دروج Drooj

بين الحرص والتحريض: هل تُحمى السيادة الليبية بالمقاربات الأمنية وفوضى الشارع؟

يشهد الشارع الليبي خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في النقاشات والمواقف المتعلقة بملف الهجرة واللجوء، تجسدت في حملات إعلامية ومظاهرات ودعوات للاحتجاج، وكأن وجود المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا ظاهرة جديدة أو طارئة. وفي خضم هذا الجدل، يرفع كثيرون شعار الدفاع عن مصلحة ليبيا وحماية أمنها القومي وهويتها الوطنية، وهي مخاوف لا يمكن الاستهانة بها أو تجاهلها.

غير أن الفرق يبقى كبيرًا بين الحرص المشروع على الدولة ومؤسساتها، وبين الانزلاق نحو خطاب التحريض والكراهية أو الدعوة إلى إجراءات تتجاوز القانون. فحماية الوطن لا تتحقق عبر تأجيج المخاوف أو استهداف الفئات الأضعف، بل عبر بناء سياسات رشيدة تستند إلى القانون والمؤسسات وتوازن بين مقتضيات الأمن واحترام الكرامة الإنسانية.

من الشعارات العامة إلى المقاربة الأمنية: جذور الفراغ التشريعي

إن الإشكالية الأساسية في التعاطي الليبي مع ملف الهجرة واللجوء تتمثل في غياب سياسة وطنية متكاملة، حيث ظل الملف لعقود يتأرجح بين الشعارات السياسية العامة والمقاربات الأمنية الضيقة.

فقد تناولت الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان الصادرة سنة 1988 المسألة من منظور إنساني وسياسي عام، مؤكدة على حرية الإنسان وكرامته وحقه في البحث عن الأمان هربًا من الاضطهاد والاستغلال. إلا أن هذه الوثيقة لم تنشئ إطارًا قانونيًا واضحًا للهجرة أو اللجوء، ولم تحدد آليات عملية لتنظيم أوضاع الأجانب أو معالجة طلبات الحماية الدولية.

وفي مرحلة لاحقة، اتجهت الدولة نحو المقاربة الأمنية من خلال القانون “رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية”، الذي ركز أساسًا على تجريم الدخول والإقامة غير النظامية. ورغم أهمية مكافحة الهجرة غير النظامية وحماية الحدود، إلّا إن التجربة أثبتت أن الحل الأمني وحده غير قادر على معالجة ظاهرة معقدة وعابرة للحدود.

فالحملات الأمنية والمداهمات الدورية قد تؤدي إلى نتائج مؤقتة، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ولا تملأ الفراغ التشريعي والمؤسسي الذي تعاني منه الدولة منذ سنوات.

تعقيدات الواقع: عندما تختلط الجريمة بالهشاشة الإنسانية

لم تعد الهجرة اليوم مجرد حركة تنقل أفراد بحثًا عن العمل أو العبور نحو أوروبا، بل أصبحت ظاهرة مركبة تضم فئات مختلفة؛ من بينها العمالة الوافدة، وطالبو اللجوء، وضحايا الحروب والنزاعات، وضحايا الاتجار بالبشر والتهريب.

وفي ظل غياب نظام وطني واضح لفرز هذه الفئات وتحديد أوضاعها القانونية، أصبح الجميع يُعامل أحيانًا باعتباره كتلة واحدة، وهو ما يخلق خلطاً خطيرًا بين الضحايا والجناة.

ولا شك أن ليبيا تواجه تهديدًا أمنيًا حقيقيًا يتمثل في نشاط الشبكات الإجرامية العابرة للحدود المتورطة في تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر. وهذه الشبكات تستغل هشاشة الحدود والانقسامات السياسية لتحقيق أرباح طائلة على حساب أمن الدولة وحياة البشر.

غير أن مكافحة هذه الشبكات لا تبرر تحميل المهاجرين أنفسهم المسؤولية الجماعية عن الجرائم المرتكبة بحقهم أو باسمهم. فالفصل بين الضحية والجاني شرط أساسي لأي سياسة أمنية فعالة وعادلة في الوقت نفسه.

