دروج Drooj

مخاوف “توطين المهاجرين” في ليبيا.. هل المشكلة في التوطين أم في إدارة الهجرة؟

عاد ملف الهجرة خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة النقاش في ليبيا. فمع الحملات الأمنية التي استهدفت تجمعات للمهاجرين في عدد من المدن، وانتشار وسم “لا للتوطين” على مواقع التواصل الاجتماعي، عاد الجدل حول أعداد المهاجرين ومستقبل وجودهم داخل البلاد. وبين المخاوف المتزايدة والآراء المتباينة، برز سؤال يتكرر في النقاش العام: هل تواجه ليبيا بالفعل خطر توطين المهاجرين، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر؟

لفهم هذا الجدل لا بد أولًا من النظر إلى حجم الظاهرة نفسها. فبحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، يوجد داخل ليبيا نحو 936 ألف مهاجر ينحدرون من 44 جنسية مختلفة، بينما تشير تقديرات أوروبية إلى وجود نحو 1.5 مليون مهاجر، في حين رفعت تقديرات رسمية ليبية العدد إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص. ورغم التفاوت الكبير بين هذه الأرقام، فإنها تتفق جميعاً على حقيقة واحدة يصعب تجاهلها: ليبيا تستضيف أعدادًا كبيرة من المهاجرين مقارنة بعدد سكانها. ويتركز أكثر من نصف هؤلاء في المنطقة الغربية، حيث الكثافة السكانية الأكبر والنشاط الاقتصادي الأوسع، بينما يتوزع الباقون بين المنطقتين الشرقية والجنوبية.

كما تشير البيانات إلى أن الذكور البالغين يشكلون نحو 78% من إجمالي المهاجرين، في حين تمثل النساء والأطفال نحو 22%. وفي بلد لا يتجاوز عدد سكانه بضعة ملايين نسمة، تبدو هذه الأرقام كافية لفهم سبب القلق الذي يشعر به كثير من الليبيين، خاصة أن جزءًا متزايدًا من المهاجرين لم يعد يعبر البلاد بسرعة كما كان يحدث في السابق، بل بات يقيم لأشهر أو سنوات من أجل العمل أو بسبب تعذر استكمال الرحلة أو العودة إلى بلده الأصلي. ولهذا لم يعد كثير من الليبيين ينظرون إلى الهجرة باعتبارها مجرد حركة عبور مؤقتة نحو أوروبا، بل كظاهرة أصبحت جزءًا من الواقع اليومي في المدن والأسواق وأماكن العمل.

غير أن الانتقال من الانطباعات إلى الوقائع يقود إلى صورة مختلفة. فالمعطيات المتاحة لا تشير إلى وجود سياسة رسمية أو اتفاقيات معلنة تستهدف توطين المهاجرين داخل ليبيا، كما تؤكد السلطات الليبية بصورة متكررة رفضها لهذه الفكرة واعتبارها قضية تمس الأمن القومي؛ إذ تم خلال عام 2025 ترحيل 37 ألفًا و915 مهاجرًا من 27 جنسية مختلفة عبر المنافذ البرية والجوية. ومع ذلك، فإن غياب مشروع معلن للتوطين لا يعني بالضرورة اختفاء أسباب القلق. فبالنسبة إلى أغلب الليبيين لا ترتبط المخاوف بوجود قرار سياسي معلن بقدر ما ترتبط باستمرار تدفق المهاجرين وارتفاع أعداد المقيمين منهم داخل البلاد عامًا بعد آخر. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا لم يكن التوطين هو التفسير، فما الذي يجعل الظاهرة تستمر وتتوسع رغم حملات الضبط والترحيل؟

تكشف الدراسات الميدانية أن العامل الاقتصادي يظل المحرك الرئيسي للهجرة نحو ليبيا. فالغالبية العظمى من الوافدين الجدد يأتون بحثاً عن فرصة عمل أو مصدر دخل أفضل، وتشير بعض الدراسات إلى أن أكثر من 90% من المهاجرين يذكرون الأسباب الاقتصادية باعتبارها الدافع الأساسي لرحلتهم. فبالنسبة إلى كثير من القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء أو بعض الدول العربية والآسيوية، ما تزال ليبيا توفر فرصًا وأجورًا تفوق ما هو متاح في بلدانهم الأصلية، حتى في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد. وإلى جانب العامل الاقتصادي، لعبت الحروب والنزاعات دورًا محوريًّا في زيادة التدفقات،  فالحرب المستمرة في السودان منذ عام 2023 دفعت عشرات الآلاف إلى النزوح خارج بلادهم، وسجلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أكثر من 84 ألف لاجئ سوداني داخل ليبيا حتى أواخر عام 2025. كما أن الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة في دول الساحل الإفريقي، مثل تشاد والنيجر ومالي، تدفع كثيرين إلى البحث عن فرصة عمل أو حياة أكثر استقرارًا خارج بلدانهم. 

