دروج Drooj

لماذا لا يستطيع الحاج الزروق أن يكون ليبراليًا؟

قرر الحاج الزروق أن يصبح ليبراليًا. نصف قرن من التهكم اللاذع، والهجاء المقذع، دفعاه لأن يتخذ مسارًا مختلفًا في حياته.

ولم يكن الحاج الزروق يعرف معنى محددًا للتغيير الذي ينشده، لكنه أيقن أنه يعاني خطبًا ما، إذ لا يُعقل أن يكون الجميع مخطئين بشأنه. وأن تغييرًا ما، بطريقة ما، كفيل بأن يخلّصه من معاناته ومعاناة غيره، لتصبح الحياة أفضل له ولهم.

وبالطبع، لم يكن الحاج الزروق ليدرك أنه بصدد التحول نحو الليبرالية (كما تكشّفت الأمور لاحقًا). لقد بدا له المفهوم دومًا غامضًا، مُقلقًا. كان ثمة شيء في هذه الكلمة يحثه على النفور منها، مع أنه لم يذكرها بسوء أو بخير في أي من منشوراته أو تعليقاته (الحاج الزروق نشط جدًا على السوشال ميديا).

والحاج الزروق شخصية متوقعة، لا تحمل تساؤلات جادة، ولا حيرة مؤرّقة. الحياة عنده تسير وفق منطق واضح، لا يرقى إليه شك.. على الأقل حتى هذا اليوم. كان رأس السنة الجديدة، وعليه هو أيضًا أن يصبح “إنسانًا جديدًا”.

بدأ الأمر لديه بالتسامح. “هذا رأيي، هذه قناعتي، وجهة نظري، أختلف، أعترض..”، تكررت هذه العبارات على مسمعه وأمام عينيه كثيرًا في السنوات الأخيرة بعد الانفتاح الذي أصاب البلاد. لم يكن مباليًا، ولم يعلم لمَ يجب عليه الاكتراث بما يعتقده الآخرون. لكن يتوجّب عليه الآن أن يكون متسامحًا مع الجميع. يتذكر “رسالة في التسامح” لفولتير (كان الحاج الزروق قارئًا في زمن ما)، ويتذكر بشيء من التشويش أن فولتير لم يدعُ بالضرورة للاقتناع بآراء الآخرين، أو حتى احترامها. فقط كان يحثّ على تقبّل حقيقة الاختلاف، وعن التخلي عن العنف – الرمزي منه والجسدي – كوسيلة لمواجهة الأفكار وتغيير القناعات.

فتح الحاج الزروق قوائم الحظر في حساباته على السوشال ميديا. ذُهل من العدد. وأذهله التنوّع أكثر: أفراد، صفحات، سياسة، دين، رياضة، أقارب، زملاء عمل، جيران. احتشدت قوائم الحاج الزروق بكل أطياف المجتمع تقريبًا. شعر بخجل مخزٍ، ولم يدرِ لمَ وكيف ومتى تسنّى له الوقت لبناء هذا السياج الضخم من المحظورات.

أعاد علاقاته مع الجميع تقريبًا، وأجبر نفسه على الاستماع أولًا، ومن ثم الاعتياد على إبداء الإعجاب والمشاركة في كثير مما كان يرفض مجرد الاطلاع عليه، في مختلف القضايا. بدءًا بالنزاعات السياسية محليًا ودوليًا، مرورًا بأزمات الثقافة والحداثة والإصلاح الديني، وانتهاءً بمشكلات التربية الحديثة والاحتباس الحراري وطبيعة زكاة الفطر، نقدًا أم قوتًا. تلقى عقله جرعة تسامح مكثفة، أثقل مما يستطيع استيعابها. مع ذلك، أحسّ الحاج الزروق بانتعاش لذيذ، حتى خُيّل إليه أنه أصغر سنًا. (لا يُعرَف عمره على وجه الدقة).

في هذه الأثناء، تساقط جزء من شاربه.

