أكثر من 150 ألف عضو في مجموعة ليبية واحدة على موقع فيسبوك، يتبادلون يوميًا قصصًا عن فقدان الوزن وتحسن أعراض أمراض مزمنة مختلفة، من اضطرابات الهضم والقولون إلى ارتفاع السكر والكوليسترول وقصور الغدة الدرقية، فضلًا عن روايات تتحدث عن تقليل بعض الأدوية أو الاستغناء عنها. وقد أسهمت هذه القصص في تحويل “نظام الطيبات” من حمية غذائية متداولة على الإنترنت إلى واحدة من أكثر الظواهر الصحية إثارة للجدل.
ولم يأت هذا الانتشار نتيجة توصيات طبية رسمية أو حملات دعائية واسعة، بل جاء مدفوعًا أساسًا بالتجارب الشخصية التي يتداولها المتابعون. فكل قصة عن تحسن صحي أو تراجع في الأعراض أو فقدان للوزن كانت تجذب مزيدًا من المهتمين، وتدفع آخرين إلى تجربة النظام أملًا في تحقيق نتائج مماثلة. ومع مرور الوقت تحول النظام من تجربة فردية يتبادلها بعض الأشخاص إلى ظاهرة صحية يتابعها الآلاف من المرضى الباحثين عن حلول لمشكلاتهم الصحية المزمنة.
لكن كلما اتسعت شعبية النظام، اتسعت معها دائرة الجدل حوله. فبينما يؤكد كثير من متبعيه أنهم لمسوا تحسنًا حقيقيًا في صحتهم بعد تطبيقه، يحذر أطباء واختصاصيو تغذية من أن كثيرًا من فرضياته لا تستند إلى أدلة علمية كافية، وأن بعض توصياته تتعارض مع مبادئ أساسية في الطب والتغذية الحديثة.
وهنا تظهر المفارقة التي تقف في قلب الجدل كله: إذا كان النظام يواجه هذا القدر من التحفظات الطبية، فلماذا يشعر بعض المرضى فعلًا بالتحسن عند اتباعه؟
لفهم هذه المفارقة لا بد أولًا من النظر إلى السياق الذي ساعد على انتشار النظام. فليبيا، مثل كثير من دول المنطقة، تشهد ارتفاعًا مستمرًا في معدلات الأمراض المزمنة، وعلى رأسها السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم وأمراض الجهاز الهضمي. ويجد كثير من المرضى أنفسهم في رحلة علاجية طويلة تتخللها الأدوية والفحوصات والمتابعة المستمرة. بعضهم يحقق تحسنًا محدودًا، وبعضهم لا يصل إلى النتائج التي كان يأملها رغم التزامه بالعلاج. وفي مثل هذا الواقع يصبح البحث عن حلول جديدة أمرًا مفهومًا من الناحية الإنسانية، لأن المرضى لا يبحثون فقط عن الدواء، بل يبحثون أيضًا عن الأمل.
ومن هنا وجد نظام الطيبات أرضية خصبة للانتشار. فهو لا يقدم نفسه بوصفه حمية غذائية لإنقاص الوزن فحسب، بل يطرح رؤية أوسع تعتبر أن كثيرًا من الأمراض المزمنة ترتبط بنوعية الغذاء الذي يتناوله الإنسان. وتقوم فكرته الأساسية على تقسيم الأطعمة إلى فئتين: أغذية “طيبة” تساعد الجسم على التعافي، وأخرى “خبيثة” يرى أنها مسؤولة عن الالتهابات والاضطرابات الصحية المختلفة.
وتعود هذه الأفكار إلى الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، الذي كان متخصصًا في التخدير والعناية المركزة قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في مجال التغذية العلاجية. وقد نجح خلال فترة قصيرة في استقطاب أعداد كبيرة من المتابعين عبر القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، مستفيدًا من خطاب بسيط ومباشر يقدم تفسيرًا مبسّطًا لمشكلات صحية معقدة.
