منذ أن أقيم كأس العالم للمرة الأولى في أورغواي سنة 1930، ومنذ أن كانت الدول المشاركة فيه لا تتجاوز الثلاثة عشر، وهو يشكل وجهة للعيون والقلوب، تجتمع حولها فقط لتراقب كرة مصنوعة من الجلد الطبيعي الذي يمتص الماء فيجعلها أثقل. حسب التقويم الوطني الليبي، كان هذا قبل إعدام رمز المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي عمر المختار، بعام واحد، أي أننا في ذلك الوقت لم نكن نعرف حقيقة الأورغواي ولا الأرجنتين، ولم نؤطر المباراة النهائية بينهما بصراع ليبي ليبي عن الكرة التي سيلعب بها الفريقان المباراة النهائية، وربما كنا سندعم وقتها الاتفاق على لعب كل شوط من هذه المباراة بكرة أحد الطرفين، بسبب الخلاف الطريف الذي نشب بينهما وقتها.
منذ ذلك الحين، سار مركب المونديال في بحر من الأحداث السياسية والأمنية وحتى الصحية والمناخية التي شهدها العالم، وظل في كل مرة فسحة للبهجة والأمل تعيد للكوكب هدوءه ولحظات من السلام.
ورغم العواصف الهوجاء التي هبت في العالم واقتلعت بعض القيم الإنسانية النبيلة، يبقى كأس العالم 2026 مختلفًا عن كل الدورات السابقة، المركب لم تعد تسير بسلاسة وهدوء مع تغير الربابنة، ومع تراجع الرياضة كقيمة إنسانية تجمع الشعوب إلى مسرح لتصفية الحسابات السياسية وممارسة الكِبْر والتعالي على الشعوب بسبب موقف سياسي أو بسبب اصطفاف لقضية ما تبيحه الإنسانية ويحرمه جنون العظمة الذي تعاني منه بعض الدول.
يشاء القدر أن تكون أميركا من منظمي هذا المونديال، ويشاء القدر أن يتزامن مع حروب وصراعات ظاهرة وخفية يقودها ترمب ويقحم فيها بلاده التي تتبعه مطفأة العينين، فتدوس في طريقها كل القيم التي طالما كان كأس العالم ترجمة لها حتى وقت قريب، ولن تكون آخر المفاجآت الأميركية منع حكم صومالي من دخول البلاد لتنفيذ مهمة كلفه بها الفيفا ولا حرمان جماهير أفريقية من حضور مباريات فرقها، ولن تكون أيضا الأرقام الفلكية لأسعار التذاكر هي كل شيء بالنسبة لمونديال ترعاه أميركا “ترمب”.
بعيدًا عن كل ذلك، كرة القدم والموسيقى، كلاهما من أعظم إنجازات الإنسان المثالي الدائر في فلك الحب والخير والجمال، الساعي منذ الأزل إلى أسلوب حياة يسمو به وبروحه عن كل شرور الدنيا، لذلك عندما يلتقيان تكتمل المتعة ويولد الفرح ويتفجر الحماس، فيغمر كل القارات التي تتزين بألوان المنتخبات المتنافسة والراقصة على أنغام اختيرت بعناية.
في هذا العرس العالمي، تصبح الموسيقى سيدة المكان. تبدأ من صوت الصافرة الذي يعلن عن الأهداف، إلى صيحات الفرح الصاخبة في المدرجات، وإلى الرقص والغناء المتواصلين، ثم إلى العروض الموسيقية والفنية التي ترافق افتتاح المونديال واختتامه، ويظل صداها حاضرًا حتى بعد انقضاء السنوات الأربع التي تسبق الدورة التالية.
لم أكن قد بلغت العشرين في مونديال فرنسا سنة 1998. وبالكاد أتذكر سطوع نجم زين الدين زيدان وتقديمه كأس العالم لبلاده بعد فوز كبير على البرازيل بثلاثة أهداف دون مقابل، سجل منها زيدان هدفين، لكنني أذكر جيدًا الشاب البورتوريكي الوسيم ريكي مارتن وهو يطلق صافرة البداية ويفتتح المونديال بطريقته في الغناء والرقص، وخلق الفرح الموازي لهذه اللعبة الآسرة.
بعد ذلك، وفي الألفية التالية، ظلت الموسيقى رفيقًا وفيًا لكرة القدم، لكنها جاءت هذه المرة من كولومبيا في صورة فتاة حسناء اسمها شاكيرا، عرفت كيف تصنع مزيجًا من الحماسة والبهجة، وحولت الملاعب إلى ساحات للرقص، بالكرة ومن دونها.
شاكيرا بوجودها اليوم في الأغنية الرسمية لمونديال 2026، تتجاوز الجميع وتحضر للمرة الرابعة كبداية جميلة أو ختام أجمل للحدث الكروي العالمي، فقد كان حضورها الأول في الحفل الختامي لمونديال ألمانيا 2006، لتكون مسك الختام لرحلة عدد من أساطير كرة القدم في العالم، فقد اعتزل زيدان اللعب الدولي بعد هذه البطولة، وذاكرة العالم تحتفظ بأغنية شاكيرا وقتها لتضفي شيئًا من النعومة، وتجعلنا نتغاضى عن الكرت الأحمر الذي وُلد من لمسة عنيفة بين زيدان وماركو ماتيراتزي. كانت أغنيتها مع ويكليف قبل المباراة النهائية بين فرنسا وإيطاليا أجمل توديع أيضا لرونالدو نازاريو “الظاهرة” التي لم يعوضها أحد حتى اليوم، البرتغالي لويس فيغو والتشيكي نيدفيد والألماني أوليفر كان والسويدي هينريك لارسون، وغيرهم كثيرون وضعت شاكيرا على صفحات مشوارهم الكروي ختم الإبداع وإسعاد الملايين في العالم كله.
