دروج Drooj

جولة تفقدية في رأس رجل يريد السلطة

لنتفق أولًا على شيء بسيط: مجرد فكرة استيلاء سين من الناس على السلطة ليست -في الغالب- من أولويات المواطن البسيط؛ هذا المواطن لا يهمه كثيرًا إن وصل إلى السلطة بوعجيلة أو مسعود، ولا إن جاءها من الشرق أو الغرب، ولا إن كان الطريق إليها دبابة أو صندوق اقتراع أو بيانًا عسكريًا أو تحالفًا قبليًا أو صفقة أُبرمت في غرفة مغلقة؛ هو يريد فقط أن يعيش.

ولنفصّل قليلًا في هذه الأُمنية البسيطة أيضًا: “العيش”؛ بالنسبة إلى المواطن، تتمثل فكرة العيش في راتب يكفيه، ومستشفى يجد فيه دواء حين يمرض، ومدرسة لا يخشى أن يرسل إليها أبناءه، وكهرباء لا تحتاج إلى منشورات فيسبوكية لمعرفة موعد انقطاعها، وطريق يستطيع أن يعبره دون أن يسأل أولًا: من يسيطر على هذه المنطقة؟

وربما يتبين هنا مرة أخرى لماذا اختُزلت الأمنية في هتافات الناس اليوم “نبو نعيشو” دون “العيش الكريم” مثلًا؛ وربما يتجلى ذلك في الشعارات الثورية أيام فبراير، عندما كان الناس يهتفون:

“نبو نعيشو بحرية
نبو نعيشو بكرامة”

حتى تقلصت المسألة اليوم إلى:

“نبو نعيشو” فقط.

الحاصل أن هذه هي مشكلة المواطن الصغيرة جدًا، أما مشكلة الباحث عن السلطة فهي أكبر بكثير؛ هو يريد إنقاذ الوطن؛ وهنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدًا.

وربما إذا انتقلنا إلى جولة تفقدية داخل عقل رجل يبحث عن السلطة، سيتبسط الأمر قليلًا، وسنجد حوارًا من هذا النوع:

لا بأس أن تتحرك الجيوش، وأن تُغلق الطرق، وأن تُفتح الجبهات، وأن يقتل الناس بعضهم بعضًا، إذا كانت النهاية كرسي الحكم. أنا لا أفعل ذلك من أجل نفسي، بالطبع؛ أنا أخشى على الوطن من أن يقع في يد من لا يستحق. لا بأس أن تنهار بعض المدن في الطريق، فإعادة إعمارها ممكنة. لا بأس أن يفقد بعض الناس أبناءهم، فالتاريخ مليء بالشهداء. لا بأس أن تتعطل حياة الناس سنوات، فهذه مرحلة مؤقتة لا بد منها للوصول إلى الدولة التي يحلمون بها.. ولا بأس أيضًا في المال؛ فالسلطة -كما تعلمون- ليست مجانية.

ومن ثم يتابع عقل الرجل حواره: ومن هنا قد نضطر إلى إنفاق أموال الدولة، وقد نضطر إلى الاقتراض، وقد نضطر إلى بيع بعض ما يمكن بيعه، وربما طباعة بعض المال إن ضاقت السبل، وربما بيع النفط مقدمًا، وربما بيع الوطن كله جملة واحدة إذا تطلبت المعركة ذلك! كل هذا مؤقت؛ وحين أصل إلى الكرسي، سأعيد الأمور إلى نصابها.. هكذا يفكر الرجل الذي يريد السلطة.

المشكلة أنه لا يتوقف هنا، فشراء السلاح يحتاج إلى المال، وتمويل الحرب يحتاج إلى المال، ودفع المرتبات يحتاج إلى المال، وشراء الولاءات يحتاج إلى المال، والمحافظة على الولاءات تحتاج إلى مال أكثر؛ أما البريستيج وحده فيبدو أنه يحتاج إلى ميزانية مستقلة؛ فالكرسي لا يأتي وحده، يأتي معه موكب، وحراسة، وإعلام، ومنشورات فيسبوكية ممولة، وخصوم، وأصدقاء جدد لم نكن نعرف أنهم أصدقاء، وخبراء يشرحون لنا لماذا هذا الرجل هو الاستثناء التاريخي الذي انتظره الوطن طويلًا.

