دروج Drooj

التقاعد في ليبيا.. استراحة مقاتل أم حياة على الهامش؟

على كرسي بلاستيكي في الزاوية القصية من مقهى “الأورورا”، يجلس محمد كل مساء على طاولة صغيرة. غالبًا ما يكون بين يديه كتاب يقلّب صفحاته، وأحيانًا يستغرق بكامل حواسه في شاشة هاتفه القديم، يتابع الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو يشاهد مقاطع عشوائية لا رابط بينها سوى ما تقترحه خوارزميات الفضاء الافتراضي.

تحوّل هذا الطقس إلى جزء ثابت من حياته بعد سنوات من تقاعده الإجباري. دفعه إليه الفراغ، ومحاولة الهروب لساعات من ضجيج الأبناء والأحفاد في البيت الصغير، ومن المطالبات المالية العائلية التي لا تتوقف، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة بوتيرة يصعب على معاشه مجاراتها.

لا يحب محمد أن يُنادى بلقب “الحاج”، الشائع في الحديث اليومي الليبي مع من بلغوا سنه. يفضّل أن يُنادى باسمه، كما كان طوال سنوات عمله. يعشق مطالعة الكتب الفكرية والدينية والروايات العالمية، ويجد في القراءة بعض العزاء عن حالة العطالة التي تكاد تطفئ ما تبقى لديه من شغف بالحياة والحركة والإنجاز.

ومع أنه ليس من النوع الذي يجاهر بالشكوى والتذمر، فإنه لا يستطيع إخفاء شعوره المتزايد بانعدام الجدوى. فبعد أن كان حاضرًا في عمله، معروفًا بخبرته ومطلوبًا لإنجاز مهام تخصصية، انتهى به الحال مرتادًا شبه دائم للمقاهي ونواصي الأزقة في حيه الشعبي، حيث يجتمع أقرانه لقتل السأم وتبديد الساعات الثقيلة.

خلال حديث عابر على هامش مباراة حامية في لعبة الدومينو، أخذ محمد يروي لجلسائه جانبًا من الذكريات والمواقف التي عاشها خلال مسيرته الوظيفية خبيرًا في المكتبات. تحدث عن مساهمته في تأسيس أكثر من مكتبة علمية داخل جامعات ومؤسسات عامة في مدن ليبية مختلفة، شرقًا وغربًا وجنوبًا، وعن مساعدته باحثين وشخصيات مهتمة بالثقافة والقراءة في تكوين مكتباتهم وتصنيف كتبها بطريقة تسهّل التعامل معها.

بدا فخورًا بما حققه، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإخفاء نبرة الحزن في صوته وهو يختتم حديثه قائلًا: “وفي النهاية، أهو مقعمز في القهوة، كأي شخص لا صنعة لا منعة”.

لا تقتصر تجربة محمد على حالة فردية. فالشعور نفسه يرافق عددًا كبيرًا من المتقاعدين الذين قضوا عقودًا في وظائف ومهن مختلفة، قبل أن يجدوا أنفسهم، بين ليلة وضحاها، خارج مواقع العمل والإنتاج. ولا تتعلق مشكلتهم فقط بضعف المعاشات، بل أيضًا بالتجاهل الاجتماعي والمؤسسي، وبالإحساس بأن سنوات الخبرة التي راكموها لم تعد تعني أحدًا.

بين هؤلاء الأستاذ عيسى الوحيشي، الإعلامي والمذيع السابق في إذاعة صوت الوطن العربي، الذي تقاعد منذ سنوات محتفظًا بمعنويات مرتفعة وحماسة وظّفها في النشاط الإنساني والاجتماعي. شكّل الوحيشي “فريق التواصل”، الذي يهتم بعيادة المرضى وزيارة الزملاء والسؤال عن أحوالهم، ويقدّم أحيانًا ما يستطيع من دعم معنوي ومادي. كما يتابع تطورات ملف الزيادة الموعودة في معاشات الضمان الاجتماعي.

يرى عيسى أن قانون الضمان الاجتماعي الليبي، الصادر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان من أفضل القوانين في المنطقة، وأنه أحاط بجانب كبير من احتياجات الفئات المستهدفة قياسًا إلى ظروف المعيشة في ذلك الوقت. لكن التغيرات التي شهدتها البلاد خلال العقود الأربعة الأخيرة، وما صاحبها من ارتفاع في الأسعار وتضخم وتراجع في قيمة الدينار الليبي، جعلت إعادة النظر فيه أمرًا ضروريًا، خصوصًا في ما يتعلق بقيمة المعاشات.

يقول عيسى إن معاشات عدد كبير من المستفيدين لا تتجاوز 900 دينار شهريًا. وبحسبة بسيطة، لا يكفي هذا المبلغ لتغطية الطعام والشراب لأسرة من ثلاثة أفراد، فضلًا عن تكاليف الدواء والعلاج والكهرباء والاتصالات وغيرها من المصروفات اليومية والطارئة.

