في المجتمع الأمازيغي الليبي، تؤدي المرأة دورًا أساسيًا في حفظ اللغة والعادات والذاكرة اليومية للجماعة. يبدأ هذا الدور غالبًا من البيت، حيث تتشكل علاقة الأطفال الأولى بلغتهم، وبالحكايات والأغاني والطقوس التي تنتقل من جيل إلى آخر. ومن خلال التربية، والحرف، واللباس، والمناسبات الاجتماعية، ظلّت المرأة الأمازيغية جزءًا رئيسيًا من استمرار هذا الموروث، رغم التحولات الاجتماعية وتراجع الدعم المؤسسي للثقافة واللغة الأمازيغيتين.
تبدأ رحلة الحفاظ على الهوية داخل البيت الأمازيغي، كما تقول فتحية جمعة، البالغة من العمر 66 عامًا. فالأم، بحسب قولها، تنقل اللغة الأمازيغية إلى أبنائها من خلال المفردات اليومية، والحكايات الشعبية التي تحمل قيم الشجاعة والتعاون والانتماء إلى الأرض.
وتضيف: “نبني هويتنا في أطفالنا منذ سنواتهم الأولى، داخل بيوتنا وفي تفاصيل حياتنا اليومية. نعلّمهم الحروف الأمازيغية وكلماتها، فتكون من أوائل ما ينطق به الطفل. كما نردّد لهم الأغاني الشعبية منذ نعومة أظفارهم، ونحكي لهم الحكايات التراثية والأمثال المتوارثة. ولا يتعلم الطفل لغة أخرى إلا عندما نبدأ بتعليمه القرآن الكريم، أو عند دخوله المدرسة. هذا ليس ابتكارًا منا، بل ما وجدنا عليه أمهاتنا وجدّاتنا. فنحن لا نعلّم أطفالنا اللغة فقط، بل نغرس فيهم الانتماء والاعتزاز بالهوية، بما يساهم في استمرار الثقافة الأمازيغية رغم التحديات التي تواجهها”.
تلعب المرأة الأمازيغية دورًا بارزًا في حفظ التراث المادي أيضًا، من خلال الأزياء التقليدية، والحرف اليدوية، والحُلي، والمناسبات الاجتماعية التي تعبّر عن بنية المجتمع وقيمه. تقول كميلة التلوع، البالغة من العمر 84 عامًا، إن النساء كنّ يصنعن كثيرًا من الملابس الأمازيغية التقليدية ويقمن بخياطتها وتطريزها، خصوصًا في المناسبات.
وتقول: “كنا نجتمع، نحن نساء العائلة والأقارب والجيران، في لمة تسمى تويزا. وهي مناسبة للتعاون على جمع الصوف وتنظيفه وتهيئته لصناعة أثوابنا وأغطيتنا، التي يحمل أغلبها رموزًا من ثقافتنا. من بينها تلابت، وهي بطانية من الصوف تكون باللون البني أو الأبيض، وتُزركش بخطوط زرقاء، وكانت تُستعمل للباس والغطاء. وكذلك أحوللي، وهو الجرد، منه ما يُخصص للرجل ومنه ما يُخصص للمرأة. وهناك أيضًا أشملت، وهو غطاء للرأس يُصنع من الصوف المصبوغ باللون الأحمر، إلى جانب ملابس تقليدية أخرئ”.
وتوضح التلوع أن صناعة هذه الملابس كانت مصدر دخل لبعض النساء، إذ كانت كثير من الأمازيغيات يشترين هذه الألبسة من نساء أخريات يصنعنها بالطابع التقليدي نفسه، خصوصًا قبل الزواج، حيث كان امتلاك هذه الملابس جزءًا من تجهيز المرأة.
وتضيف: “الأمر نفسه ينطبق على الحُلي. فهي لم تكن عناصر جمالية فقط، بل كانت تحمل رموزًا تاريخية ونقوشًا تعبّر عن هويتنا. من بينها اللبت، وهو عقد من الفضة يحمل رموزًا مختلفة من الهوية الأمازيغية، تتزين به النساء في الأعراس والمناسبات. وكذلك أخلخال، وهو خلخال يُلبس في القدمين، ويكون منقوشًا ومزخرفًا بالرموز والرسوم الأمازيغية. حتى الوشم كان يحمل بصمة من ثقافتنا، نرسمها على أجسادنا تعبيرًا عن تاريخ طويل وهوية متجذرة في هذه الأرض”.