ورأى الحاج الزروق ضرورة اتخاذه موقفًا نظريًا واضحًا من مشكلة الاقتصاد، فهو أصل “الكساد والفساد”، بحسب تعبيره. وكان قد سمع في مكان ما، أن أقرب طريق لليبرالية هو اليسار (لا يتذكر أهو القديم أم الجديد). ولم يكن الحاج الزروق غريبًا تمامًا عن اليسارية. فهو أعسر، ويمكنه ببعض التدريب أن يسدد الكرة بكفاءة بقدمه اليسرى، كما يفضّل جانبه الأيسر عند النوم، وعينه اليسرى أكثر حدّة من اليمنى. والعلاقة بين اليسار والليبرالية عنده، لم تزد عن هذا المبدأ البسيط: أن يتمتّع المواطنون بثروات بلادهم على أسس العدل وتكافؤ الفرص. ولم تكد هذه الفكرة النبيلة تتبلور في ذهنه، حتى أطلّت المشكلة برأسها.

كان الحاج الزروق تاجرًا. كما كان في حياة سابقة موظفًا عامًا. وإن كان ثمة شيء واحد تعلمه من هاتين التجربتين، أنه لا مناص من الاتكال على الدولة، راعيًا ومرشدًا وكفيلًا. علاوة على أن تقليص “الاعتماد” على الدولة سيكلّفه غاليًا من الناحية الشخصية.

هنا اشمئز الحاج الزروق من أنانيته الفاقعة. وقرر في اللحظة نفسها أنه لا حلًا جذريًا لمشاكل البلد الاقتصادية سوى بكفّ يد الدولة الراعية واستبدالها بالدولة الحامية. لا بد من الشفافية، المحاسبة، التوزيع العادل للثروة، دعم المبادرات الفردية والمشاريع الخاصة. كل هذا كان ليمثّل له كابوسًا في حياته السابقة. “الليبرالي” الوحيد عنده كان الدولة فقط. هي من تقرر، كيف ومتى ولمَن. لقد كان يومًا حافلًا على الحاج الزروق. ارتجّ دماغه كثيرًا. لكنّه غُمر برضى عميم.

واستمر شاربه في السقوط الحر.

والتفكير في الاقتصاد أخذه – بشكل عرضيّ – للتفكير في قضايا المهاجرين. لم يكن الحاج الزروق ليأخذهم بجدية في يوم من الأيام. فهم عنده في أحسن الأحوال عمالة رخيصة، وفي أسوئها مستوطنون محتالون ينهبون خيرات البلاد. لكنّه اليوم الذي سيتمرد فيه على القديم، ولا بد أن يتصرف حيال هذا أيضًا. أعاد الحاج الزروق التفكير في مفهوم “الوطنية الليبية”. لا يعني هذا أنه طالب بتجنيس المهاجرين، أو إعطائهم حقوق الليبيين. لكنّه اكتشف أنه يجهل ليبيا، وأن حدود معرفته بها لا تتجاوز آخر عمود إنارة في شارعه.

كانت لديه تصورات ضبابية عن تاريخ البلاد القريب. أما البعيد، فلم يخطر له أنه وُجد أصلًا. لكنه اعتقد أنه يعرف الليبيين: كيف يُفكرون، بمَ يتكلمون، وماذا يأكلون ويشربون، يعرف ما يرضيهم وما يغضبهم. وكان مسلِّمًا بحقيقة أنهم أفضل من 99% من سكان الكوكب. وسرعان ما بدت له أفكاره مجرد خواطر سخيفة، لفّقها ذهنه الساذج.

أخذ بالتعرّف على ليبيا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. اكتشف تنوعها، ثراءها، امتدادها في التاريخ والجغرافيا، صِلاتها الثقافية مع جيرانها. سنينها العجاف، وبعضًا من سنيّ بحبوحتها. أدرك أن بلاده كبيرة، تتسع للجميع. وأدرك كذلك أنه لا موقفًا إنسانيًا تجاه المهاجرين، إلا ويجب أن يُسبق بنقاش حول ليبيا والليبيين.

