يقدّم الكاتب سالم الكبتي من خلال كتابه “أيام القومية في ليبيا” الذي نُشِر عام 2021 عن دار الكون، وكتابه “التنظيمات السياسية والعسكرية في ليبيا 1952- 1969” عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الذي نشر في يونيو عام 2025 وثيقة تاريخية مهمة ترصد الحركات السياسية والتنظيمات العسكرية التي نشأت في ليبيا خلال الخمسينيات والستينيات، موثّقًا نشاطات هذه الأحزاب والتنظيمات وأبرز الشخصيات التي انخرطت في النشاط الحزبي في ليبيا تلك الفترة. ويعتبر كتابه الأول “أيام القومية في ليبيا” عرضًا موجزًا لما يتضمنه الجزء الأول من الكتاب الثاني. فهو مقدمة مختصرة وسريعة تتكون من ثماني مقالات كتبت على عجل، ونشرت لاحقًا على هيئة سلسلة حلقات ببوابة الوسط الليبية تتناول الأحزاب والتنظيمات المدنية في ليبيا، و”القومية العربية” أيضا، كفكرة وافدة إلى ليبيا من دول الجوار (مصر بشكل أساسي)، وظروف نشوء النسخة الليبية من حزب البعث العربي الاشتراكي تأثرًا بالبعث السوري والعراقي، وحركة القوميين العرب تأثرًا بجورج حبش وأحمد الخطيب ووديع حداد.
فمع نشوء الإمارة السنوسية (إمارة برقة) بقيادة “إدريس السنوسي” عام 1949م لجأ إلى بنغازي ثلاثة شبان من جماعة “الإخوان المسلمين” اتهِموا في قضية عرفت بقضية الأوكار “تخزين الأسلحة”، هم على التوالي محمود الشربيني وعز الدين إبراهيم وجلال سعدة، الذين مكثوا في بنغازي حتى عام 1952م وربطتهم علاقات مشحونة بجمعية عمر المختار الليبية (1941-1951) التي كانت تحظى بقبول كبير في الأوساط الشعبية آنذاك، قبل أن تتحول كفّة الميزان إلى “جماعة الإخوان المسلمين” وبرنامجها الدعوي الذي يضع الدين والتقوى والتبشير أساسا لعمله، وكانت هذه الحادثة من أولى الحوادث التي اصطدم فيها الليبيون بشكل مباشر بتنظيم الإخوان المسلمين وتأثروا بفكرهم الآتي من مصر المجاورة، وتمدد النشاط الدعوي للجماعة وكان بعض الشبان قد بدأوا فعليا في الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، وإزالة ما بقي من آثار الاستعمار الإيطالي في الأخلاق والسلوك وفقا لتصورهم، بمهاجمة الحانات وأماكن القمار وبيوت الدعارة، وكان التأثر بالنشاط الدعوي للجماعة واضحاً رغم عدم وجود خطط تنظيمية واضحة.
