حديث مع المحامي مالك شمبش
في الوقت الذي تسعى فيه المنظومات الإنسانية الحديثة إلى ترسيخ قيم الدمج والعدالة الاجتماعية، لا تزال الانتهاكات وحالات التمييز التي يتعرض لها الأشخاص ذوو الإعاقة الذهنية -وبالأخص الأطفال من أصحاب متلازمة داون- تطرح إشكاليات قانونية وإنسانية معقدة في ليبيا. وتعد حادثة التمييز التي واجهها الطفل “سفيان” في مركز ترفيهي بمدينة شحات مؤشرًا على هذه الأزمة؛ حيث تجاوز الانتهاك حدود منع الطفل من الاستفادة من الخدمة، ليصل إلى الإهانة العلنية والتنمر في مساحة يُفترض بها كفالة الدمج الاجتماعي والأمان النفسي.
وفي هذا السياق، يقدم المحامي والباحث القانوني مالك شمبش قراءة لواقع النصوص التشريعية في ليبيا، موضحًا آليات الحماية المتاحة وأبرز الثغرات التي تواجه هؤلاء الأشخاص.
بدأ مالك شمبش حديثه مع “دروج” بتشخيص مكامن الضعف في البنية التشريعية الحالية، موضحًا الفارق بين الحماية العامة وغياب النص المتخصص، حيث يقول: “تثير حالات التمييز التي يتعرض لها الأشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية، وبصفة خاصة الأطفال من أصحاب متلازمة داون، إشكالية قانونية وإنسانية مهمة؛ إذ إن التمييز قد يأخذ صورًا متعددة تبدأ بالحرمان من خدمة أو معاملة تفضيلية غير قانونية، وتمتد إلى الإهانة والتنمر والاستغلال الإعلامي وانتهاك الخصوصية وقد تصل إلى حرمان الطفل من التعليم أو الرعاية الصحية أو المشاركة الاجتماعية والترفيهية. والحقيقة أن التشريع الليبي يوفر أساسًا قانونيًا مهمًا للحماية، لكنه لا يزال يفتقر إلى قانون شامل لمناهضة التمييز، وإلى تجريم مستقل ومحدد للتمييز على أساس الإعاقة الذهنية. لا يوجد في حدود النصوص التشريعية النافذة التي أمكننا الوقوف عليها قانون يجعل عبارة (التمييز على أساس الإعاقة الذهنية) جريمة مستقلة بذاتها، على غرار بعض التشريعات المقارنة”.
ورغم هذا الفراغ المتخصص، يطمئن شمبش أولياء الأمور بأن غياب النص المباشر لا يعني تجريد المتضرر من سلاحه القانوني، بل هناك حزمة من القوانين النافذة البديلة التي تكفل ردع المخالفين، ويوضح ذلك قائلًا: “لكن هذا لا يعني أن الشخص الذي يتعرض للتمييز لا يتمتع بالحماية القانونية؛ حيث كفل المشرع الليبي هذه الحماية من خلال نصوص موزعة بين القانون رقم (5) لسنة 1987 بشأن المعاقين، والقانون رقم (5) لسنة 1997 بشأن حماية الطفولة، وقانون العقوبات العام، بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية، كاتفاقية حماية الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادقت عليها ليبيا بموجب القانون رقم (2) لسنة 2013”.
ركّز قانون “رقم (5) لسنة 1987 بشأن المعاقين” على مجموعة من المنافع والحقوق المقررة لهؤلاء الأشخاص، ومن بينها: الحق في التعليم والتأهيل وإعادة التأهيل والعمل المناسب والتيسير والمساواة في ارتياد الأماكن العامة. ومن ثم، فإن متلازمة داون تدخل من حيث الأصل في نطاق الحماية المقررة للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية، ولا يحتاج الأمر إلى أن يذكر القانون عبارة (متلازمة داون) بالاسم حتى يستفيد صاحبها من هذه الحماية.