كان هذا اختبارًا قاسيًا لنوايا الحاج الزروق. لكنه نجح في تخطّيه، حتى وإن كان الثمن بضع شُعيرات أخرى تهاوت من شاربه الأسطوري. لكنّ الأقسى كان في انتظاره.

كان الحاج الزروق يُدرك أنه يحتال لتفادي المشكلة الكبرى، السبب الرئيس، الحافز الذي دفعه لخوض غمار رحلة مرهقة، قلبت كيانه وعكّرت صفو مزاجه وسلامه النفسي. لكنه عزم على مواجهتها… مواجهة “الحاجة امدللة” وشقيقاتها، كما كان يصفها. وهذه المرة لم يسعه التفكير في شيء، فقد انتابته نوبة بكاء شديد.

لم يدرِ من أين يبدأ، وكيف سيُصلح، وبماذا سيُرمم. لقد وُلد في عالم “صنعه الرجال، ووضع قوانينه رجال”، كما قرأ في مكان ما. صور من العنف والقهر والمهانة توالت في مخيّلته. كان يرى نفسه جلّادًا يهوي بسوطه على الحاجة امدللة وشقيقاتها. امدللة؟! حقًا؟! أدرك للتو مكمن المفارقة المحزنة في التسمية، لؤمها، فظاعتها. قرر أن يستقيل من هذا العالم. ربما يهدمه، ويُمضي حياته في الاعتذار والتكفير.

كان ما يزال ينتحب عندما جاءت الحاجة امدللة ووضعت يدها على رأسه. رفع إليها عينيه الغارقتين في الدموع باستسلام. تناولت يده برفق، وأخذته أمام المرآة ليتأمّل روحه وقد تطهّرت. كان محاطًا بهالة من النور البهيّ، ملامحه لطيفة، وادعة، وتعابيره عذبة حد البراءة. لقد وُلد الحاج الزروق من جديد.

لكنه لاحظ اختفاءه. جال بعينيه، أشاح بوجهه يُمنة ويَسرة. لقد فقده. استولى عليه رعب مفاجئ جعل عينيه تجحظان على اتساعهما، وندّت عنه صرخة وحشية.

قفز من نومه لاهثًا والعرق يتفصّد من جبينه. للحظة تخيّل نفسه غريغور سامسا الذي مسخه كافكا إلى صرصار وهو في سريره. (سبق القول إنه كان قارئًا). لكنه فكّر – وهو يتحسس أسفل أنفه – أنه سيكون أسوأ من صرصار بدون شارب. شعر ببعض الارتياح وهو يمر عليه بأطراف أصابعه، لكنه لم يكن ليطمئن إلا بوقوفه أمام المرآة.. المرآة نفسها.

رآه ضخمًا، مكتمل الأبعاد، وقد استقرّ عليه صقر شامخ. انفرجت أساريره. تنهّد. وأيقن أنه تخلّص من تأثير الكابوس السرياليّ اللعين.

عاد إلى فراشه ضاحكًا، وركل زوجته النائمة طالبًا منها كوب ماء. أخذ يفتل شاربه بفخر متأملًا السقف، طاردًا من رأسه ما تبقى من أطياف هراء رأس السنة. وقرر الحاج الزروق – للمرة الأخيرة – أنه لا يحتاج إلى أكثر من هذا الشارب وصقره الشامخ، وبوجوده لا يستطيع أن يكون ليبراليًا… أو أي شيء آخر.

Share This Article

منشورات ذات صلة

قرر الحاج الزروق أن يصبح ليبراليًا. نصف قرن من التهكم اللاذع، والهجاء المقذع، دفعاه لأن يتخذ مسارًا مختلفًا…

عندما أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية في أغسطس 2025 أن ليبيا تصدّرت قائمة أسرع الاقتصادات العربية…

تضع جريمة الطفل رواد أحمد خليفة القديري سؤال حماية الطفل في ليبيا في صدارة المشهد. فالحادثة التي هزت…

مع صدور الترجمة العربية لرواية "الماروني الشاب" لأليساندرو سبينا عن دار الفرجاني، وبترجمة معاوية عبد المجيد، تدخل المكتبة…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.