دروج Drooj

من كسوف واو الناموس 2006 إلى كسوف بنغازي 2027: قراءة علمية وتخطيطية قبل كسوف القرن في ليبيا

تستعد الأوساط العلمية والسياحية حول العالم لحدث فلكي تاريخي تشهده ليبيا ومناطق شمال أفريقيا في الثاني من أغسطس عام 2027، حيث سيكون هذا الكسوف أطول كسوف كلي للشمس يمكن رؤيته من اليابسة في القرن الحادي والعشرين. ورغم تسجيل كسوف أطول نسبيًا في الـ22 من يوليو عام 2009 امتد لـ6 دقائق و38 ثانية، إلا أنه مر فوق مسطحات مائية مما حد من الاستفادة منه، بينما يتميز الكسوف القادم بمدته الاستثنائية التي تصل إلى 6 دقائق و23 ثانية فوق أراضٍ مأهولة.

وتكمن الأهمية الأبرز لهذه المدة في منح الجامعات ومراكز البحوث والفلكيين فرصة استثنائية لجمع بيانات علمية ذات قيمة كبرى تُعرف بالبيانات الإكليلية، وهي المتعلقة بالإكليل الشمسي أو غلاف الشمس الخارجي الذي يظهر على شكل أذرع وحلقات من البلازما تتوهج بوضوح عندما يحجب القمر قرص الشمس تمامًا. ويؤكد المتخصصون أن هذا الكسوف يفتح نافذة علمية لدراسة الهالة الشمسية في ظروف فيزيائية طبيعية يستحيل محاكاتها مخبريًا على الأرض دون وجود القمر كحاجب طبيعي.

وفي هذا السياق، يوضح أمجد خرواط، العضو في مؤسسة رؤية لعلوم الفضاء وتطبيقاتها ومنسق مكتب التوعية الفلكية في ليبيا التابع للاتحاد الفلكي الدولي لدروج، أن التنسيق الدولي قد بدأ بالفعل منذ شهر أبريل الماضي عبر اتصالات رسمية من باحثين في أمريكا وأوروبا رغبة في التعاون المشترك. ومن أبرز هذه الاتصالات مقترح من فريق تابع لجامعة أمريكية عريقة يرى في الحدث “كسوف القرن”، حيث عرض الفريق توفير المعدات التخصصية والتدريب، مقابل الاستعانة بشبكة المتطوعين ومجتمع هواة الفلك التابعين لمؤسسة رؤية لإدارة عمليات الرصد وتجميع البيانات. ويرى خرواط أن الفترة القادمة ستشهد تدفق المزيد من المقترحات، مؤكدًا على ضرورة تحرك المؤسسات والجامعات الليبية لدعوة المراكز الفلكية العالمية لزيارة البلاد والمساهمة في هذا الإرث البشري المشترك، مع توفير البيئة اللوجستية الملائمة لهم.

وتكشف الخارطة الجغرافية للكسوف أن مدينة بنغازي تقع في مركز مسار الحجب الكلي، مما يجعلها الموقع الأفضل للرصد العلمي لتسجيلها أطول فترة للكسوف الكلي في ليبيا تصل إلى حوالي 6 دقائق و11 ثانية، وهي مدة تقترب من مدينة الأقصر المصرية التي ستسجل 6 دقائق و20. ويمر هذا المسار الكلي المثالي بمدن أخرى مثل المرج وسلوق وواحة الجغبوب، بينما تشهد مناطق قريبة مثل شحات ودرنة وطبرق كسوفًا جزئيًا متقدمًا يستمر لعدة دقائق خارج مسار الحجب الكامل. وفي الجهة الغربية، يدخل الجزء العلوي لمدينة طرابلس في حافة المسار، حيث يمكن رصد الكسوف الكلي في منطقة شط تاجوراء لمدة دقيقة وبضع ثوانٍ، في حين ستشهد المناطق الأثرية مثل مدينة لبدة الكبرى غيابًا كاملًا للضوء بنسبة حجب تصل إلى 99%.