لا يظهر اللباس الأمازيغي كزيّ تقليدي فحسب، بل يمكن اعتباره جزءًا من نظام رمزي واجتماعي أوسع. فألوانه وأشكاله تختلف من منطقة إلى أخرى، وتعكس طبيعة البيئة والموروث المحلي. كما أن الحرف اليدوية، مثل التطريز وصناعة المنسوجات، كانت وسيلة للحفاظ على التراث، ومصدرًا للدخل أيضًا.
وتحضر المرأة أيضًا في نقل العادات الاجتماعية المرتبطة بالزواج، والمناسبات، وأساليب الضيافة، وطقوس التعاون بين النساء. تقول مفيدة الحجاجي، البالغة من العمر 58 عامًا، إن هذه الممارسات ليست وليدة اللحظة، بل موروث انتقل بين الأجيال.
وتضيف: “أتذكر جيدًا عادتنا القديمة التي تسمى تارغادت، وهي لمة خاصة بتحضير الطعام، تجتمع فيها النساء لمساعدة بعضهن وصنع الأكل. كنا نجمع الحبوب، ونغسلها، ونحمّصها، ونطحنها لتحضير أضمين، وطازميط، وأرن چامان، وأرن ملال، وهي البسيسة، والزميطة، والدقيق في الماء، ودقيق الشعير. كما كنا نُعدّ البصل والطماطم المجففة والهريسة والتمر وغيرها من المأكولات، بالتعاون بين النساء الأمازيغيات”.
وتتابع الحجاجي: “كانت هذه الطقوس، ولا تزال، جزءًا من الأعراس والمناسبات في بيوتنا. يجمعنا التحضير والتعاون، وتختلط معه الأغاني والأهازيج الأمازيغية، التي نتعلمها من جيل إلى جيل. وكان أطفالنا يجلسون حولنا ويرددون معنا هذه الأغاني بمحبة. في مجتمعنا الأمازيغي الليبي، لا تُعد المرأة مجرد عنصر اجتماعي عادي، بل تمثل أساسًا مهمًا في الحفاظ على الهوية الثقافية، وفي بناء المستقبل. فهي تحمل مسؤولية مزدوجة: الحفاظ على التراث الأمازيغي من جهة، ومواكبة متطلبات العصر الحديث من جهة أخرى”.
ومع أن هذه الأدوار اليومية أسهمت في استمرار اللغة والعادات، فإن المرأة الأمازيغية تواجه اليوم تحديات متراكمة، تبدأ من التغيرات الاجتماعية المتسارعة وتأثير العولمة، ولا تنتهي عند ضعف الاهتمام الرسمي باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وغياب الدعم الكافي للمبادرات التعليمية والثقافية.
ورغم هذه التحديات، تواصل كثير من النساء الأمازيغيات الانخراط في العمل الثقافي والمجتمعي، من خلال المبادرات التعليمية، والأنشطة الثقافية، والعمل التطوعي الهادف إلى حماية التراث وتعزيز حضور اللغة الأمازيغية داخل المجتمع. ومن بينهن نجلاء قطوسة، البالغة من العمر 43 عامًا، والتي ترى أن الحفاظ على الهوية مسؤولية جماعية لمواجهة التهميش والاندثار.
تقول قطوسة: “أصبحت المرأة الأمازيغية الليبية اليوم أكثر حضورًا في مختلف المجالات. فهي المعلمة، والإعلامية، والناشطة، والحرفية. وكل هذه الأدوار تساهم في نقل الثقافة الأمازيغية إلى الأجيال الجديدة. كما أن مشاركتها في الحياة العامة تعزز مكانتها، وتفتح آفاقًا جديدة للحفاظ على الهوية في ظل المتغيرات المعاصرة”.