أُغلقت “جمعية عمر المختار” في يوليو عام 1951 قبيل الاستقلال، والتي تعتبر أحد أهم التشكيلات الحزبية الوطنية، وجاء هذا الإغلاق بقرار حكومي بسبب نشاط الجمعية السياسي ورفضها للإدارة البريطانية، وتم تجريم العمل الحزبي بمرسوم ملكي في 25 يناير 1952 بعد تشكيك “حزب المؤتمر الوطني” بقيادة المناضل بشير السعداوي في نزاهة الانتخابات البرلمانية، فقامت الحكومة بحل الحزب ونفي زعيمه خارج البلاد ليتوقف العمل الحزبي في ليبيا، والذي عُلّل كثيرًا من قبل الملك “إدريس” بأنه الإجراء الضروري لحماية البلاد من التدخلات الخارجية. ويورد الكاتب في كتابه “التنظيمات السياسية والعسكرية في ليبيا” ما يشبه “التفهّم” للعقلية السنوسية التي وأدت، بسبب ضعفها الداخلي، أي محاولة للعمل الحزبي والتنظيمي من الداخل، رغم إصرار “الكبتي” على مفهوم “الفراغ” باعتباره السبب الرئيسي فيما آلت إليه المملكة الليبية، فغياب الأحزاب والتنظيمات الوطنية بسبب سياسة “الملك” تلك الفترة أدى إلى استقطاب الليبيين من الخارج، فليبيا “ستتكلم المصرية” سياسيا لأكثر من عقد، بسبب المد الناصري من جهة وبسبب المد البعثي -القومي من جهة أخرى. ورغم نقمة “الملك” على المعارضة الممولة والمتأثرة بالخارج إلا أنه تسامح مع الكثير من أفرادها، فقد حُكِم على المنتمين لحزب البعث العربي الاشتراكي في ليبيا أوائل الستينيات بأحكامٍ مخففة بالسجن لسنوات وبُرّيءَ الكثير منهم، ثم حصل أغلبهم على عفو عام بموجب مرسوم ملكي صدر أواخر عام 1963. وكان الملك حينها رهينة للمزاج القومي العربي الذي غزا المنطقة، رِفقة الانقلابات العسكرية التي حدثت في سوريا ومصر والعراق والسودان، والتي كانت تُطالب الشعوب العربية بالنهوض في وجه الرجعية وقيادة الأمة العربية نحو هدفٍ رئيسي هو تحرير فلسطين المحتلة، وهو هدف لا يتحقق -في نظر الجماهير المُنفعلة- إلا عن طريق قيادة عسكرية رشيدة. ويشير سالم الكبتي في وصف هذا المد الجارف الذي غزا المجتمع الليبي آنذاك إلى أن “ما كان يحدث تلك الفترة في دمشق وكركوك وبغداد وعدن والقصبة في الجزائر وسراي القبة في القاهرة كان أكثر وقعًا في نفوس الليبيين مما يحدث أو يدور في سواني تيكة أو ترهونة أو القطرون أو براريك الكيش” .
***
على الجهة الأخرى كان الجيش يعج بالتنظيمات العسكرية والخلايا السرية التي حاولت قلب نظام الحكم لأسباب مختلفة وعن طريق أيدلوجيات مختلفة. ينصب تفكير أغلب هذه التنظيمات العسكرية على الأحداث العربية والخارجية، فالقضية الفلسطينية ظلت حاضرة على لائحة هذه التنظيمات العسكرية التي ما فتئت تروج إلى الحل العسكري والحرب الشاملة كوسيلة لتحرير فلسطين المحتلة، وكان التنافس على تشكيل الخلايا السرية داخل الجيش من قبل الضباط والعسكريين على أشده منذ الخمسينيات وحتى الأول من سبتمبر عام 1969 حين وصل تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار (أو ما يعرف بتنظيم الملازمين الصغار) بقيادة الملازم معمر أبو منيار إلى السلطة.
تشكلت نواة هذه التنظيمات في البداية داخل الدفعات الطلابية التي أُرسلت إلى العراق ومصر. فأسس “فوزي الدغيلي” تنظيم طلاب الدفعة الليبية الثانية بالعراق عام 1956، بينما قاد العقيد محمد المسماري تنظيم ضباط الزاوية عام 1952، الذي تشير أغلب المصادر إلى أنه من أوائل التنظيمات العسكرية داخل الجيش الليبي، بالإضافة إلى تنظيم الرواد الذي قاده المكي أبو زيد عام 1959، والذي تحمّل المسئولية التاريخية عن منشور “إبليس ولا إدريس” الذي وزِّع في يوليو عام 1969 قبل قرابة شهرين فقط من انقلاب ثورة الفاتح\سبتمبر.
ويورد “الكبتي” في كتابه أن هذه التنظيمات انقسم الكثير منها إلى عدة تنظيمات فرعية مختلفة، وبعضها كان مدفوعا من قبل الإعلام المصري، بينما كان المزاج الشعبي آنذاك في حالة انبهار مرَضيّ بشخصية “جمال عبد الناصر”، وبكاريزما ضباط الجيش الذين ظلّوا يطيحون بالأنظمة الملكية ويروجون إلى المبادئ الاشتراكية وتحرير الشعوب، ويعزفون بشكل مستمر على إيقاع القضية الفلسطينية، وهو ما يشير إليه الكبتي بقوله: “إن السعى الدؤوب لدى التشكيلات العسكرية السرية لتغيير النظام بالقوة ظل يترافق مع معزوفة تحرير فلسطين، التي كانت تحتل المقام الأول والمقام الأهم لدى أولئك العسكريين قبل الإصلاح من الداخل”.