ويرد خرواط على الأصوات التي تستهين بالتخطيط المبكر، موضحًا أن التجهيز الحالي ليس مبكرًا على الإطلاق كوننا على بعد بضعة أشهر فقط من الحدث، حيث بدأت دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية استعداداتها لكسوف عام 2024 قبل سنتين كاملتين بناءً على تجاربها السابقة في عام 2017. وقد قامت هيئة الطرق الفيدرالية الأمريكية حينها بعقد ورش عمل وطنية لتنظيم الطرق لاستقبال الحشود، مما يستدعي استنفارًا مماثلًا في ليبيا يضم وزارات المواصلات والنقل، والسياحة، والداخلية، والخارجية لتسهيل التأشيرات، بالإضافة إلى البلديات، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والكشافة، والقطاع الخاص لوضع خطة استراتيجية تحدد أماكن الرصد والتخييم. ويشدد على ضرورة تطبيق معايير سلامة صارمة عبر حملات توعوية تحذر من مخاطر النظر المباشر الذي يسبب العمى، مع توفير كميات كافية من النظارات الخاصة بالكسوف على غرار وكالة ناسا التي وزعت مليوني نظارة على المنشآت التعليمية، بجانب تنظيم مسابقات ومهرجانات مصاحبة لزيادة الإقبال وتأمين عائدات مالية بغطاء إعلامي رسمي وخاص.

ويستوجب الاستعداد الفعال دراسة الضغط المتوقع على الخدمات الأساسية مثل شبكات الهاتف المحمول، وإمدادات الوقود، المياه، والخدمات الصحية والطوارئ، وهي التحديات التي دفعت بلديات أمريكية لإعلان حالة طوارئ استباقية عند تدفق مليوني زائر وإشراك العلماء المدنيين في الأبحاث. ويرى خرواط ضرورة العودة للأرشيف التاريخي لتنظيم كسوف ليبيا عام 2006 للاستفادة من نقاط النجاح وتفادي الأخطاء، مع مراعاة اختلاف الجغرافيا الحالية التي تمر بمدن كبرى مأهولة كبنغازي والمرج بعكس عام 2006 الذي أقيم في عمق الصحراء، مشيرًا إلى أن واحة الجغبوب شبه الصحراوية تتطلب تكتيكًا خاصًا يمكن إدارته عبر تشكيل لجان تنظيمية متخصصة تستلهم حلولها من التجربة الصحراوية السابقة.

وفيما يتعلق بالسيادة المعرفية وحقوق الدولة الليبية، يؤكد خرواط على أهمية التفاوض الاستراتيجي الحكومي من البداية لضمان حقوق المشاركة في البيانات التي ستجمعها البعثات الدولية، واشتراط إبرام اتفاقيات وعقود واضحة تلزم الأطراف الأجنبية بذكر أسماء المؤسسات والجامعات الليبية والباحثين المحليين في جميع البحوث والأوراق الأكاديمية التي ستنشر عالميًا. ويقترح خرواط العمل على صيغة تبادلية مدروسة للتنسيق بين الجهات المختصة في ليبيا والوفود الدولية المعنية لتحقيق أفضل استفادة علمية من المعدات والتلسكوبات ومراصد الهالة الشمسية المتطورة التي سيتم توفيرها لتغطية الحدث ورصد البيانات الميدانية.

أما المسار الزمني الدقيق للكسوف فوق الأراضي الليبية في يوم الثاني من أغسطس 2027، فيبدأ بالدخول التدريجي للقمر على قرص الشمس في الكسوف الجزئي عند الساعة الـ9 و45 دقيقة صباحًا من المناطق الغربية أولًا، ويستمر في التحرك عبر البلاد حتى يغادرها تمامًا عند الساعة الواحدة و11 دقيقة ظهرًا بأجزائه الكلية والجزئية. وتستقبل العاصمة طرابلس الكسوف الكلي الدامس في أقصى مناطقها الشمالية كشط تاجوراء عند الساعة الـ11 و16 دقيقة صباحًا ولمدة دقيقة واحدة، في حين يبدأ الكسوف الكلي في مدينة بنغازي عند الساعة الـ11 و27 دقيقة صباحًا وينتهي عند الـ11 و34 دقيقة، على أن تسجل ذروته المطلقة في بنغازي في تمام الساعة الـ11 و30 صباحًا.

Share This Article

منشورات ذات صلة

تستعد الأوساط العلمية والسياحية حول العالم لحدث فلكي تاريخي تشهده ليبيا ومناطق شمال أفريقيا في الثاني من أغسطس…

عندما يعود فرج الصادق إلى الميناء بعد ساعات طويلة في البحر، لا تحمل شباكه ما يعكس الوقت والوقود…

يشغل مفهوم المجتمع المدني اليوم مساحة واسعة في الخطاب العام الليبي، سواء في الحوارات الوطنية، أو المؤتمرات، أو…

حديث مع المحامي مالك شمبش في الوقت الذي تسعى فيه المنظومات الإنسانية الحديثة إلى ترسيخ قيم الدمج والعدالة…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.