دراسة للباحث محمد قاسم محجوب
تُواجه ليبيا تحديات بيئية متصاعدة تضعها بين أكثر دول شمال أفريقيا هشاشة وتأثرًا بالتغيرات المناخية، إلا أن جهود المواجهة تصطدم بفجوة معرفية وتنفيذية حادة على أرض الواقع. ولأجل تنظيم هذا العمل المناخي ومواجهة هذه الأزمات، تعتمد ليبيا رسميًا على 3 وثائق استراتيجية سيادية صُممت لتقديمها إلى الأمم المتحدة وهي: المساهمات المحددة وطنيًا (NDC) لتقليل الانبعاثات، وخطة التكيف الوطنية (NAP) لمواجهة الجفاف، والبلاغ الوطني الأول (INC) لتشخيص الواقع البيئي؛ إذ تمثل هذه المستندات بمثابة “دستور بيئي” ويُعد إنجازها الخطوة الأكبر والأهم في هذا الاتجاه.
ورغم الأهمية القصوى لهذه المرجعيات، كشف بحث ميداني حديث أجراه الباحث والمتخصص في المرونة المناخية، محمد قاسم محجوب، شمل عينة من المواطنين والمختصين في طرابلس وبنغازي وسبها، أن الأثر الأكثر عمقًا يكمن في غياب الوعي الشعبي؛ حيث أظهرت النتائج أن حوالي 75% من المشمولين لا يعلمون بوجود هذه الخطط الاستراتيجية الوطنية للمناخ، ولا يبدون اهتمامًا كبيرًا بمعرفتها، وهي النسبة التي وصفها الباحث بـ “ناقوس الخطر” الذي يستدعي إعادة هيكلة شاملة لمشهد العمل المناخي في البلاد.
وتكمن المفارقة في أن توقعات المواطنين حول فحوى هذه المستندات، عند سؤالهم عما ينتظرونه منها كأول مرة يسمعون بها، جاءت قريبة جدًا من مضمونها الحقيقي، مما يثبت أن المواطن، باعتباره أداة الضغط الأولى والمستفيد والمكشوف المباشر أمام الأزمة، يجب أن يكون على دراية واسعة بالخطط لتوجيه دفة السياسات ومراقبتها، حتى في ظل غياب التجاوب الحكومي مع ملف المناخ، خصوصًا وأن هذه المستندات تمثل بمثابة “دستور بيئي” ويُعد إنجازها الخطوة الأكبر والأهم في هذا الاتجاه.
هذا الخلل البنيوي قاد الباحث إلى ابتكار مؤشر علمي يُدعى مؤشر الاختلاف بين السياسة والواقع (PPDI – Practice Policy Difference Index)، والذي يضع الأصبع على الجرح في واقع العمل المناخي في ليبيا. وبموجب هذا المؤشر، يرى الباحث محمد قاسم محجوب أن ليبيا تبدو ممتازة جدًا على الورق عند مقارنتها بدول العالم الثالث أو الدول ذات المناخ الجاف وشبه الجاف، حيث صيغت خططها بمثالية عالية، غير أن مؤشر (PPDI) يسجل في المقابل ارتفاعًا قياسيًا مدمرًا يعكس الهوة الكبيرة بين الوعود المكتوبة والتنفيذ الفعلي. ويتفق خبراء البيئة في ليبيا بمختلف تخصصاتهم وأعمارهم على أن البلاد لا تزال بعيدة تمامًا عن مرحلة التطبيق الفعلي، مما يجعل شرط النجاح الحقيقي لا يقتصر على التنفيذ الصحيح فحسب، بل في أن يكون كل إصدار وتحديث جديد للمستندات أكثر واقعية وأفضل كفاءة من الإصدار الذي سبقه لضمان خفض هذا المؤشر سنويًا.
