دروج Drooj

في غياب عقل الدولة: الهجرة غير النظامية في ليبيا بين الابتزاز المحلي والتخلي الدولي

بابكر، الذي لا تغيب الابتسامة المضيئة عن وجهه المستدير ذي الملامح الطفولية، لا يكاد يتوقف عن الحركة. يلتقط الأكواب الورقية، يمسح أسطح الطاولات البلاستيكية المتهالكة، يكنس عتبة المكان وجزءًا من الرصيف، ويهتم بطلبات الزبائن. ومع هذا النشاط والانتباه، لا يبدو معنيًا بما تهمس به حلقة الكهول الغاضبة التي تتخذ من الطاولة القصية مجلسًا لها، ولا بالعبارات المتبرمة التي يطلقها الأربعيني الرابض عند الطاولة الملاصقة لثلة من الشبان “الأفارقة”، في انعكاس لأجواء الشحن والترقب التي تغذيها صفحات التواصل الاجتماعي حول تزايد حضور المهاجرين في المدن والمناطق الساحلية في ليبيا.

أسباب متضافرة جعلت من ارتفاع مؤشر القلق في الشارع الليبي ظاهرة محسوسة إزاء الهجرة غير النظامية القادمة من جنوب الصحراء. فالبلاد التي حكمتها منظومة أمنية قوية، قبل أن تشملها ارتدادات ما اصطلح على تسميته حينذاك بثورات الربيع العربي التي ضربت المنطقة عام 2011، صارت حدودها مستباحة على يد منظمات وعصابات متخصصة في تهريب البشر عبر الحدود والقارات.

يمكن ملاحظة هذا القلق أيضًا فيما تتناوله الصحافة المرئية والمقروءة، وفي التعليقات والمواد الإعلامية التي تغمر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي لا تخلو في بعض الأحيان من شبهة العنصرية والتحريض على العنف. ذلك أن الخوف يخرج أسوأ ما في الإنسان، كما يقولون. وهو لا ينتاب الليبيين وحدهم، بل يشاركهم فيه جيرانهم في تونس والجزائر، حيث تتداول بعض الصفحات مقاطع فيديو ومواد مرئية أخرى توثق ما تعتبره “تجاوزات” يقترفها مهاجرون، غالبًا من دون تدقيق كافٍ في السياق أو الوقائع، وبما يفتح الباب أمام التعميم والتحريض.

ويصوّر بعض الخطابات الشعبوية تصاعد الهجرة غير النظامية إلى ليبيا وجيرانها كتمهيد لتغيير ديموغرافي محتمل، من دون أن يرافق ذلك غالبًا تدقيق في الوقائع أو في أوضاع المهاجرين أنفسهم. وقد يُعاد إنتاج هذا الخوف في سياق الاضطرابات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم، وما يرافقها من تدخلات خارجية وصراعات على النفوذ والموارد في قارة أفريقيا.

ما يجعل هذه المخاوف مفهومة في جانب منها، أن الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية انتهت إلى حالة من التيه والتشظي، وتوزع الولاءات بين فرقاء لا يملكون من الشرعية سوى شرعية الأمر الواقع، حيث غاب وسط كل ذلك “عقل الدولة” الذي يحدد منطلقات المصالح العليا للبلاد، ويرسم استراتيجيات الدفاع عنها.

ونتيجة لهذه الميوعة المؤسساتية، لا توجد تقديرات دقيقة، أو حتى تقديرات تقترب من تخوم الدقة، لدى الحكومتين غربًا وشرقًا، عن عدد المهاجرين غير النظاميين في كامل التراب الليبي. ومع أن حضور المهاجرين في المدن الكبرى الساحلية، مثل طرابلس، صار أكثر وضوحًا في الحياة اليومية، فإن غياب البيانات الدقيقة يجعل من الصعب قياس أثره الفعلي على الخدمات والبنية التحتية، بعيدًا عن الانطباعات العامة وخطابات الشحن. في المقابل، تتعاطى سلطات الأمر الواقع والجماعات المسلحة المسيطرة على الأرض مع الملف بروح انتهازية ضيقة الأفق، هدفها الابتزاز المالي والسياسي، لا أكثر ولا أقل.

لكن غياب الآليات والسياقات “البيروقراطية” القادرة على إنشاء منظومة رسمية للإحصاء لم يردع وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية عن التصريح في عدة لقاءات علنية عام 2025 بأن عدد المهاجرين غير النظاميين الموجودين داخل الأراضي الليبية يصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر. واعتبر الوزير الملف قضية أمن قومي. وأشار، في تصريح آخر أثناء مؤتمر حول نتائج «البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين غير الشرعيين»، إلى أن بعض التقديرات الأوروبية تتحدث عن نحو 1.5 مليون مهاجر فقط، بينما تؤكد تقديرات وزارة الداخلية أن العدد يقارب ثلاثة ملايين، وأن نحو 70 في المئة من المهاجرين هم عائلات، وليسوا مجرد أفراد عابرين، وهو ما اعتبره مؤشرًا مقلقًا على تحول ليبيا من بلد عبور إلى بلد استقرار للمهاجرين. 

