دروج Drooj

ملامح ما بعد تجميد “القرار 25”: ترقب وقلق بين الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا

تحت غطاء “تحديث التشريعات وسد الفجوات القانونية”، استحدث مجلس وزراء حكومة الوحدة في 15 يناير 2025 القرار رقم 25 لسنة 2025، لاعتماد لائحة تنظيمية جديدة لشروط وضوابط الحصول على المعاش الأساسي ومنافع الأشخاص ذوي الإعاقة. لكن هذه اللائحة، التي صُنعت إداريًا لتنظيم الدعم ودخلت حيز التنفيذ الفعلي في أبريل 2025، اصطدمت بجدار من الرفض الحقوقي والشعبي، بعدما تحولت شروطها البيروقراطية وتقليص الأمراض المشمولة بموجبها إلى وسيلة لتهديد الأمان المالي لشريحة واسعة من الفئات الأكثر هشاشة، مما فرض حالة من القلق بين المستفيدين من هذه المعاشات.

ودخل ملف الرعاية الاجتماعية والأشخاص ذوي الإعاقة مرحلة أخرى من الترقب والقلق بين المستفيدين من معاشات التضامن، عقب إعلان الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي في يوليو الماضي إيقاف العمل بالقرار رقم 25 لسنة 2025 مؤقتًا والعودة إلى الآليات السابقة، في استجابة مباشرة لموجة واسعة من الانتقادات والتحركات الحقوقية التي تلت بدء التطبيق الفعلي للقرار، لتُحال بذلك الأزمة من ساحات الاحتجاج إلى أروقة اللجان الفنية، حيث باتت الأنظار تتجه صوب اللجنة الطبية الاستشارية المكلّفة بإعادة دراسة التعديلات المقترحة وصياغة أحكام تقدير العجز من جديد.

ورغم أن قرار التعليق منح المستفيدين طمأنينة مؤقتة حيال استمرار صرف معاشاتهم الأساسية وتفادي الاستبعاد الجماعي، إلا أن الأوساط الحقوقية وممثلي شريحة الأشخاص ذوي الإعاقة لا يزالون يبدون مخاوف حقيقية من احتمالية عودة القيود البيروقراطية في الصياغات القادمة. وتتركز المطالب الحالية على ضرورة إلغاء الشروط التعجيزية بشكل نهائي، لا سيما تلك المتعلقة بإلزام الأشخاص ذوي الإعاقات الدائمة بتقديم تقارير طبية دورية، فضلًا عن المطالبة بتسريع صرف أي مستحقات متأخرة تراكمت خلال فترة الاضطراب الإداري السابقة التي تلت صدور القرار عن مجلس الوزراء، وإعادة النظر في قوائم الأمراض والإعاقات التي يشملها القرار.

ويأتي هذا الحراك الإداري ليمسّ الشريحة الأكثر هشاشة والأقل دخلًا في البلاد، المسجلة لدى الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي؛ إذ يضم هذا الملف 220,210 مواطنين غير القادرين على العمل. وتتوزع هذه الشريحة بين الأشخاص ذوي الإعاقات الحركية والذهنية والبصرية والسمعية، وذوي متلازمة داون والتوحد، إلى جانب الأسر فاقدة السند الاجتماعي من أرامل ومطلقات وأيتام، فضلًا عن العاجزين كليًا عن العمل والمسنين الذين يفتقرون لأي معاش تقاعدي ضماني بديل.

وتتفاقم أزمة هذه الفئات بالنظر إلى قيمة المعاشات الحالية الجامدة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 1 لسنة 2021؛ حيث يتقاضى المستحق الذي لا يعول أسرة 650 دينارًا فقط، بينما تحصل الأسر المكونة من فردين على 700 دينار، وتلك المكونة من 3 أفراد فأكثر على 800 دينار، مع إضافة 450 دينارًا فقط كمنحة “خدمة منزلية معانة” للمرافق الدائم لذوي الإعاقات الشديدة استنادًا لقرار سابق يعود لعام 2018. وتواجه هذه الأرقام انتقادات حادة لعدم مواكبتها لنسب التضخم، حيث باتت القيمة الشرائية للمعاش لا تغطي الحد الأدنى للعيش الكريم، في ظل الارتفاع الكبير بأسعار الأغذية والأدوية واقتصار الدعم الفعلي على الورق.

وإلى جانب ضعف الدخل، يواجه المستفيدون تحديات يومية شاقة ترتبط بالتكلفة الباهظة للمستلزمات الطبية والتأهيلية، كالكراسي المتحركة والمعينات السمعية وأدوية الأعصاب الدورية التي تُدفع غالبًا من جيوبهم الخاصة لعدم توفرها بانتظام في مراكز الدولة، فضلًا عن غياب منظومة تأمين صحي شاملة. وتزيد التعقيدات البيروقراطية شدّة الأعباء الواقعة عليهم من خلال إجبارهم على مراجعة اللجان الطبية وإعادة تقديم التقارير لإثبات حالات العجز، وهو ما يمثل عبئًا جسديًا ونفسيًا لأصحاب الإعاقات المستديمة التي لا يمكن الشفاء منها طبيًا.