ولعل هذه البساطة تمثل أحد أهم أسباب جاذبية النظام؛ فبدلًا من الحديث عن العوامل الوراثية والهرمونية والمناعية والبيئية المتداخلة في نشأة الأمراض، يقدم النظام تفسيرًا يسهل فهمه: هناك أطعمة تضر الجسم وأخرى تساعده، وإذا اختار الإنسان الغذاء المناسب فإن جسمه سيستعيد قدرته على التعافي.
لكن السؤال يبقى: هل التحسن الذي يتحدث عنه كثير من متبعي النظام حقيقي؟
في الواقع لا ينكر كثير من الأطباء واختصاصيي التغذية أن بعض الأشخاص قد يشعرون فعلًا بتحسن بعد تطبيق نظام الطيبات. غير أن الخلاف لا يدور حول حدوث التحسن بقدر ما يدور حول تفسير أسبابه. فعندما يبدأ شخص باتباع النظام فإنه غالبًا ما يتوقف في الوقت نفسه عن تناول كميات كبيرة من الوجبات السريعة والأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات المحلاة والمخبوزات التجارية. ومن المعروف علميًا أن تقليل هذه المنتجات قد يؤدي إلى تحسن أعراض عديدة، خاصة اضطرابات الجهاز الهضمي والشعور بالانتفاخ والخمول.
كما أن بعض الأشخاص يعانون من عدم تحمل أو حساسية تجاه أنواع محددة من الأغذية، مثل بعض منتجات الحليب أو بعض أنواع الحبوب. وعندما يتم استبعاد هذه الأغذية من النظام الغذائي قد تختفي الأعراض المرتبطة بها، فيشعر الشخص بتحسن واضح في حالته الصحية.
ويعرف هذا المبدأ في الطب الغذائي باسم “حمية الإقصاء”، وهي استراتيجية تستخدم بالفعل تحت إشراف طبي لتحديد الأغذية التي تسبب أعراضًا معينة للمريض. ولهذا يرى عدد من المختصين أن جزءًا من قصص النجاح المرتبطة بنظام الطيبات يمكن تفسيره من خلال هذا المبدأ المعروف علميًا، وليس بالضرورة من خلال جميع التفسيرات التي يقدمها النظام لنفسه.
لكن الإشكال العلمي يبدأ عندما يتحول هذا التحسن إلى دليل يُستخدم لإثبات قدرة النظام على علاج أمراض مزمنة معقدة. فمعظم النتائج التي يربطها متبعو النظام به، مثل فقدان الوزن وانخفاض السكر التراكمي وتحسن الكوليسترول والدهون الثلاثية، ليست نتائج حصرية لنظام الطيبات. بل يمكن تحقيقها عبر عدد كبير من الأنظمة الغذائية المدروسة علميًا عندما تؤدي إلى فقدان الوزن وتحسين جودة الغذاء وتقليل استهلاك الأطعمة فائقة التصنيع.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن ينخفض السكر التراكمي لدى مريض السكري نتيجة فقدان الوزن أو زيادة النشاط البدني أو تحسين الالتزام بالعلاج أو اجتماع هذه العوامل معًا. كما أن تحسن الكوليسترول قد يرتبط بتغيرات واسعة في نمط الحياة، وليس بالضرورة بالتصنيف الغذائي الذي يقوم عليه النظام.
ولهذا يميز الطب الحديث بين حدوث التحسن وبين تفسير سببه. فالتجربة الشخصية قد تثبت أن شخصًا ما تحسن، لكنها لا تستطيع أن تثبت لماذا تحسن، ولا أن تؤكد أن النتيجة نفسها ستتكرر لدى أشخاص آخرين.
ومن هنا تأتي أهمية الدراسات العلمية المحكمة. ففي الطب لا تعتمد فعالية أي علاج أو نظام غذائي على عدد قصص النجاح المتداولة، مهما كان كبيرًا، بل على الدراسات التي تقارن بين مجموعات كبيرة من المرضى وتتابع نتائجهم على المدى الطويل. وحتى اليوم لا توجد دراسات سريرية منشورة تثبت أن نظام الطيبات قادر على علاج الأمراض المزمنة التي يُنسب إليه علاجها، أو أنه يتفوق على الأنماط الغذائية المدروسة علميًا.