وكان الملك “إدريس” يتعامل مع هذه التنظيمات بشقّيْها المدني والعسكري بهدوء وحذر شديدين، ففي عام 1960 ألغى الملك حفلًا عسكريا في حامية المرج على خلفية ورود أنباء مباشرة إليه من بعض التقاة أن هناك مخططًا لاعتقاله من قبل الجيش ونقله إلى الجغبوب لكي يتولى الجيش إدارة البلاد، ففاتح رئيس الحكومة “محمد عثمان الصيد” بنيته حل الجيش لاتقاء الشر الذي قد يأتي من خلاله. غير أن الأحداث التي وقعت بعد ذلك جعلت الملك يستشعر الخطر القادم من كل الاتجاهات، فالجيش ليس وحده الذي يتطلع للإطاحة به، بل هناك تنظيمات أخرى تعمل في الخفاء متأثرة بالمد القومي العروبي القادم من وراء الحدود. ففي يناير 1964 اندلعت الانتفاضة الطلابية ببنغازي وطرابلس احتجاجاً على القواعد الأجنبية ومُطالبةً بالوحدة العربية، حيث طالبت الجماهير الطلابية الغاضبة النظام الملكي باتخاذ مواقف أكثر حزماً تجاه القضايا العربية، ونتج عن هذه المظاهرات تصادم عنيف مع الشرطة، مما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى من الطلاب.
ولم يكن تفجير خزانات النفط في البريقة صيف 1965 مجرد واقعة تخريبية، بل كان بمثابة ناقوس خطرٍ دقّ في عشيّة ذكرى ثورة يوليو المصرية؛ إيذاناً بتصدع أركان الدولة الملكية في ليبيا واقتراب لحظة زوالها. كانت المواد المتفجرة قد وصلت إلى ليبيا عن طريق مصر، وكان عبد الناصر قد صرح في أحد خطاباته، تعليقا على هذا الحدث، أنّ الشباب العربي القومي المتحمس قد بدأ في “تقويض اقتصاد الرجعية وضرب المصالح الأجنبية”. وقبض، في ذلك الوقت، على ثلاثة شباب ليبيين أدينوا بموجب اعترافات أدلوا بها بتنفيذهم العملية وهم: مفتاح الهندياني، محمد المريمي، ورمضان الوداوي.
كان الهندياني معروفاً بمشاركته في نقل السلاح للثوار الجزائريين الذين يخوضون حربهم ضد الاستعمار الفرنسي، بينما كان المريمي شاعرًا يكتب الأهازيج والأغاني الشعبية.
حوكم هؤلاء الشبان تلك السنة، وحوكم غيرهم من أعضاء حركة القوميين العرب بعد حرب “النكسة” عام 1967، كما أصدرت المحكمة حكمًا غيابيا على القيادي الفلسطيني في حركة القوميين العرب “جورج حبش”. ورغم كل هذه المحاكمات إلا أن الملكية في ليبيا كانت تتهاوى من الداخل، فالملك أضحى طاعناً في السن، وولي العهد لم يكن يحظى بقبول لدى الأوساط الشعبية التي كانت مفتونة بعبد الناصر وكاريزما العسكريين الذين يخاطبون الجماهير بلغة حماسية، ويعزفون بشكل مستمر على وتر القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الأولى!
انزوى الملك ادريس وغاب في الفراغ، وظلّ يصرّح بنيّته التخلي عن المسؤولية بالكامل، وظل يلوّح بالاستقالة حتى عام 1969 حين وصلهُ منشور “إبليس ولا إدريس” الذي خلّف في نفسه مرارةً لا يمكن احتمالها، وقرّر البقاء خارج البلاد حيثُ هو (تركيا – اليونان)، تاركًا البلاد إلى مصيرها.