بعد أربع سنوات في 2010، استضافت جنوب أفريقيا كأس العالم للمرة الأولى في تاريخ القارة، عادت شاكيرا من جديد في رائعتها “واكا واكا”، وهي ترتدي الأصفر والأحمر، وغنت ورقصت مع فرقة “فريشلي غراوند” الجنوب أفريقية، ومع أطفال وفتيات صبغن الأغنية بلون القارة السمراء وحكايتها الطويلة مع الرقص والغناء. “زانقليوا” و”واكا واكا” المفردات المليئة بالحماس وبالطاقة والمنتقاة بعناية من التراث الأفريقي، الذي انتقل بكل سلاسة مع صوت ورقص شاكيرا مقتحما كل الأذواق.
في هذه الأغنية الرسمية للمونديال، ظهر ميسي ورونالدو كلاعبَين واعدين، وظهر أيضا الإسباني “بيكيه” الذي أصبح فيما بعد والد ميلان وساشا ابنَي شاكيرا. وكما شهدت واكا واكا ولادة نجوم، كانت إيذانا بأفول أخرى ليكون مونديال 2010 مسك ختام المسيرة الكروية لكثيرين مثل فابيو كانافارو وتيري هنري وكاكا.
في المونديال الثالث على التوالي، الذي استضافته البرازيل في 2014، عادت شاكيرا لتتألق “في ريو نحن نلعب كأننا نرقص”، وخاضت أقدام كثيرة معاركها الأخيرة على ملاعب البرازيل، مثل جيل إسبانيا الذهبي أبطال 2010 الذين سلموا راية الأحمر والأصفر إلى جيل آخر لا زال يخوض معاركه حتى اليوم، فكانت البرازيل وملاعبها الممتلئة عن آخرها بالعشاق والمريدين الأزليين للكرة آخر عهد جيل كامل من اللاعبين الخارقين بالبطولات بعد خروجهم من دور المجموعات، مثل إيكر كاسياس وتشابي ألونسو ودايفيد فيا وفرناندو توريس وتشافي هيرنانديز. وحتى ألمانيا، بعد فوزها بالبطولة، ودع منتخبها نجوما ساطعين، كان صوت شاكيرا حارسا لرحلتهم خارج الملاعب مثل فيليب لام وميروسلاف كلوزه.
اليوم، وبعد اثنتي عشرة عامًا، يعود الفيفا إلى رشده ويجدد عهد الفرح ويسلم ثلاث لوحات إلى شاكيرا لتكمل رسم الصورة المثالية لمونديال الحياة، ثلاث لوحات في المكسيك وكندا وأميركا ستكون مسرحا عظيمًا لإبداع هذه الكولومبية الجميلة. ومن ريودي جانيرو وأيقونتها “ماراكانا”، أطلقت شاكيرا إحدى تمائم كرة القدم الموسيقية وتبنى الفيفا الأغنية الرسمية للمونديال منتصف مايو الماضي، لتبدأ “داي داي” برسم معالم هذه البطولة قبل افتتاحها الرسمي الخميس الماضي 11 يونيو.
بالأصفر والأزرق وبكرة في يدها بدأت الحكاية من الماراكانا، والعالم يعرف دلالة المكان والألوان التي ارتدتها شاكيرا لتمسك بالكرة، وتجمع في سطر واحد من بداية أغنيتها كلمات حماسية من اللغات الإيطالية واليابانية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية. وفي الفيديو كليب ظهر بعض أشهر نجوم العالم يعلنون جاهزيتهم لضربة البداية وشاركهم في ذلك أطفال فرقة “غيتو كيدز” الأوغندية، مع الفنان النيجيري الشهير “بورنا بوي” لتكون داي داي كرنفالا صاخبا للموسيقى الأفريقية واللاتينية المناسبة جدًا لتترجم كرة القدم إلى موسيقى. في الفيديو، حتى ملابس شاكيرا لم تكن عشوائية؛ فظهرت بالأخضر الزمردي الكامل ثم مخلوطا ببعض البنفسجي، وظهرت بالأبيض وأيضا الأحمر والأصفر الذي كان مناسبا جدًا لتضع عليه شعار اتحاد كرة القدم الكولومبي.
قبل المباراة الافتتاحية في ستاد أزتيكا في مكسيكو سيتي بين منتخبي المكسيك وجنوب أفريقيا، حضرت شاكيرا مع مواطنها جاي بالفن، وتيلا الجنوب أفريقية، والأسطورة الإيطالي أندريا بوتشيلي وغيرهم، وستعود لاحقا في نيوجيرسي في العرض الختامي الضخم بين شوطي المباراة النهائية على طريقة السوبر بول الأميركية، وهذا سيحدث للمرة الأولى في تاريخ الفيفا، وحسب هذا الأخير ستكون مادونا حاضرة، وستكون فرقة بي تي أس الكورية الجنوبية أيضا حاضرة، لكن حضور شاكيرا دائما سيكون الإضافة الأجمل.
مرحبا بالمونديال، ودامت كرة القدم الشرفة التي نجلس فيها لنستريح من أخبار الحروب والصراعات في الداخل والخارج، ونجدد العهد لإنسانيتنا وفرحنا الطفولي، أو حتى حزننا المؤقت كلما اهتزت الشباك على البساط الأخضر.