي من مواليد 2006، قد لا يكون سمع بمصطلح "السُّخرة"، وقد لا يكون مهتمًا بمعرفة ما…

في ظل تداول نتائج تحليل مقلقة لمصدر مياه جوفية، أظهرت وجودًا مرتفعًا لبكتيريا القولون، نعيد فتح التساؤلات حول…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.