وفيما يتعلق بنطاق تطبيق هذه الحماية، يؤكد المحامي أن سلطة القانون لا تتوقف عند أبواب القطاع العام، بل تمتد لتلزم المؤسسات الخاصة بذات المعايير، مشيرًا إلى أنه: “مما لا شك فيه أن هذه الحماية القانونية غير مقصورة على المرافق الحكومية، فإذا كانت الواقعة في مدرسة حكومية أو مستشفى عام أو جهة إدارية، فإن أساس المسؤولية يكون هنا أكثر وضوحًا لأن الإدارة ملزمة قانونًا باحترام مبدأ المساواة وتقديم الخدمة العامة وفق القواعد المقررة، ولكن هذه الالتزامات تشمل كذلك المرافق الخاصة دون استثناء”.
وهنا تبرز الأهمية البالغة للاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي صادقت عليها الدولة الليبية بموجب القانون رقم (2) لسنة 2013؛ إذ تقوم هذه الاتفاقية على مبدأ المساواة وعدم التمييز، وتلزم الدول باتخاذ تدابير تشريعية وإدارية فعالة للحماية من جميع أشكال التمييز على أساس الإعاقة.
أما عن التزامات الدولة والقطاع الخاص في تهيئة الأماكن العامة والتعليمية لتسهيل حركة ودمج أطفال متلازمة داون، وتوفير تجهيزات ومرافق تتلاءم مع متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل عام، فقد قرر “القانون رقم (5) لسنة 1987 للمعاقين” الحق في التعليم، والتأهيل، والأجهزة المعينة، والتيسير في ارتياد الأماكن العامة، كما نصّ صراحة على أن دور الإيواء والمعاهد والمراكز المتخصصة يجب أن تكون مستوفية للشروط الصحية والنفسية، ومصممة هندسيًا بما يتلاءم مع أوضاع نزلائها.
علاوة على ذلك، تأتي الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لتوسع مفهوم “إمكانية الوصول” و”الترتيبات التيسيرية المعقولة”، فهي لا تكتفي بمجرد منع طرد الشخص أو رفضه، بل تتطلب إزالة كافة الحواجز البيئية والسلوكية التي تمنع مشاركته الفعلية في المجتمع.
أما عن الخطوات العملية المتاحة أمام عائلات الأطفال الضحايا لانتزاع حقوقهم، يقول شمبش: “الآليات القانونية التي يمكن اتخاذها عند وقوع أي انتهاك أو حالة تمييز، فتكون عبر 3 مسارات قانونية متكاملة تتناسب مع طبيعة الانتهاك وحجم الضرر النفسي؛ الأول يتمثل في الشكوى الإدارية (ضد الجهة أو الموظف المسؤول)، والثاني يندرج تحت الدعوى المدنية والمطالبة بالتعويض إذا ترتب على التمييز ضرر مادي أو أدبي (معنوي)، ويعد الضرر الأدبي بالغ الأهمية في هذه الحالات، خصوصًا إذا تعرض الطفل للإهانة، أو الإذلال، أو التشهير والاستغلال، فيما يتعلق الثالث بالشكوى الجنائية إذا كان السلوك يتضمن فعلًا يعاقب عليه قانون العقوبات كالسب أو التشهير أو الاعتداء أو الإيذاء أو غير ذلك من الجرائم”.
ورغم هذا الزخم التشريعي والنصوص التي تبدو حامية في ظاهرها، إلا أن غياب التفاصيل الإجرائية يظل العائق الأكبر أمام تحقيق العدالة الناجزة، وهو ما يلخصه المحامي شمبش بالإشارة إلى الفجوة الأبرز في المنظومة الليبية: “رغم كل تلك النصوص، لا تزال المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التعريف الإجرائي الدقيق للتمييز على أساس الإعاقة الذهنية، وهذه تُعد من أبرز الثغرات التشريعية لدينا. فصحيح أن قانون المعاقين رقم (5) لسنة 1987 عرّف المعاق وفئات الإعاقة وأقر مجموعة من الحقوق والمزايا، لكنه يفتقر إلى تعريف إجرائي حديث ومتكامل لمفهوم (التمييز على أساس الإعاقة)، وكيفية تكييفه كمخالفة تستوجب العقاب المباشر، مما يجعل إنصاف بعض الحالات رهنًا بالاجتهاد والاعتماد على النصوص العامة فحسب”.