وفي هذا السياق, وصفت المنظمة الدولية لحماية الطفولة والأشخاص ذوي الإعاقة لوائح القرار رقم 25 بأنها “انتهاك صارخ وحرمان ممنهج” يمسّ حقوق الأطفال من ذوي الإعاقة في ليبيا. وانتقدت المنظمة بشدة البنود الإدارية الصادرة عن الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي والتي اشترطت قيودًا وتصنيفات معقدة لحرمان الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 4 سنوات من منفعة المعاش الأساسي، تشمل المكفوفين ومصابي الشلل التام ومبتوري الأطراف، وتأجيل استحقاقهم لحين بلوغ تلك السن، معتبرة هذا التوجه تجاهلًا واضحًا للنصوص القانونية المحلية والمعايير الدولية التي كفلت الرعاية والاشتراك المالي لهذه الفئات الهشة منذ الولادة لتغطية احتياجاتهم الطبية واليومية، محذرة من أن تجميد القرار الحالي يجب ألا يكون مجرد مناورة إدارية، بل خطوة نحو إلغاء هذه الشروط الإقصائية نهائيًا وضمان عدم المساس بالحقوق المكتسبة للطفل.

وعن جانب التدقيق المالي المحيط بالأزمة، توضح وثائق رسمية صادرة عن وزارة المالية بحكومة الوحدة، عن اختلال بائن في الأولويات، يتمثل في تأخر صرف مستحقات الفئات الأكثر هشاشة لشهور طويلة رغم وجود وفرة مالية ملحوظة وسيولة مجمدة في الميزانيات السابقة للهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي؛ إذ أظهرت الحسابات الختامية المفصلة للسنوات من 2020 إلى 2024 وجود فائض تراكمي محتجز بلغ 1,147,703,920 دينارًا ليبيًا في رصيد البنود الخاصة بالمنافع دون استغلاله لتخفيف معاناة المستفيدين.

كما بينت التقارير الرسمية أن تفعيل قرار جدول المرتبات الموحد واستقطاع القيمة التضامنية من المنبع ضاعف من الفوائض المالية غير المسيلة، محققًا فائضًا كبيرًا بحصيلة الرصيد الدفتري لإيرادات الحساب المصرفي للهيئة (الحساب القابض) بمبلغ وقدره 2,787,924,000 دينار ليبي، وذلك حتى تاريخ 2025/06/30.

وأمام هذا التناقض بين الأرصدة المليارية المكدسة وتأخر الصرف الفعلي على الأرض، وتحت ضغط الاحتقان، قررت وزارة المالية ووزارة الشؤون الاجتماعية في أغسطس 2025، البدء في تسوية وجدولة المديونية المتراكمة، والمباشرة بصرف منحة “الخدمة المنزلية المعانة” المتأخرة لمستحقيها البالغ عددهم نحو 29,000 حالة، وبأثر رجعي يحتسب بداية من 2025/01/01.

وعلى الصعيد الحكومي، لم ينهِ التجميد الأخير الخلاف القائم بين الوزارات المعنية حول مستقبل الدعم المالي؛ إذ تواجه رغبة وزارة الشؤون الاجتماعية في رفع قيمة المعاش الأساسي لمواجهة التضخم المتزايد وغلاء المعيشة، ممانعة مستمرة من وزارة المالية التي تربط أي زيادة جديدة بالمخصصات المتاحة وضغوط الترتيبات المالية الحالية (اتفاق الإنفاق الموحد)، وهو ما أشار إليه وزير المالية في حكومة الوحدة منذ يومين بشكل مباشر وواضح خلال اجتماع مجلس الوزراء في مدينة زليتن. وفي ظل هذا الجمود المالي والتقشف الحكومي، يبقى التحدي الحقيقي أمام صندوق التضامن الاجتماعي هو القدرة على صياغة لوائح مرتقبة تلبي تطلعات المستفيدين في الحصول على حياة كريمة، دون أن يقعوا مجددًا ضحية للإقصاء أو يوضعوا في ذيل أولويات الإنفاق العام للدولة.

Share This Article

منشورات ذات صلة

تحت غطاء "تحديث التشريعات وسد الفجوات القانونية"، استحدث مجلس وزراء حكومة الوحدة في 15 يناير 2025 القرار رقم…

يشكل الساحل الليبي الممتد لأكثر من 1750 كيلومتر، الملاذ الطبيعي الأكبر والحضانة البيئية الأهم للسلاحف ضخمة الرأس (Caretta…

حوار عزيزة حسين مع عبد العزيز الحسناوي في أقصى الجنوب الليبي، تختزن مدينة غات ذاكرة قرون من حركة…

أنا بنتُ جبل، أزعم أني أفهم لغة حجارته ووديانه وعشبه البري، أعيش على ضفة أحد وديانه وأعرف ماذا…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.