لهذه الأسباب، يخوض عيسى، رفقة عدد من المتقاعدين، تحركًا منظمًا للضغط على المؤسسات الحكومية المعنية من أجل تطبيق القانون رقم 5 لسنة 2013، الصادر عن المؤتمر الوطني العام، والذي ينص أحد بنوده على ربط الزيادة في المرتبات بالزيادة في المعاشات الضمانية. كما يطالبون بتطبيق القانون رقم 7 لسنة 2024، الصادر عن مجلس النواب، والذي يعالج جانبًا من آلية تمويل الزيادة من الميزانية العامة للدولة، في ظل عجز صندوق الضمان الاجتماعي عن تحمّل تبعات القرار المالية بمفرده.

ولا تقتصر مطالب المتقاعدين على زيادة المعاشات. فعبد الله الزاوي، وهو موظف حكومي سابق محال على التقاعد منذ سنوات، ينشر سلسلة مقالات في صحيفة محلية حول حقوق المتقاعدين ومعاناتهم. ويرى أن الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الإنسان بعد فقدانه قدرته على العمل تكشف عن امتحان أخلاقي حقيقي.

يكتب الزاوي: “أكثر ما يثير الدهشة أن المجتمع الذي طالب الإنسان، طوال عمره، بأن يكون قويًا ومنتجًا ومنضبطًا، يجد نفسه أمام امتحان أخلاقي عسير عندما يفقد ذلك الإنسان قوته. عندها يظهر السؤال الذي لا تطرحه الإحصاءات ولا تجيب عنه الموازنة العامة… أين يستريح المقاتل؟”

تشغل مسألة التأمين الصحي للمتقاعدين جانبًا أساسيًا من اهتمام عبد الله. وهو ملف ما زال موضع أخذ ورد، خاصة فيما يتعلق بمستويات التغطية التأمينية، التي تتراوح بين الرعاية الصحية الأساسية والرعاية التخصصية والرعاية عالية التخصص. وعلى الرغم من إصدار بطاقات تأمين صحي لبعض المستحقين، فإن تفاصيل الاستفادة منها وحدود تغطيتها لا تزال، بحسب قوله، يحيط بها كثير من الغموض.

وراء هذه المطالب المعيشية سؤال آخر لا يقل أهمية. ماذا يحدث لخبرات آلاف الموظفين بعد تقاعدهم؟ وأين تذهب معارف أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والإعلاميين والحرفيين والموظفين الإداريين بعد خروجهم من وظائفهم؟

في بلدان ومؤسسات مختلفة، يعني بلوغ سن التقاعد انتقالًا إلى أدوار جديدة تقوم على التدريب والاستشارة ونقل المعرفة. أما في ليبيا، فكثيرًا ما يتحول التقاعد إلى قطيعة كاملة. اذ يغادر الموظف مكتبه، ويخرج معه ما راكمه من معرفة، من دون أن توجد آلية واضحة للاستفادة منه أو تمريره إلى أجيال أحدث.

وبالتالي لم يكن محمد، خبير المكتبات، عاجزًا عن العمل يوم تقاعده. كان ما يزال قادرًا على تنظيم مكتبة، وتدريب موظفين جدد، ومساعدة مؤسسة على حفظ أرشيفها وتصنيف مقتنياتها. لكنه انتقل مباشرة من موقع الخبير الذي تستعين به الجامعات والمؤسسات إلى رجل يقضي أمسياته في المقهى، يستعيد إنجازاته في أحاديث عابرة بين مباراة دومينو وأخرى.

هنا تبدو معركة المتقاعدين أكبر من المطالبة بزيادة مالية، على أهميتها. إنها معركة من أجل الحق في العلاج، وفي معاش يحفظ الحد الأدنى من العيش، وفي عدم التعامل مع الإنسان كعبء انتهى دوره بانتهاء خدمته الوظيفية.

فالمتقاعد ليس مجرد رقم في سجلات الضمان، ولا معاشًا يُصرف في نهاية كل شهر. إنه خبرة متراكمة ورصيد مهني وإنساني يصعب تعويضه. وبين الحاجة إلى تحسين ظروفه المعيشية والصحية، والحاجة إلى إعادة الاعتبار لدوره، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الدولة والمجتمع معًا. هل يكون التقاعد استراحة مقاتل، أم حكمًا على من أفنى عمره في العمل بأن يعيش ما تبقى منه على هامش الحياة؟

Share This Article

منشورات ذات صلة

على كرسي بلاستيكي في الزاوية القصية من مقهى "الأورورا"، يجلس محمد كل مساء على طاولة صغيرة. غالبًا ما…

تحكم معايير النوع الاجتماعي عددًا لا بأس به من الوظائف في ليبيا، ويصعب في كثير من الأحيان اختراق…

في كل مساء، وقبل أن يُغلق باب منزله، يتأكد الدكتور حسين بن غرسة من أمر واحد: أن كل…

تعود أزمة امتحانات الشهادة الثانوية في ليبيا كل عام إلى الواجهة، مصحوبة بجدل حول صعوبة الأسئلة، ونسب النجاح،…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.