ثم هناك القبيلة، والمدينة، والمنطقة، والرفاق، والإخوة، والثوار السابقون، والثوار اللاحقون؛ وكل هؤلاء لديهم احتياجات بسيطة جدًا يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: “الولاء”؛ والولاء -في بعض الأحيان- لا يكفي أن يُشترى بالمال، بل يحتاج الكثير من المال؛ ولهذا ربما استقر بين الناس مثل جديد، أو لعلها حكمة يونانية قديمة أعيد اكتشافها على الطريقة الليبية: “اللي ما يطيحوشي الفلوس يطيحوه هلبا فلوس”.

وفي كل الأحوال، فإن الباحث عن السلطة لا يرى في كل هذا تناقضًا؛ بالنسبة إليه، المال الذي يُهدر اليوم ليس مالًا عامًا، بل “تكلفة الوصول إلى الدولة”؛ والناس الذين يموتون ليسوا ضحايا، بل “تضحيات”؛ والمدن التي تُهدم ليست خرابًا، بل “ثمنًا مؤقتًا”؛ والخصوم الذين يُقصون ليسوا مواطنين مختلفين في الرأي، بل “عقبات أمام المشروع الوطني”؛ أما هو، فهو المشروع الوطني نفسه.

وهنا تمامًا تحدث المعجزة الصغيرة: “قبل الوصول إلى السلطة، يكون الوطن فكرة تستحق أن نحرق من أجلها نصفه، أو حتى كله”، وبعد الوصول إلى الكرسي، يصبح الوطن ملكية عامة تحت الإدارة الخاصة.

ومن ثم تتغير اللغة أيضًا، فما كان قبل الكرسي “سرقة” يصبح بعده “استثمارًا”، وما كان “شراءً للولاءات” يصبح “تعيينًا للكفاءات”، وما كان “قمعًا” يصبح “حفاظًا على الأمن”، وما كان “دعاية” يصبح “إعلامًا وطنيًا”، وما كان “تضييقًا على الخصوم” يصبح “حماية للمسار الديمقراطي”، وما كان “انقلابًا” يصبح بعد بعض الوقت، “تصحيحًا تاريخيًا”.

أما المواطن في هذه القصة، فلا يملك إلا أن ينتظر؛ ينتظر انتهاء الحرب، ثم ينتظر استقرار الحكم، ثم ينتظر تحسن الاقتصاد، ثم ينتظر أن يصل شيء من الدولة إلى حياته اليومية؛ وإذا كان محظوظًا، فقد يلتقي الباحث عن السلطة بالمواطن في هذه النقطة تحديدًا: بعد أن يستتب الحكم.

أما إذا كان سيئ الحظ، فقد يحتاج إلى خمسين سنة أخرى حتى يكتشف أن الرجل الذي وعده بالخلاص كان يحتاج إلى الخلاص منه هو أولًا؛ وهنا يخرج أحفاد ذلك المواطن البسيط في ثورة جديدة، وتبدأ الجولة من جديد: رجل آخر يريد إنقاذ الوطن، وجيش آخر يتحرك، وأموال أخرى تُنفق، وشهداء جدد، ووعود جديدة، وكرسي قديم ينتظر صاحبه الجديد.

وربما لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المواطن البسيط ليس: من سيحكم؟ بل: كيف سيحكم؟ وبأي ثمن؟ ومن سيدفع هذا الثمن؟ وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن لدينا رجالًا يريدون السلطة؛ المشكلة أن بعضهم يريدها إلى درجة أن يصبح معها الوطن مجرد ذريعة طويلة للوصول إلى كرسي قصير العمر.

أما المواطن، المسكين، فلا يريد كل هذا، لا يريد أن ينتصر الشرق على الغرب، ولا الغرب على الشرق، ولا القبيلة على القبيلة، ولا الفريق على الفريق، يريد فقط أن يفتح عينيه صباحًا، فيجد أن الدولة تعمل؛ وربما هذه الأمنية -في بلد مثل ليبيا- أصبحت أمنية سياسية كبرى؛ مع أنها في بقية العالم مجرد صباح عادي.

Share This Article

منشورات ذات صلة

لنتفق أولًا على شيء بسيط: مجرد فكرة استيلاء سين من الناس على السلطة ليست -في الغالب- من أولويات…

أرض جدّي، كما يروي أبي، كانت تُعرف بصخرة واحدة لا أكثر، حدًّا يفصل حقه عن حق جاره. وحين…

تُعد تجربة الانتخابات بصورتها المتعارف عليها حديثة ومحدودة في ليبيا. وخلال فترة حكم القذافي تبنت ليبيا نموذجًا خاصًا…

دراسة للباحث محمد قاسم محجوب تُواجه ليبيا تحديات بيئية متصاعدة تضعها بين أكثر دول شمال أفريقيا هشاشة وتأثرًا…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.