دروج Drooj

حياة معالجة بالفوتوشوب

لا أحد يعلم كيف حدث ما حدث، ولا ما هيّة طبيعته الغريبة. وهل كان مجرد طفرة فيزيائية على غرار التقلبات المناخية المتطرفة، أو خللًا في خوارزميات الكون الكبير؟ أم أنه أثر عرضي لتعويذة سحرية محكمة أُلقيت عليه بالخطأ أو عن سبق إصرار وترصّد؟

إن الحياة التي يعرفها ليست سوى تكرار رتيب لا متناهٍ لمشهد واحد، تحميه منظومة من القوانين الصارمة المسرفة في تعزيز واقعية باردة، ومنطق عشوائي يوزع أنصبة البؤس والسعادة على الكائنات وفق آلية غامضة عجز الفلاسفة ورجال الدين والفقهاء طوال قرون عن تفسيرها بطريقة مفهومة للعقول العامية الصغيرة التي ينتمي إليها وتنتمي إليه.

فهناك من يأتي إلى هذا العالم تحفّ به ملائكة كرام بررة، تنثر أمام خطواته وعودًا أكيدة بحياة هادئة هانئة، كأنها الجنة الموصوفة في كتب الأولين. وهناك من يأتي مكبًّا على وجهه ليجد نفسه ضيفًا غير عزيز في جحيم أسوأ من جحيم دانتي أليغييري صاحب “الكوميديا الإلهية”.

تقول العجوز التي تسكن الخربة المجاورة للخربة التي وُلد وعاش فيها ردحًا غير قصير من الزمن:

“هاذا حال الدنيا، ناس عايشه وناس غير تونس فيها وخلاص”.

المعجزات والأشياء الغرائبية تحدث دائمًا، لكنها – حسب اعتقاده – تحدث في أماكن أخرى ومع أناس آخرين من أمثال عائلة بوينديا التي اتخذت من بلدة ماكوندو الكولومبية مسرحًا لحياة طويلة مثيرة، غارقة في الغرابة والخروج عن المألوف.

لا تندهشوا، إذ ليس أمرًا يدعو للدهشة أن يعرف شخص مثله تحفة غابرييل غارسيا ماركيز الموسومة “مائة عام من العزلة”، لأنه في الحقيقة قرأ عشرات الروايات والدواوين والكتب التي كان يعثر عليها في جولاته الماراثونية المعتادة لجمع علب المشروبات الفارغة الملقاة بين أكداس القمامة. بعضها كان بحالة جيدة، وأكثرها كان يحتاج إلى عناية وترميم يستغرقان منه بعض الوقت المبذول بسخاء ومتعة، عوضاه عن الحرمان من متعة اللعب واللهو مع أقرانه.

عادة القراءة الحرة التي اكتسبها بالصدفة ـ أي منذ ترك مقاعد الدرس مبكرًا ليتفرغ للسعي في مناكبها ـ فتحت له نافذة أخرى على دنيا مختلفة عن دنياه التي خبرها وخبرته، ثم خبزته وعجنته وسوّته رغيفًا سهل الأكل والهضم. كانت القراءة ملاذه الآمن من ضجيج الشارع وأذاه، ومسكنًا فعالًا لأنواع مختلفة من الآلام والمخاوف.

بدأ الأمر بأمنية طفل أربكه ضعفه ويتمه. ركع على ركبتيه عاريًا على بلاط الحمام، وحبات الماء تتقاطر ببطء من جسمه الغض، ورفع نظره إلى السقف المتهالك الذي تقشّر طلاؤه واهترأ ملاطه، ودعا الله بقلب مرتجف أن يأخذه إليه فينقذه مما هو فيه، أو يعيد ترتيب أقداره ومسار حياته على نحو أقل قسوة ووحشية، أو على الأقل يخلق له توأمًا يشبهه تمامًا كي يشاركه وجبات الضرب التي يغدقها عليه الرجل السكير ذو الرائحة النتنة كلما فشل في تصريف كمية كبيرة من علب المناديل الورقية التي دأب على بيعها عند الإشارات الضوئية، رفقة عدد من الأطفال داكني البشرة القادمين من بلدان جنوب الصحراء.

كانت سنوات كابوسية لم يتبقَّ منها في بئر الذاكرة غير تفاصيل شحيحة غائمة، فقد كان يمتلك خاصية الحاسوب في الحذف الانتقائي لكل ما لا نفع له. والقدرة العجيبة على الحذف والنسيان ليست هي ما حافظ على روحه وجسده من الاحتراق في جحيم الشيطان، بل ذلك الأمر العجيب الذي توصل إلى اكتشافه عندما استيقظ ذات ليلة تخللها نوم قلق وكوابيس مخيفة تنهل من مخزون هائل من الحكايات و”الخراريف” عن “الغولة” و”عزيزة القايلة” و”البالالو” المرعب.

على فكرة، كان يتخيل “البالالو” برصًا بحجم جمل، يمشي على قوائمه الخلفية ويصدر خوارًا هادرًا كأنه خوار ألف ثور.