المفوضية بين النقد المشروع والتحريض

ومن المهم التمييز بين النقد المشروع لأداء المنظمات الدولية وبين التحريض عليها أو المطالبة بإلغائها بالكامل.

فمن حق الليبيين التساؤل حول آليات عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومدى تنسيقها مع السلطات الوطنية، وحجم برامجها وتأثيرها على الواقع المحلي. كما يحق للدولة أن تضع الضوابط القانونية والتنظيمية التي تضمن احترام السيادة الوطنية.

لكن تحويل المفوضية إلى شماعة تُعلق عليها كل أزمات الهجرة يبتعد عن الواقع. فالمفوضية لا تملك سلطة فرض التوطين داخل ليبيا، ولا تمنح الإقامة الدائمة من تلقاء نفسها، بل يقتصر دورها على الحماية الإنسانية والتسجيل والسعي إلى حلول مثل إعادة التوطين أو الإجلاء الإنساني أو العودة الطوعية بالتنسيق مع الدول المعنية.

ولهذا فإن معالجة أي اختلالات في عمل المنظمات الدولية يجب أن تتم عبر الأطر القانونية والمؤسساتية، لا عبر حملات التحريض أو الدعوات الانفعالية التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

بين خطاب “الخطر الوجودي” والواقع الميداني

تتحدث بعض الأصوات عن الهجرة باعتبارها تهديدًا وجوديًا لليبيا، لكن الواقع الميداني يكشف مفارقة تستحق التوقف عندها.

فمنذ سنوات، يقوم جهاز خفر السواحل الليبي، بدعم وتمويل وتدريب أوروبي، باعتراض وإعادة آلاف المهاجرين من البحر إلى ليبيا. كما شهدت الحدود البرية تعاوناً أمنياً بين ليبيا ودول الجوار، وخاصة تونس والجزائر، بدعم من شركاء أوروبيين وفي مقدمتهم إيطاليا، بهدف الحد من التدفقات غير النظامية عبر الحدود.

ورغم هذه الإجراءات والموارد الضخمة المخصصة لها، لا تزال حركة الهجرة مستمرة، ما يؤكد أن الظاهرة أكبر من أن تُختزل في حلول أمنية أو في وجود منظمة دولية أو غيابها.

وفي الوقت نفسه، وثقت منظمات دولية وتقارير حقوقية خلال السنوات الماضية ادعاءات خطيرة تتعلق بتعرض مهاجرين ولاجئين لانتهاكات متنوعة، من بينها الاحتجاز التعسفي، وسوء المعاملة، والاستغلال، وطلب الفدية من عائلاتهم، إضافة إلى اكتشاف مقابر جماعية في أكثر من منطقة تضم ضحايا من المهاجرين الذين فقدوا حياتهم خلال رحلات الهجرة أو نتيجة ممارسات إجرامية تعرضوا لها.

وهنا يبرز سؤال أخلاقي وقانوني لا يمكن تجاهله: إذا كان بعض هؤلاء الأشخاص قد وقعوا ضحايا للتعذيب أو الابتزاز أو القتل أو الاتجار بالبشر، فهل من العدل اختزالهم جميعاً في صورة “الخطر” دون تمييز؟ وهل يمكن بناء سياسة وطنية فعالة من خلال معاملة الضحايا والجناة بالطريقة نفسها؟

إن الاعتراف بالبعد الإنساني للأزمة لا يتعارض مع حماية الأمن القومي، بل يمثل جزءًا أساسيًا من أي مقاربة جادة تسعى إلى تحقيق الاستقرار وسيادة القانون.

تصاعد الخطاب الإعلامي وتشكّل الرأي العام

وخلال الفترة الأخيرة، برزت على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، موجة واسعة من النقاشات والدعوات التي تطالب بتشديد الإجراءات تجاه ملف الهجرة، وصلت في بعض الحالات إلى الدعوة إلى احتجاجات أمام مقار المنظمات الدولية العاملة في ليبيا. كما ظهرت في بعض البرامج التلفزيونية والحوارات الإعلامية أصوات وشخصيات تتبنى خطابًا حادًا يركز على فكرة “الخطر الوجودي” المرتبط بالهجرة، ويدفع باتجاه سياسات تقوم على الإبعاد الجماعي أو إنهاء وجود بعض المؤسسات الدولية.

