×

موائد الزمان، الأطعمة وتطور المجتمع في ليبيا

Food Journey Drooj

موائد الزمان، الأطعمة وتطور المجتمع في ليبيا

بقلم/ خليفة البشباش.

دروج – خاص.

مع مرور الوقت وتطور الوسائل، يزداد اهتمام المؤرخين وعلماء الآثار بتاريخ الأطعمة والعادات الغذائية للشعوب في ماضيها؛ قديمه وحديثه ووسيطه. وتساعد الأدوات العلمية الحديثة في اكتشاف مزيد من الحقائق عن ماضينا الغذائي.

خلص فريق بحثي من جامعة بريستول، إلى أن أقدم دليل نعرفه على إنتاج الألبان في العالم قد اكتشف في الصحراء الليبية، فقد كشف تحليل كيميائي نظائريّ للأحماض الدهنية المأخوذة من فخار غير مطلي، يعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد؛ أن الدهون اللبنية كانت تعالج داخل الأوعية الفخارية في الصحراء الليبية.

وبينما استغلت ألبان الماشية في أفريقيا مبكرا، فقد انتظر الناس في أوروبا وأوراسيا ألف سنة أخرى لفعل نفس الشيء.

Food Journey 2 Drooj

الغذاء مدخلٌ لفهم اللغز البشري

يصف البروفيسور ڤيم ڤان نير -الخبير بالمعهد الملكي للعلوم الطبيعية في بروكسل، بلجيكا- الصحراء الليبية بأنها “كبسولة زمنية” كناية على الكمية الهائلة من الأدلة والمعلومات عن التغيرات البشرية والمناخية التي يمكن أن تخبرنا بها.

فمثلا، اكتشفَ ڤان نير وفريقه أن سكان الصحراء الليبية كانوا يتناولون الأسماك بكثرة قبل 10 آلاف سنة!، عندما كانت البحيرات والمساحات المائية هناك كبيرة، وبينما كانت البقايا السمكية تمثل 90% من مجموع البقايا التي درسها في منطقة تخرخوري في التاريخ المذكور آنفا، فإن هذه النسبة انخفضت إلى 40% فقط قبل حوالي 4500 سنة مضت، عندما بدأ المناخ في التصحر.

إن تتبع الأنظمة الغذائية وأصناف الأطعمة وعادات الأكل عبر الأزمنة المختلفة؛ مبحث شديد الأهمية لأسباب عدة؛ فهو يفسر الكثير من الأحاجيّ عن التاريخ التطوري والاجتماعي للجماعات البشرية المختلفة، ومراحل تغير أساليب حياتها من الصيد إلى الرعي مثلا، وتأثير ذلك على تحديد نمط المجتمع.

فقد أدّى الانتقال إلى الزراعة -حسب جمع من المؤرخين- إلى تحديد نظام الأسرة الأبوي الذي نعرفه، إضافة إلى ذلك فإن توفير الغذاء أو أنواعا محددة منه كان العامل الرئيس لكثير من الأحداث التاريخية.

من أمثلة ذلك؛كان لإضافة السكر إلى المشروبات تأثير كبير على تفاقم مأساة العبودية.  كما كان الطلب على التوابل وبعض الأغذية الهندية مفتاحا ودافعا لأهم رحلات البحارة مثل دي جاما وبارتولميو دياز والتي أدّت لاكتشاف طرق ومسارات بحرية جديدة غيرت العالم لقرون.

تتداخل العادات الغذائية أيضا مع دراسة المظاهر الاجتماعية للشعوب وحتى الشعائر الدينية، معرفة أوجه التشابه والاختلاف وتبادل الأصناف والسلع؛ تضيف أيضا فهما أكبر للهجرات والعلاقات بين جماعات البشر.

Food History Drooj 1

الوسائل والموارد

يصف إيفالد بانزه –الرحّالة الألماني- شكل المطبخ في البيت الليبي مطلع القرن العشرين بأن ما يلفت النظر فيه قبل كل شيء هو الموقد الضخم “الدكانة” وتستخدم فتحاته العليا “الكانون” في استيعاب الفحم الذي يستخدم كوقود. أما الفتحات الأمامية فتنحصر مهمتها في التهوية بينما تتسرب الروائح والدخان عبر قوس إلى المدخنة وتدعى “بابورا“… إلى آخر وصفه.

وعلى الرغم من أن دراسات ورحلات “بانزه” تعتبر متأخرة، إلا أنه يمكننا التعرف على تغيرات واضحة في الأدوات والأساليب الخاصة بإعداد الأطعمة عما صار سائدا اليوم.

يسرد “بانزه” أيضا أهم المحاصيل الزراعية المتداولة في ذلك الوقت، حيث يشير إلى أن الحبوب وخاصة الشعير هي أهم المحاصيل، حيث بلغت قيمة ما صدر منه سنة 1907 أكثر من 3 ملايين مارك (عملة ألمانيا وقتها)، ويضاف القمح والزيتون والتمر إلى المحاصيل الرئيسية، بينما يشير إلى ازدياد في العناية بالبرتقال والليمون وكذلك البطاطا.

تعد البطاطا مثل الطماطم والذرة وغيرها من محاصيل العالم الجديد، على الرغم من أنها قد تشكل أساس مطابخنا اليوم، فلم يعرفها الأوربيون إلا بعد حملات كولمبوس ومن تلاه في استكشاف واحتلال القارتين الأمريكيتين الجنوبية والشمالية. ولم تدخل إلى إفريقيا إلا أواخر القرن السابع عشر، وأخذت وقتا طويلا حتى صارت تزرع وتؤكل على نطاق واسع داخل المجتمعات المحلية.