اكتشف أن للحظات ظلًا، وبالإمكان استنساخها، بل وتحسينها وتجويدها، بالطريقة نفسها التي تُستنسخ بها الصور والمستندات وخلايا الإنسان، وكما تفعل التكنولوجيا عبر الهندسة العكسية. كل لحظة قاسية وتعيسة كان يستطيع إعادة تدويرها بما تقتضيه ضروراته النفسية وقدراته التخيلية على استحلاب المتعة واستنبات الكرامة التي يفتقدها.

كان قد امتلك هذه المهارة قبل أن يعرف العالم برنامجAdobe Photoshop ، فتدرب على معالجة تفاصيل حياته الموازية، وتجديد ألوانها، وإضفاء مسحة من السلام وشيء من الترتيب عليها.

إذا أراد المرء استجلاء المعنى الواقعي لهذه المهارة القريبة في فاعليتها من برنامج الفوتوشوب المعروف، يمكنه أن يتصور الآتي:

في اللحظة الأصلية:

كان يحاول الاحتماء بظل جدار أحد البيوت فرارًا من سياط النار التي يرسلها قرص الشمس الجهنمي، فنهره صوت مؤنث زاعق من وراء الشباك، ثم تلقى ركلة على بطنه الضامر من شاب وسيم يتضوع عطر ما بعد الاستحمام من أردانه، فانسل مكسورًا مدحورًا، وعلب “الكلينكس” تتساقط ذات اليمين وذات الشمال، يغالب شلالًا من دموع حارقة مرة كالإهانة التي لم يتعود على طعمها، بالرغم من أنها التصقت به منذ شبّ عن الطوق.

صرخ الوسيم غاضبًا:

ـ “خذ قمامتك واذهب. لا يسمح للكلاب القذرة من أمثالك بالتواجد هنا”.

أجابه بصوت هامس كمن يحدث نفسه:

ـ “لم أقصد إزعاجكم.. كنت نبي نرتاح شوية بس”.

في اللحظة المعالجة:

كان يتمشى بكامل أناقته وهيبته كما يليق بفتى وُلد ونشأ في إحدى “بالاصات” شارع حي الأندلس. داعب سمعه صوت أنثوي من وراء الشباك:

ـ “سبااااح الخير”.

وذاك الشاب الوسيم الذي يتضوع من أردانه عطر ما بعد الاستحمام، كان يسير بجواره، مربتًا على كتفه، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة تملق وتذلل.

قال الوسيم:

ـ “هل تقبل دعوتي على الفطور في الكافي لاتي؟”.

أجابه بلا مبالاة متعمدة:

ـ “مش فاضي.. خليها مرة ثانية”.

في لحظة أصلية أخيرة:

أنهكته حياة وسمها اليتم والكد والكدح، منزوعة الطفولة والحماية والبراءة، لم تتخللها هدنة للراحة والبهجة. كانت مختزلة في بداية بائسة ونهاية أكثر بؤسًا، وما بينهما زمن “حلوف” غارق في القذارة.

تمدد على قفاه المتقرح فوق فراش مهترئ بمستشفى حكومي احتلت عنابره قبيلة من الجرذان المترهلة، وعدد قليل من عمال النظافة الأجانب، وطبيب امتياز قادم من الريف البعيد.

ليلتها زاره ذو المنجل المعقوف، قطف روحه المنهكة وألقاها في جبّ بلا قرار.

في اللحظة المعالجة الأخيرة:

كان هو نفسه ذكرَ “ودان” شابًا يطارد أنثاه عبر سلسلة لا متناهية من التلال الصخرية تحت سماء خريفية تزينها ندف قطنية ناصعة البياض. كان “ودانًا” بشعور وحس إنساني يتيح له تذوق طعم النعيم والقبض على جوهره.

عندما التحم بشريكته استجابة لنداء الحب المبثوث في ذرات الهواء، كان الفتى المسلح من وراء سيارته ذات الدفع الرباعي يعيد ضبط تصويب بندقيته.

ضغط على الزناد وهو يهمس لرفاقه:

ـ “هذا لحم كثير ورخيص، ثمنه رصاصة”.

اخترقت الرصاصة جسد الودان في لحظة النزو، فسقط على الأرض مضرجًا بدمه، فعاد طفلًا بشريًا كما كان. ألقى عن كاهله علب الكلينكس وبذاءات الشاب الوسيم والبنت ذات الصوت الزاعق، ومسح البصاق والدم والإهانات والبؤس، وأخذ يركض بأقصى قوته إلى الضفة الأخرى، حيث لا رجل سكير يضربه، ولا مخلوق خرافي بحجم جمل وخوار ألف ثور ينغص عليه منامه، ولا رصاص طائش غادر يقتله وهو في غمرة الحلم.

Share This Article

منشورات ذات صلة

لا أحد يعلم كيف حدث ما حدث، ولا ما هيّة طبيعته الغريبة. وهل كان مجرد طفرة فيزيائية على…

ما نعرفه حقًا عن سلامة ما نأكله في ظل شح المعلومات الرسمية المنشورة حول سلامة الإمدادات الغذائية في…

هويات معلقة  عاد ملف “الأرقام الإدارية” في ليبيا إلى واجهة الجدل العام بعد سنوات من الجمود، عقب توصيات…

بعـث يقع بيتنا قرب المدينة الرياضية، ويمكن لإنارة الملعب في الطقس الصحو أن تضرب داخل فنائنا. أعلم بوجود…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.