انتحل نصًا من الذكاء الاصطناعي وضع عليه اسمك
يُحكى أنه عندما جرى اختراع المسدس قال مخترعه، أو نُسب إليه القول، إن اليوم يتساوى الشجاع والجبان. فهل يحق لنا، بعد ظهور الذكاء الاصطناعي، أن نقتبس منطق الجملة ذاتها ونقول إن الآن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وتتعادل كلمة من قرأ مئات الكتب بكلمة من لم يقرأ كتابًا منذ غادر صفوف المدرسة، بل أحيانًا تفوقها وزنًا، فيخجل الكاتب من كونه كاتبًا، والصحفي من كونه صحفيًا، والمفكر من كونه مفكرًا، ما دامت كل هذه الألقاب صارت مشاعًا لمن هبّ ودبّ؟
وهل يحق لنا أن نتساءل أيضًا إلى أين يأخذنا هذا العالم السادر بلا ضوابط ولا معايير ولا ثقافة راسخة؟
في هذه اللحظة بالذات، حيث تزحف “روح الآلة” إلى قلب الحياة على ظهر الكوكب عبر برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يتراجع الرهان على الفكر والشعر والأدب كمنتج إبداعي إنساني عوّلت عليه البشرية طوال تاريخها في إحداث الفارق، والارتقاء بالفرد والجماعة إلى مدارج أسمى.
لكن إذا كان من الصعب تصور سيناريوهات دقيقة لعمق ومساحة تأثير الـAI على الحقل الثقافي والأدبي في البيئات المعرفية والعلمية التي أهدت الجنس البشري هذا المنجز المذهل، وبالتالي عقد مقارنات منطقية للموازنة بين ميزات دخول العصر الجديد ومخاطره، ذلك العصر الذي قلّص الشقة بين الجهل ونقيضه إلى حدّ يشبهه البعض بالعصر الذي اخترع فيه المسدس، فإن مظاهر تأثر المشهد الثقافي والأكاديمي في ليبيا، على سبيل المثال، تبدو واضحة بشكل مبكر.
ربما تبدو المخاوف التي تُطرح في هذا السياق مبالغًا فيها من وجهة نظر كثيرين، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر، مع ذلك، أن ثمة مبررات موضوعية تعطي لمثل هذه المخاوف بعض الوجاهة.
الوهم الأخطر الذي تصنعه تقنيات الذكاء الاصطناعي أن المعرفة والثقافة يمكن أن تتحولا إلى “روشيتات” جاهزة و”كبسولات” صغيرة في شكل جمل وعبارات يجمعها الـAI، ثم يقرأها الدعيّ ويعيد نسخها، حتى يصبح مثقفًا وصاحب حق في تشكيل وعي جمعي يعتمد على معرفة سطحية متشظية وملفقة، تشبه إلى حد كبير وحش فرانكشتاين الأسطوري، أي الجسد بلا روح.
شيء يقترب مما يصفه الفيلسوف الكندي “ألان دونو” في كتابه “نظام التفاهة”، حين يتحدث عن انسحاب التفكير العميق والتأملي في النظر إلى الأشياء، وإفساح المجال أمام تغوّل نزعة تقنية ذات طابع تبسيطي وتنميطي، تُخرج إلى الحياة نماذج متمكنة من المعارف التقنية والعملية، لكنها فارغة فكريًا. ثم يخلص في النهاية إلى أن نظام التفاهة هو النظام الاجتماعي الذي تسيطر فيه طبقة الأشخاص التافهين على مناحي الحياة، وتُكافأ فيه الرداءة والتفاهة بدل العمل الجاد والملتزم.
الشاهد أن العلم والتكنولوجيا يمكنهما أن يتخذا مسارًا مفارقًا لما ينفع الناس، أي للثقافي والمعرفي، بحسب الوظيفة التي يحددها النظام الاقتصادي والسياسي. البارود وتخصيب اليورانيوم مثالان واضحان على بشاعة الاستثمار في مكتشفات العلم وتطبيقاته.