في الحقيقة، يصعب التسليم بالسردية التي تقدمها تصريحات المسؤول الحكومي الليبي حول النوايا المبيتة لهؤلاء الذين قدموا من الصحراء الجنوبية، والرامية إلى الاستيطان في بلاد مضطربة لا أحد يستطيع التنبؤ بمستقبلها، ومحروسة بغابة بنادق وعشرات الآلاف من منتسبي المليشيات التي قد يرتبط بعضها بقوى خارجية من مصلحتها استدامة حالة الميوعة والفوضى.

أو هذا، على الأقل، ما تفنده سردية بابكر، العشريني النيجري العامل في أحد المقاهي بشارع الجمهورية في قلب العاصمة طرابلس، الذي يروي بإنجليزية سليمة محاولاته المتكررة لعبور البحر، انطلاقًا من ساحل إحدى المدن غربي البلاد، نحو وجهته المأمولة. يحكي عن دور المهربين المحليين في إفشال تلك المحاولات، وعودته في كل مرة إلى “الكامب” ذاته الذي يأويه ومئات غيره من الشبان العالقين بين الصحراء والبحر، حتى اضطر في نهاية المطاف إلى الهرب من تلك المدينة والمجيء إلى طرابلس.

التوطين الذي يخشاه الليبيون ليس خيار بابكر وأقرانه الذين خاضوا رحلة الموت عبر الصحراء، وصولًا إلى ساحل المتوسط الجنوبي، طمعًا في اصطياد فرصة للانتقال إلى الضفة الشمالية التي تبدو، على قربها، أبعد من القمر في السماء.

ولا يمكن الجزم بأن أوروبا تسعى إلى “توطين” المهاجرين في ليبيا بمعناه المباشر، إذ لم تعلن أي جهة أوروبية ذلك صراحة. لكن السياسات الأوروبية القائمة على منع الوصول إلى الضفة الشمالية، ودعم أدوات المراقبة والاعتراض والاحتجاز، تجعل من ليبيا عمليًا منطقة عازلة بين المهاجرين وأوروبا. في هذا المعنى، لا يحتاج الأمر إلى إعلان رسمي عن التوطين، ما دامت السياسات القائمة تنتج أثرًا قريبًا منه: إبقاء آلاف المهاجرين عالقين في بلد هش، تسيطر على منافذه وحدوده ومراكز احتجازه قوى محلية متداخلة المصالح.

هذه القراءة لا تخلو من التكهن، لكنها لا تبدو بعيدة عن منطق السياسات الأوروبية تجاه ليبيا منذ فقدت الدولة سيطرتها على حدودها، وصار التدفق البشري القادم من الجنوب تتجاوز آثاره الجغرافية الليبية إلى ما وراء حوض البحر المتوسط. فقد لجأ الاتحاد الأوروبي إلى ضرب حصار بحري انتقائي، فأطلق عام 2015 عملية “صوفيا”، وحدد لها حزمة أهداف معلنة، أهمها تفكيك شبكات تهريب البشر، واعتراض وتفتيش السفن المستخدمة في نقل المهاجرين، ثم المساهمة في تنفيذ حظر السلاح على ليبيا لاحقًا. وقد توسعت مهامها تدريجيًا لتشمل مراقبة المياه قبالة ليبيا بشكل أوسع.

تلتها، بعد ذلك بسنوات، عملية “إيريني” التي انطلقت في مارس 2020، واشتمل بنك أهدافها على مراقبة شبكات تهريب البشر، وجمع المعلومات عن الهجرة غير النظامية، ودعم قدرات خفر السواحل الليبي.

ولا تزال العملية مستمرة، وقابلة للتمديد مرات أخرى، ما دام مسار الأزمة الليبية، حتى اللحظة، بعيدًا عن توصل الفرقاء إلى حل يفضي إلى استعادة قوة المؤسسة وعقل الدولة الضائع في بيداء التيه السياسي.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

بابكر، الذي لا تغيب الابتسامة المضيئة عن وجهه المستدير ذي الملامح الطفولية، لا يكاد يتوقف عن الحركة. يلتقط…

في المجتمع الأمازيغي الليبي، تؤدي المرأة دورًا أساسيًا في حفظ اللغة والعادات والذاكرة اليومية للجماعة. يبدأ هذا الدور…

مع ارتفاع أعداد المصابين بالأورام السرطانية في مختلف المدن الليبية، صار المرض ملفًا عامًا يثير الخوف والأسئلة، وتدور…

يقدّم الكاتب سالم الكبتي من خلال كتابه "أيام القومية في ليبيا" الذي نُشِر عام 2021 عن دار الكون،…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.