ولا يقتصر الجدل على غياب الدراسات السريرية، بل يمتد أيضاً إلى طبيعة التوصيات الغذائية التي يقوم عليها النظام. فبينما تستند معظم الإرشادات الغذائية الحديثة إلى مبدأ التنوع الغذائي، يستبعد نظام الطيبات مجموعات غذائية كاملة تعد جزءًا أساسياً من التوصيات المعتمدة عالمياً.
وتأتي البقوليات في مقدمة هذه الأغذية. فالفول والعدس والحمص والفاصوليا ليست مجرد مصادر للطاقة، بل تعد من أهم مصادر البروتين النباتي والألياف الغذائية والفيتامينات والمعادن. وقد أظهرت دراسات عديدة أن استهلاكها المنتظم يرتبط بتحسين التحكم في مستويات السكر وخفض الكوليسترول وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب.
كما يستبعد النظام عددًا كبيرًا من الخضروات الورقية، وهي أغذية غنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي تلعب دورًا مهمًا في حماية الخلايا من الالتهابات والإجهاد التأكسدي. ولهذا يرى كثير من المختصين أن استبعادها بصورة واسعة يتعارض مع جزء مهم من المعرفة الغذائية الحديثة.
ولا تتعلق أهمية هذه الأغذية بمحتواها من الفيتامينات والمعادن فقط، بل بالألياف أيضًا. فالألياف تساعد على تنظيم حركة الأمعاء، وتبطئ امتصاص السكر، وتسهم في خفض الكوليسترول، كما تمثل الغذاء الأساسي للبكتيريا النافعة التي تعيش داخل الأمعاء. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذه البكتيريا ترتبط بوظائف تتجاوز الهضم لتشمل المناعة والتمثيل الغذائي.
وفي المقابل يسمح النظام بعدد من الأغذية الغنية بالسكريات المضافة، وهو ما يثير انتقادات إضافية. فوفق توصيات منظمة الصحة العالمية، يرتبط الإفراط في استهلاك السكريات بزيادة خطر السمنة ومقاومة الأنسولين وارتفاع الدهون الثلاثية وأمراض القلب.
كما يثير موقف النظام من شرب الماء تساؤلات أخرى بين المختصين. فبعض التوصيات المرتبطة به تدعو إلى تقليل شرب الماء بصورة كبيرة، في حين تؤكد المعرفة الطبية الراسخة أن الماء عنصر أساسي في تنظيم حرارة الجسم ونقل المغذيات والمحافظة على وظائف الكلى والدورة الدموية.
وتكتسب هذه التحفظات أهمية أكبر عندما تؤثر في قرارات المرضى المتعلقة بعلاجهم. فبعض الأمراض المزمنة، مثل السكري من النوع الأول، تعتمد على علاجات لا يمكن الاستغناء عنها دون مخاطر كبيرة. ولهذا تشدد الهيئات الطبية على أن أي تغيير في الخطة العلاجية يجب أن يتم تحت إشراف طبي متخصص، وأن الشعور بالتحسن لا يكفي وحده لاتخاذ قرار بإيقاف العلاج.
وفي النهاية، تكشف ظاهرة نظام الطيبات عن قضية تتجاوز هذا النظام نفسه. فهي تعكس رغبة حقيقية لدى الناس في فهم العلاقة بين الغذاء والصحة، كما تعكس الحاجة إلى خطاب صحي أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور بلغة واضحة ومفهومة. لكنها تذكرنا أيضًا بأن الشعور بالتحسن، رغم أهميته، ليس المعيار الوحيد للحكم على فعالية أي نظام غذائي أو علاجي.
فمن الممكن أن يستفيد بعض الأشخاص من بعض جوانب النظام، كما يمكن أن يكون جزء من التحسن الذي يتحدث عنه متبعوه حقيقيًا بالفعل. لكن ذلك لا يكفي لإثبات صحة جميع التفسيرات والادعاءات المرتبطة به. وبين آلاف القصص المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي والتحفظات التي يطرحها الأطباء والباحثون، يبقى الدليل العلمي هو المعيار الأكثر موثوقية للحكم على أي نظام غذائي أو ادعاء علاجي، مهما بلغت شعبيته أو اتسع انتشاره.