عندما أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية في أغسطس 2025 أن ليبيا تصدّرت قائمة أسرع الاقتصادات العربية نموًّا بنسبة بلغت 17.3% وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه مؤشر على دخول البلاد مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي. فالدول التي تحقق مثل هذه المعدلات المرتفعة من النمو يُفترض أن تشهد تحسنًا في مستوى المعيشة، واستقرارًا أكبر في الأسعار، وتطورًا في الخدمات العامة. لكن السؤال الذي يطرحه كثير من الليبيين يبقى بسيطًا ومباشرًا: إذا كان الاقتصاد ينمو بهذه السرعة، فلماذا لا ينعكس ذلك بوضوح على حياتهم اليومية؟ هذا السؤال يعكس مفارقة واضحة في المشهد الاقتصادي الليبي؛ فبينما تتحدث المؤشرات الرسمية عن نمو مرتفع، لا يزال المواطن يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية واستمرار المشكلات الخدمية. ومن هنا يصبح من الضروري النظر إلى طبيعة هذا النمو ومصدره قبل الحكم على آثاره الفعلية.
في الواقع، يعود الجزء الأكبر من النمو الذي سجلته ليبيا خلال العامين الأخيرين إلى انتعاش قطاع النفط، الذي لا يزال يمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة والصادرات. فمع عودة عدد من الحقول والموانئ النفطية إلى العمل بوتيرة أعلى، ارتفع الإنتاج إلى أكثر من 1.37 مليون برميل يوميًّا، وتدفقت مليارات الدولارات إلى البلاد نتيجة زيادة الصادرات واستقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبيًّا. وقد انعكس ذلك على المؤشرات الاقتصادية، فارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 52.45 مليار دولار، كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى ما يقارب 6962 دولارًا سنويًا. غير أن الأهم من حجم هذه الأرقام هو طبيعة النمو الذي تعكسه؛ إذ لم يكن نتيجة توسع حقيقي في قطاعات الاقتصاد المختلفة كالصناعة أو الزراعة أو الخدمات، بل جاء أساسًا نتيجة زيادة إنتاج النفط وعائداته. ولذلك كان هذا النمو أقرب إلى انتعاش مالي تقوده الإيرادات النفطية منه إلى تحول اقتصادي قائم على تنوع مصادر الدخل والإنتاج. وإذا كان النفط يفسر سبب ارتفاع معدلات النمو، فإنه لا يفسر وحده سبب ضعف انعكاس هذا النمو على حياة المواطنين، وهو ما يقود إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية إدارة هذه الإيرادات وتوظيفها داخل الاقتصاد.
تتضح هنا الصورة بشكل أكبر عند النظر إلى الإنفاق العام. فوفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ الإنفاق الحكومي نحو 136.8 مليار دينار، إلا أن الجزء الأكبر منه ذهب إلى النفقات الجارية والاستهلاكية. فقد استحوذت المرتبات الحكومية على نحو 73.3 مليار دينار، بينما بلغت نفقات الدعم نحو 34.5 مليار دينار، في حين لم تتجاوز مخصصات التنمية والبناء نحو 20 مليار دينار، أي ما يقارب 14% فقط من إجمالي الإنفاق العام. ويعني ذلك أن معظم الإيرادات النفطية تُستخدم لتغطية المصروفات التشغيلية والالتزامات القائمة، بينما يظل الإنفاق على المشاريع الإنتاجية والاستثمارات طويلة الأجل محدودًا. وعندما تذهب غالبية الموارد إلى الاستهلاك بدلًا من الاستثمار، يزداد الإنفاق في السوق من دون زيادة مماثلة في الإنتاج، وهو ما يساهم في ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية على الأسر، كما يحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص اقتصادية جديدة وتحسين مستوى الخدمات بصورة مستدامة. ولهذا لا يشعر المواطن بأن معدلات النمو المرتفعة انعكست مباشرة على حياته اليومية؛ فهو لا يقيس أداء الاقتصاد بنسب النمو المنشورة في التقارير الدولية، بل بقدرته على شراء احتياجاته الأساسية ومستوى الخدمات التي يحصل عليها. ولذلك ليس مستغرباً أن تستمر الشكوى من الغلاء وتراجع القوة الشرائية رغم تحسن المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً أن معدل التضخم تجاوز خلال السنوات الأخيرة حاجز 10% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، في حين لا تزال أزمات الكهرباء والبنية التحتية والخدمات الصحية حاضرة في حياة المواطنين.
وتقود هذه المظاهر إلى المشكلة الأعمق في الاقتصاد الليبي. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم الإيرادات أو بنمط الإنفاق، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. فالاقتصاد الليبي ما يزال يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط والغاز، وهو ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار العالمية ومستويات الإنتاج، كما أن الدولة تعتمد على إعادة توزيع عائدات النفط عبر المرتبات والدعم والإنفاق الحكومي أكثر من اعتمادها على تحويل هذه العائدات إلى استثمارات منتجة تخلق اقتصاداً متنوعاً ومستداما. ولهذا السبب بقيت الطفرات النفطية المتعاقبة قادرة على رفع الإيرادات وتحسين المؤشرات لفترات محدودة، لكنها لم تنجح في إحداث تحول اقتصادي يقلل الاعتماد على النفط أو يخلق مصادر جديدة للنمو. ومن هنا يتضح أن النمو الذي حققته ليبيا خلال السنوات الأخيرة كان نمواً مدفوعاً بارتفاع الإيرادات النفطية أكثر من كونه نتيجة لتوسع اقتصادي شامل. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة إنتاج النفط أو ارتفاع أسعاره فحسب، بل في تحويل هذه الثروة إلى استثمارات ومشاريع وفرص عمل وبنية تحتية قادرة على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. وعندها فقط يمكن أن تتحول أرقام النمو المرتفعة من مؤشرات على الورق إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.