وفي سياق متصل، أشار قاسم إلى معضلة إدارية وإعلامية ساهمت في تغييب هذه الخطط عن الشارع وعن مجتمعات البحث العلمي؛ فبالرغم من قيام الشركاء الدوليين بتسليم المستندات والخطط رسميًا إلى السلطات الليبية (تحديدًا حكومة الوحدة)، إلا أن هذه النسخ لم تُنشر أو تُتداول حتى الآن على المواقع الإلكترونية الرسمية للحكومة أو اللجان المختصة.
وقد لا يعود هذا التأخير في النشر إلى رغبة متعمدة في الحجب، بل ربما لغياب الإحساس بمدى العجلة وضرورة مشاركة هذه البيانات مع الناس، خصوصًا وأن وثائق مثل خطة التكيف الوطنية (NAP) والمساهمات المحددة وطنيًا (NDC) هي مستندات ديناميكية تتطلب التحديث الدوري والمستمر. هذا التباطؤ جعل الوصول إلى المعلومات معقدًا وقيد إنتاج الدراسات المكملة، مما دفع الباحث لاستغلال “فترة الزخم” التي تلت الاعتماد الرسمي لإنجاز عدة دراسات تقييمية متعلقة بالوثائق الثلاث المفصلية: المساهمات المحددة وطنيًا (NDC)، وخطة التكيف الوطنية (NAP)، والبلاغ الوطني الأول (INC)، معتبرًا أن هذه الأوراق هي التي تحدد مستقبله المهني كمختص، وترسم ملامح حياة الليبيين الذين يعيشون في ظروف بالغة الهشاشة.
وتتكامل هذه الأزمة مع أبعاد “الجغرافيا السياسية للمناخ” وآلية اتخاذ القرار داخل البلاد؛ حيث تمت عمليات التوليد، والتصميم، والاعتماد لهذه المستندات الاستراتيجية الثلاث بالكامل داخل العاصمة طرابلس، وهي مفارقة علمية بالنظر إلى أن طرابلس ليست المنطقة الأكثر خطرًا؛ فليبيا مقسمة إلى 4 مناطق مناخية رئيسية، بالإضافة إلى النطاق البحري، وتعتبر العاصمة بعيدة جغرافيًا عن النطاق الثالث الأكثر خطورة، كما أن عناصرها الحساسة ونسب تعرضها للفيضانات لا يمكن مقارنتها بالطبيعة البيئية للجبل الأخضر أو مدن مثل درنة وشحات التي دفعت أثمانًا باهظة جراء الكوارث الطبيعية. ويبين الباحث أنه كان من الضروري إقحام خصائص سكان المناطق المتضررة مباشرة في تصميم هذه المستندات، إذ لا يمكن صياغة استراتيجيات تمس حياة المواطنين عن بُعد، مؤكدًا حاجة البلاد إلى ميزان جغرافي أكثر عدلًا في إدارة الملف.
ويتطلب الإنقاذ البيئي في ليبيا، وفقًا لنتائج الدراسة الميدانية، إعادة برمجة مشهد العمل المناخي بالكامل لتتوقف المؤسسات عن التعامل مع المواطن كـ “مجرد مستفيد في آخر السلسلة”، بل كشريك أساسي صُممت هذه الاستراتيجيات من أجله وبواسطته؛ نظرًا لأن تنفيذ خطط التكيف يعتمد كليًا على سلوك الأفراد اليومي في الجبال، الصحاري، والمدن المكتظة. وتنتظر هذه الاستراتيجيات دفعة تنفيذية حقيقية لترجمة أولوياتها الكبرى إلى واقع ملموس، وعلى رأسها إنشاء نظام للإنذار المبكر لحماية الأرواح في المدن الحساسة، وتأسيس مركز بيانات تغير المناخ لتوثيق المعلومات البيئية علمياً، ودعم مشاريع العمل المحلي. ولا تنعكس أهمية هذه الخطوات داخليًا فحسب، بل تمتد دوليًا؛ حيث يمثل تسليم هذه المستندات رسميًا للأمم المتحدة بطاقة عبور قانونية وأخلاقية تمنح ليبيا الحق في المطالبة بدعم مالي ولوجستي أكبر من صناديق المناخ العالمية لمواجهة أزمتها البيئية قبل فوات الأوان.