في كل مرة تُنشر فيها صورة لفتاة ليبية، أو تُتداول قصة عن امرأة تجاوزت السلوك المتوقع منها، يصدر عنها أحكام جاهزة ورغبة في تحويل حياتها إلى محكمة تأديب عامة. يأتي هذا الهجوم من رجال ونساء، ويزداد قسوة حين تشارك فيه نساء يعرفن جيدًا شكل الخوف الذي يطارد النساء في الشارع والبيت والعائلة والفضاء العام.
المفارقة موجعة. فالنساء يعشن داخل القيود نفسها، ثم يشاركن في شدّها على نساء أخريات. امرأة تراقب امرأة وتدينها، وتدافع عن سلطة تضيق عليها هي أيضًا. هنا يحضر السؤال عن الآلية التي تجعل بعض النساء حارسات للنظام الذي يراقبهن، وعن الطريقة التي يتحول بها الخوف والضعف إلى قسوة ومشاركة فعّالة في هذا العقاب الجماعي. ويبتعد هذا السؤال عن عمل المرأة وخروجها إلى المجال العام. فالمرأة الليبية عرفت العمل منذ زمن طويل. عملت في الحقول، وجمعت الحطب، ورعت المواشي، وساهمت في إعالة الأسرة ماديًا. المشكلة أساسًا تقع في الحدود التي يرسمها المجتمع حول المرأة، ثم يدفعها إلى حراستها بنفسها.
يكفي النظر إلى خانة التعليقات تحت أي منشور يتناول فتاة ليبية، سواء من صورة لها أو جملة كتبتها، أو تصرفًا التقطته عدسة كاميرا أحدهم، حتى يبدأ الكلام عن الدين والأخلاق والتربية، وما يلبث حتى يصل إلى الشرف والعائلة. تتحول المرأة هنا إلى قضية رأي عام أمام جمهور غاضب، ويصير حضورها مادة لحملة التأديب. جزء مؤلم من هذا الهجوم يأتي من نساء. نساء يلعنّ امرأة أخرى ويطالبن بمعاقبتها، ويمنحن العنف غطاء الدين أو العيب أو أصالة المجتمع. تخرج المسألة من حدود التعليق الافتراضي إلى بنية أوسع تجعل المقهورة نفسها قادرة بدورها على إعادة إنتاج القهر، وتجعل المرأة التي عاشت تحت الرقابة شريكة في مراقبة غيرها.
تقول براءة، 22 سنة، إن الفتاة التي تهاجم فتاة أخرى تشاركها البيئة والانتماء تفعل ذلك أحيانًا لأنها تعلمت أن تستمد مكانتها من ازدراء غيرها. ففي مجتمع يراقب النساء باستمرار، قد تجد بعض النساء في إدانة امرأة أخرى وسيلة لإثبات الاستقامة، وفرصة للظهور في موقع آمن داخل الجماعة. تضيف براءة أن الهجوم قد يحمل عجزًا مكتومًا أيضًا. امرأة عاشت حرمانًا طويلًا، ثم رأت امرأة أخرى تفعل ما رغبت فيه يومًا، فتسخر منه وتدين صاحبته كي تحمي صورتها أمام نفسها وأمام الآخرين.
أما بلقيس، 30 سنة، فتقدم تجربة مختلفة. تقول إن بيتها منح الذكور والإناث مساحة متقاربة، وإن الأخ في عائلتها سند لا رقيب. درست، وتعمل، وتربي بناتها وابنها على أن يكونوا أنفسهم، بعيدًا عن ضغط مجتمع يفرض أحكامه على الجميع. لذلك تجد في مهاجمة امرأة أخرى فعلًا غريبًا عن الأخلاق التي تربت عليها.
وفاطمة، 50 سنة، ترى الأمر من زاوية أخرى. لديها حساب على فيسبوك، وتقول إن من واجبها انتقاد أي تصرف يخدش أصالة المجتمع الليبي. حين سُئلت عن استخدام الألفاظ النابية في التعليقات، ربطت الأمر بمعرفة الناس بها وبالخوف من العيب. وحين طُرح عليها احتمال الكتابة باسم مستعار، قالت إن الضرب بالعصا يصبح ممكنًا عند القدرة عليه، ثم ألحقت ذلك بعبارة تختصر الكثير من العنف اليومي، هادي ثقافتنا وديننا.
تكشف إجابة فاطمة استعدادًا اجتماعيًا واسعًا لتبرير العنف. فالكلام البذيء والتشهير والتحريض والضرب تتحول إلى أدوات مقبولة حين يمنحها المزاج العام غطاء أخلاقيًا. يتقدم المجتمع نحو العقاب بثقة، ويتراجع القانون أمام هذا المزاج، فيكبر التحريض حتى يبلغ في حالات كثيرة حدود الجريمة.