ثم أن ما يسميه متذوقو الفنون التشكيلية بالرسم التجريدي، الذي يعتبر “بيكاسو” من أهم رواده، هو نمط متطور تعرفه الكراريس المنهجية بأنه “مدرسة فنية تهتم بالأصل الطبيعي، ورؤيته من زاوية هندسية، فيظهر مجرد قطع إيقاعية مترابطة ليست لها دلائل بصرية مباشرة، وإن كانت تحمل في طياتها شيئًا من خلاصة التجربة التشكيلية التي مر بها الفنان”. هذا يعني ببساطة أنك لا تستطيع أن تدعي إنجاز لوحة تجريدية دون أن تمسك بقواعد الرسم في مراحله الكلاسيكية والواقعية، ودون أن تمتلك، إضافة إلى ذلك، تجربتك الخاصة في هذا المضمار.
على هذا القياس، لن تتمكن من انتهاك مملكة الشعر من بوابة ما بعد الحداثة، لتلقي إلينا من نافذتك العالية هذيانًا مشوشًا مصنوعًا بواسطة الـAI، ولا يعكس سوى فراغ التجربة وضعف الصنعة وغياب المعرفة. وفوق ذلك لن تستطيع، مهما بذلت من جهد ووقت، أن تقنعنا بأن ما تفضلت بخربشته على جدارك “الفيسبوكي”، أو ما نشرته لك وزارة ثقافة في بلد تعتبر الثقافة نوعًا من الترفيه، لا يقل قيمة عما أنتجه علي الفزاني وأمل دنقل والصغير أولاد أحمد، أو عما أُجبرنا على حفظه عن ظهر قلب من تحف المتنبي وعمر بن أبي ربيعة لأداء الامتحانات المملة في مادة اللغة العربية، ثم لم نجد غيره حين كبرنا ليعبر عن أحوالنا في كل تفاصيل معيشتنا.
الاستسهال باسم حرية الإبداع في كل أنماط الفن والأدب، خصوصًا في بلادنا، سببه الأساسي وبالدرجة الأولى غياب “الماكينة” النقدية القادرة على فرز الغث من السمين، وكشف أوهام الأدعياء ومعدومي الموهبة الذين ملأوا علينا الأرض تفاهة وخواء وسطحية، ثم زادهم الـAI ضلالًا.
لكن الاعتراف بمسؤولية غياب الناقد والنقد عن فوضى الهذيان الذي يستفحل كل يوم، مع ركون عديمي الموهبة إلى استعارة الوهم الاصطناعي، لا يبرئ المؤسسة الرسمية التي أمعنت في تهميش القيمة الاجتماعية والمعرفية للآداب والفنون، بوضعها في ذيل قائمة الاهتمام الحكومي، واستثنائها من الرعاية والدعم المالي الذي يذهب عبثًا وفي كل الاتجاهات، دون وجود خطة وطنية شاملة تضع الثقافة والفن والأدب في قلب مشاريع التنمية المجتمعية والبشرية.
على أية حال، لا أعتقد أن في هذا الحديث جديدًا. عشرات، بل مئات، بل آلاف المقالات تناولت الموضوع ذاته، ووضعت اليد على الداء ذاته، واقترحت تصورات ومعالجات، ومع ذلك ظلت الأمور كما هي، لم يتغير فيها شيء ولو بمقدار أنملة.
بيد أن ما يزيد الطين بلة في الأوساط الثقافية المحلية هو هذا الكم الهائل من المجاملة المفرطة، والمفرطة بتشديد الراء، التي ينتهجها الحقيقيون من كتاب ومثقفين في التعامل مع المزيفين والأدعياء ممن يشوهون الذائقة والذوق العام باسم الحداثة وما بعد الحداثة. مجاملة تتجاوز أحيانًا حدود غض الطرف والتسامح في غير محله، إلى حدود التقريظ والإشادة بما يهرف به هؤلاء المتطفلون على عالم الفن والأدب، ثم تفاقم تطفلهم بعد أن زادهم الذكاء الاصطناعي ضلالًا وجرأة على الادعاء.