وتضيف قطوسة: “إن دعم المرأة الأمازيغية وتمكينها خطوة أساسية للحفاظ على الثقافة واللغة، لأن المرأة كانت وما تزال الحارس الأول للهوية، وصوت الثقافة الذي ينقل التاريخ ويحافظ على الموروث. ورغم هذا الحضور المتنامي، لا تزال المرأة الأمازيغية، وخاصة المعلمة، تواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها غياب الدعم الحكومي الكافي، وضعف فرص التعيين، وندرة البرامج التدريبية والتأهيلية التي تواكب دورها في تعليم اللغة الأمازيغية والحفاظ عليها. كما تعاني كثير من المعلمات من التهميش، وعدم إدماجهن بشكل فعّال ضمن السياسات التعليمية الرسمية، مما يحدّ من قدرتهن على أداء رسالتهن بالشكل المطلوب”.
وترى قطوسة أن المرأة الأمازيغية فاعلة في صناعة المستقبل، بما تحمله من ذاكرة تاريخية، وبما تؤديه من دور يومي في الحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال القادمة.
وفي ظل هذه الأدوار، يصبح الاعتراف بجهود المرأة الأمازيغية، وتوفير الدعم الحكومي والمؤسسي، من خلال التعيينات العادلة، وبرامج التدريب، والتمكين الثقافي والتعليمي، ضرورة لضمان استمرار هذا الإرث، وتعزيز التنوع الثقافي الذي يميز ليبيا ويثري هويتها الوطنية.
وتؤكد زينة العاصي، البالغة من العمر 61 عامًا، وهي مديرة مكتب دعم وتمكين المرأة ببلدية زوارة، أن المكتب يعمل على دعم حضور المرأة الأمازيغية في المجالات الثقافية والاجتماعية، وعلى إبراز دورها في حفظ الموروث المحلي.
تقول: “تؤمن إدارتنا بأهمية الحفاظ على الهوية الأمازيغية، وتعزيز حضور المرأة الأمازيغية في مختلف المجالات. ونترجم ذلك من خلال دعم المبادرات الثقافية والاجتماعية التي تُبرز الموروث الأمازيغي وتؤكد مكانته داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق، عمل المكتب على تنظيم معرض المرأة الأمازيغية في نسخته الخامسة هذا العام، باعتباره مساحة لإحياء التراث والعادات والتقاليد والموروث الثقافي والاجتماعي الأمازيغي، وتسليط الضوء على إسهامات المرأة ودورها في الحفاظ على الهوية، رغم التحديات والصعوبات التي تواجهها على المستويين الاجتماعي والثقافي”.
وتضيف العاصي أن المكتب يسعى إلى تمكين المرأة ومنحها مساحة للتعبير عن ذاتها وإثبات حضورها وهويتها داخل المجتمع، من خلال دعم المبادرات النسائية، وتشجيع الحرف والصناعات التقليدية، وخلق مساحات تبرز قدرات النساء ودورهن في الحياة الاجتماعية والثقافية والتنموية.
وتتابع: “يعمل المكتب أيضًا على الدفاع عن حق المرأة الأمازيغية في الحفاظ على هويتها ولغتها وثقافتها، رغم ما تواجهه من تحديات، من بينها ضعف الدعم والإمكانيات، وغياب الاهتمام الكافي من بعض الجهات الحكومية بالمناشط الثقافية والحقوقية المتعلقة بالمكون الأمازيغي. وهذا يضاعف مسؤولية المكتب في الاستمرار والعمل من أجل إيصال صوت المرأة الأمازيغية، والحفاظ على إرثها الثقافي والاجتماعي للأجيال القادمة”.
تكشف هذه الشهادات أن حضور المرأة الأمازيغية في حفظ اللغة والعادات لا ينفصل عن بنية الحياة اليومية داخل المجتمع الأمازيغي الليبي؛ من البيت إلى المناسبات، ومن الحرف إلى التعليم والعمل الثقافي. كما تُظهر أن استمرار هذا الموروث لم يكن نتاج سياسات رسمية بقدر ما ارتبط بممارسات اجتماعية متراكمة، انتقلت عبر الأسرة واللغة والطقوس المشتركة. ومن هنا، لا تبدو الهوية الأمازيغية مجرد إرث محفوظ في الذاكرة، بل ممارسة يومية تتشكل داخل المجتمع نفسه، وتستمر بقدرته على نقلها وتجديدها، مع بقاء الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي أحد الشروط الضرورية لفهم ليبيا في تعددها.