ويُلاحظ أن هذا الخطاب يتغذى بشكل كبير من الفضاء الرقمي، حيث تنتشر المنشورات والشعارات بسرعة كبيرة، أحيانًا دون تحقق من المعلومات أو دون تمييز بين الوقائع والتحليلات. وفي بعض الحالات يتم تقديم الملف ضمن سرديات واسعة تتحدث عن “مؤامرات ديموغرافية” أو “إعادة تشكيل ممنهج”، وهي أطروحات تفتقر في الغالب إلى أدلة قانونية أو مؤسساتية واضحة.

إن خطورة هذا النوع من الخطاب لا تكمن فقط في حدّته، بل في قدرته على دفع النقاش العام نحو الانفعال بدلًا من السياسات، وإلى خلق ضغط شعبي قد يفضي إلى قرارات غير محسوبة في ملف شديد التعقيد.

فخ الترحيل القسري وسؤال البديل

إن الدعوات إلى الترحيل الجماعي أو القسري، أو إلى إنهاء عمل المنظمات الدولية دون وجود بدائل وطنية واضحة، تطرح إشكالية عملية قبل أن تكون قانونية أو أخلاقية.

فالأسباب التي تدفع البشر إلى الهجرة لا ترتبط بوجود المفوضية أو غيرها، وإنما بالحروب والفقر والانهيار الأمني في دول المنشأ. وبالتالي فإن إغلاق قنوات الحماية أو التعاون الدولي لن يؤدي بالضرورة إلى وقف التدفقات، بل قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتعقيدها.

كما أن تقويض برامج العودة الطوعية أو إعادة التوطين أو الإجلاء الإنساني قد يطيل أمد بقاء أعداد أكبر من المهاجرين داخل ليبيا دون حلول واضحة، وهو ما يتناقض عمليًا مع الأهداف التي يرفعها أصحاب هذه الدعوات.

من فوضى الشارع إلى دولة القانون

إن القضية الحقيقية لا تكمن في وجود المهاجرين أو المنظمات الدولية بحد ذاته، بل في غياب سياسة وطنية شاملة لإدارة هذا الملف المعقد.

فليبيا بحاجة إلى إطار تشريعي حديث ينظم الهجرة واللجوء، ويحدد أوضاع العمالة الوافدة، ويعزز مكافحة الاتجار بالبشر، وينظم إجراءات الإبعاد والترحيل وفق القانون، ويحدد العلاقة بين الدولة والمنظمات الدولية على أساس الشفافية والسيادة الوطنية.

إن حماية ليبيا وصون سيادتها لا تتحقق بالتحريض ضد الفئات المستضعفة، ولا بتحويل ملف إنساني وقانوني معقد إلى مادة للمزايدات السياسية والإعلامية. بل تتحقق عبر بناء المؤسسات، وتطوير التشريعات، وتعزيز الأمن، واحترام القانون، وملاحقة الشبكات الإجرامية التي تستفيد من الفوضى.

فالسيادة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بفوضى الشارع، وإنما تُصان عبر دولة قوية وعادلة، قادرة على حماية حدودها وفرض القانون، وفي الوقت نفسه حماية الكرامة الإنسانية التي تشكل أساس أي دولة تحترم نفسها وتحترم مواطنيها.

Share This Article

منشورات ذات صلة

يشهد الشارع الليبي خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في النقاشات والمواقف المتعلقة بملف الهجرة واللجوء، تجسدت في حملات إعلامية…

العنف الرقمي ضد النساء في ليبيا.. تشهير وتهديدات تدفع الأصوات النسائية إلى الصمت يشهد الفضاء العام في ليبيا…

منذ أن أقيم كأس العالم للمرة الأولى في أورغواي سنة 1930، ومنذ أن كانت الدول المشاركة فيه لا…

انتحل نصًا من الذكاء الاصطناعي وضع عليه اسمك يُحكى أنه عندما جرى اختراع المسدس قال مخترعه، أو نُسب…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.