يخطئ البعض في إعطاء أكلات ووصفات ليبية مثل “المبطن” أو “مرق الطماطم” المضاف إلى بعض الأكلات عمرا أطول من التقدير المنطقي لدخول مكوناتها الرئيسية للبلاد.

Bazin Drroj2

يسرد “جورج فرانسيس ليون” الرحالة الانجليزي الذي زار ليبيا بين عامي 1818 و 1820م طريقة تحضير عدة أكلات ليبية مثل الكسكسي والبازين والفتات والمقطع والزميطة والدويدة والعصيدة وغيرها، لا أثر للطماطم أو البطاطا في مذكراته.

يقول عن ما يخلط مع الكسكسي من الإضافات مثلا: “حينما تنضج حبيبات الكسكسي يضاف إليها اللحم وقليل من الزبد أو الشحم، وإذا غاب اللحم فإن كمية كبيرة من الفلفل الأحمر تجعل من الوجبة أكلة شهية”.

وهكذا يتحدّث ليون فيما يتعلق ببقية الأكلات كالبازين الذي يصفه بالأكلة الأكثر شعبية حيث تتنوع الإضافات التي يذكرها عنه دون أي إشارة إلى الطماطم أو البطاطا.

يحتاج تحديد تاريخ دقيق لدخول الخضروات والحبوب والفواكه الجديدة إلى ليبيا لجهد بحثي واستقراء للكتب التاريخية والأدبية والفقهية أيضا.

Fire Drooj

السلوك والعادات

تأخذ المأكولات شكلا من أشكال التعبير عن السلوكيات والأخلاق والعادات، ترتبط بعض الأطباق في ليبيا بحسن الضيافة ومساعدة الغريب والقريب.

تصف “روزيتا فوربس” في رحلتها مع القوافل إلى الكفرة كرم الليبيين بأنه “كرم محيّر” حتى في قلب الصحراء القاحلة وطرق القوافل حيث يعتبر الاحتفاظ بالطعام والماء أهم أسباب النجاة.

تقول فوربس “الطعام والشراب جاهزان على الدوام للضيف، متى ما مرّ مسافر على نار يجلس حولها ثلاثة أو أربعة رجال متلفعين بجرودهم البيضاء فإنهم يبادرونه بكلمة تفضل، وإذا ما وصل أي مسافر إلى معسكر قافلة فإنه يحصل على الطعام والشاي دون مقابل

اشتهر الليبيون بكثرة استهلاكهم للشاي، وارتبط بأسمارهم وجلسات ودهم وصفائهم وترحيبهم بالضيف، ورغم أنه في بادئ الأمر كان شرابا خاصّا بطبقة أهل الحكم والثراء؛ إلا أنه صار بعد ذلك شرابا متداولا بين كل فئات المجتمع، واستحسنه بعض الفقهاء وعده معينا على السهر وطلب العلم.

عند زيارة الرحالة “محمد بن عثمان الحشائشي” لمشايخ الطريقة السنوسية وبعد أن وصف كثيرا من أخبارهم ومؤلفاتهم ومجالس ذكرهم وسير أئمتهم، أشار لبعض العادات واللطائف عندهم.

يقول الحشائشي: “ولهم في مدح الشاهي عدة مقاطيع وقصائد وأراجيز يطول بنا ذكرها ويقولون إن الشيخ الأكبر أوصاهم بشربه لأنه يعين على السهر لاقتناص العلوم وفيه منافع كثيرة.” وقد حكى “العياشي” التعليل نفسَه في استحسان مشايخ الطريقة الشاذلية للقهوة.

Food Taste Drooj

ويلازم الشاهي الليبيين في كل أحوالهم، الطبيب “إرنست غريفن” الذي رافق المجاهدين الليبيين وطبّبهم عام 1912م ضمن بعثة الصليب الأحمر، قد أشار أيضا لحرصهم على الشاي حتى في زمن الحرب ومواجهتهم للاحتلال الإيطالي، ونبه على آداب شربه عندهم كالتسمية قبل الشرب وعدم إحداث صوت أو ضجيج عند تناوله والتعبير عن جودة الشاي المقدم وغير ذلك.

وقد سجل “غريفن” ذكريايه عن استخدام الأطعمة في التعبير عن الشكر والامتنان عند الليبيين، والكرم العجيب الذي يتمتعون به، حيث كتب:

“جميع مرضاي كانوا يشكرونني بدون حدود وبطرق مختلفة، فالنساء كن دائما يحملن بيضة أو زجاجة بها حليب أو بعض العشب لجوادي.. وكنت أرفضها بأدب… ولابد أن اعترف بأنني كنت أشعر بالغبطة والسرور فأولئك الناس كانوا فقراء جدا بل معدمين ورغم ذلك يقدمون لي طعامهم الذي يحتاجونه أكثر مني“.

تعليق واحد

comments user
قمر حسين ابوبكر

والله الاطعمة هذه كانت فعلا شفاء لكل الاسر الليبية قديما وكانت لذيها فائدة كبيرة كانت بزيوت الاغنام الا وهي الشحوم ام اليوم يفترق كثيرا

إرسال التعليق