تتكرر في ليبيا عبارة حكومة “نساوين” عند تفسير أي خلل اجتماعي. تبدو العبارة ساخرة، لكنها تحمل طريقة في إزاحة المسؤولية. مجتمع يهيمن فيه الرجال على السياسة والاقتصاد والسلاح والشارع والعائلة، ثم ينسب فوضاه إلى النساء حين يتعلق الأمر بالتربية والأخلاق وسمعة البنات. هكذا تتحول المرأة إلى المتهمة الأسهل، حتى حين تقف بعيدًا عن مراكز القرار والقوة.
تملك النساء داخل البيت والمجتمع هوامش تأثير حقيقية، لكنها هوامش مشروطة. يقول الكاتب وسيم السيليني إن المرأة تستمد كثيرًا من قوتها الاجتماعية من الرجال في محيطها، وتستخدم هذه القوة وفق شروطهم. تستطيع أن تقسو على ابنتها، أن تراقب أختها، أن تهاجم امرأة أخرى، طالما تتحرك في الاتجاه الذي تريده السلطة الذكورية. وعندما تستعمل هذه القوة لحماية النساء والدفاع عن حريتهن، تفقد الغطاء الذي منحها تلك المكانة، وتنتقل إلى موقع النساء الخارجات عن الطاعة. وبذلك تتحول المرأة إلى وسيط للسلطة أكثر من كونها صاحبة لها. تُمنح سوطًا، وتُطلب منها حراسة باب مغلق، فتظن أن الحراسة تمنحها نجاة خاصة. مع الوقت تكتشف أن السوط نفسه ينتظر يدًا أخرى حين يأتي دورها.
هذا الفهم يمنح النساء مسؤولية واضحة من دون أن يعزلهن عن السياق الذي صنع تلك المسؤولية. فالعنف، سواءً الرمزي أو المادي، والمشاركة في جلد امرأة أخرى، أفعال تترك أثرًا غائرًا. وفي الوقت نفسه، يصنع المجتمع هذه الدائرة حين يربي المرأة على الخوف من الفضيحة، ثم يكافئها حين تفضح غيرها، ويمنحها مكانة مؤقتة كلما شاركت في حراسة القيود.
إن الحريات في ليبيا تضيقُ يومًا بعد يوم، وتتحول الحياة إلى منظومة مراقبة. على الجميع معرفة القواعد، وعلى النساء دفع الثمن الأكبر عند الاقتراب من حدودها. تدفع المرأة ثمن خضوعها، وتدفع ثمن مشاركتها في إخضاع غيرها، وتجد نفسها في النهاية داخل الدائرة نفسها التي ظنت أنها نجت منها.
لذلك تبدو عبارة المرأة نصف المجتمع قاصرة عن فهم ما يحدث. فالنصف الذي يُطلب منه أن يربي ويحمي ويصلح يحتاج أولًا إلى مساحة آمنة، وإلى حق في الاختيار. المجتمع الذي يحمّل المرأة مسؤولية أخلاقه، ثم يراقب جسدها وصوتها وحياتها، يصنع تناقضًا دائمًا، ويدفع النساء إلى معارك صغيرة ضد بعضهن بدل مواجهة البنية التي تضغط عليهن جميعًا.
لهذا فإن ما يحدث اليوم لا يضر النساء اللواتي يتعرضن للهجوم فقط، بل يرسخ ثقافة تجعلهن هشّات. فكل مرة تُشارك فيها امرأة في التشهير بامرأة أخرى، أو في تبرير العقاب الواقع عليها، تتسع الدائرة التي يمكن أن تبتلعها هي نفسها لاحقًا. وما يبدو حماية للمكانة أو انسجامًا مع الجماعة لا يغيّر حقيقة بسيطة مفادها أن القيود التي تُفرض على امرأة اليوم يمكن أن تُفرض غدًا على غيرها، وربما عليها هي شخصيًا.
لهذا لا تبدأ مواجهة هذه الظاهرة بالدفاع عن امرأة بعينها، بل بكسر فكرة أن النساء مسؤولات عن مراقبة بعضهن بعضًا. فالمجتمع الذي يدفع النساء إلى لعب دور الحارس والسجين في الوقت نفسه لا ينتج سوى مزيد من الخوف والعداء. والخروج من هذه الدائرة يبدأ حين تتوقف النساء عن رؤية بعضهن كخصوم، ويبدأن في رؤية ومحاربة القيود التي تحاصرهن جميعًا.