لكن التركيز على أسباب وصول المهاجرين إلى ليبيا لا يكفي وحده لفهم استمرار الأزمة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يريد الدخول إلى البلاد، بل أيضًا بالعوامل التي تجعل إدارة الهجرة نفسها مهمة شديدة التعقيد. ويأتي في مقدمة هذه العوامل نشاط شبكات تهريب البشر التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى منظومة اقتصادية منظمة عابرة للحدود. فمعظم المهاجرين الذين يصلون إلى ليبيا يعتمدون على مهربين أو شبكات نقل غير قانونية تتولى تأمين الرحلة عبر الصحراء وتوفير وسائل العبور نحو الساحل. وتشير دراسات الهجرة الدولية إلى أن شبكات التهريب في ليبيا شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية وطول الحدود الجنوبية وصعوبة مراقبتها بشكل كامل.

ولا تقتصر المشكلة على التهريب البري، بل تمتد إلى شبكات الاتجار بالبشر والاستغلال الإجرامي للمهاجرين. فقد شهدت ليبيا خلال الأعوام الأخيرة اكتشاف مقابر جماعية لمهاجرين في مناطق صحراوية، كما وثقت تقارير دولية حالات احتجاز قسري وابتزاز وعنف ضد مهاجرين وقعوا في أيدي شبكات التهريب. وفي أبريل 2026 أصدرت محكمة ليبية أحكامًا بالسجن على أعضاء في شبكة للاتجار بالبشر بعد إدانتهم بعمليات تهريب واختطاف وتعذيب مهاجرين. وتشير هذه الوقائع إلى أن الهجرة لم تعد مجرد حركة انتقال للأفراد، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بأنشطة إجرامية تحقق أرباحاً كبيرة من استغلال المهاجرين.

ويضاف إلى ذلك عامل جغرافي لا يقل أهمية. فليبيا تمتلك حدودًا تمتد لآلاف الكيلومترات عبر مناطق صحراوية شاسعة مع السودان وتشاد والنيجر والجزائر ومصر. وحتى مع تشديد الدوريات والإجراءات الأمنية، تبقى مراقبة هذه المساحات الواسعة تحديًا دائمًا. وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن تشديد الرقابة على أحد المسارات غالبًا ما يدفع المهربين إلى فتح مسارات بديلة، وهو ما يفسر التحولات المستمرة في طرق العبور عبر الجنوب الليبي.

وتزداد الصورة تعقيدًا عندما ننتقل إلى سوق العمل. فبينما يُنظر إلى المهاجرين عادة من زاوية التحديات الأمنية والاجتماعية، يعتمد جزء من الاقتصاد الليبي على العمالة التي يوفرونها. وتشير الدراسات إلى أن 37% من العمال المهاجرين يعملون في قطاع البناء، و7% في الزراعة، و5% في الخدمات المنزلية والرعائية، إضافة إلى أعداد كبيرة تعمل في النقل والخدمات والأعمال الحرفية. كما أن معدلات التشغيل بين المهاجرين مرتفعة نسبيًّا، ما يعكس وجود طلب فعلي على هذه العمالة في عدد من القطاعات الاقتصادية. وهنا تظهر واحدة من أبرز مفارقات الملف: فالدولة تسعى إلى الحد من الهجرة غير النظامية، لكن بعض الأنشطة الاقتصادية تعتمد في الوقت نفسه على جزء من العمالة التي تنتجها هذه التدفقات.

ومن هنا يبدو أن جوهر القضية لا يتعلق بوجود مشروع معلن لتوطين المهاجرين بقدر ما يتعلق بإدارة الهجرة نفسها. فليبيا تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين حدود واسعة يصعب ضبطها بالكامل، وشبكات تهريب واتجار بالبشر قادرة على التكيف مع الإجراءات الأمنية، وأزمات إقليمية تدفع مزيدًا من الأشخاص نحو أراضيها، وسوق عمل يحتاج إلى جزء من العمالة الوافدة. وفي ظل غياب سياسة متكاملة تجمع بين ضبط الحدود ومكافحة التهريب وتنظيم العمالة الأجنبية، يستمر الجدل وتبقى المخاوف قائمة.

لهذا السبب قد يكون النقاش حول التوطين موجهًا نحو النتيجة أكثر من السبب. فالمعطيات المتاحة لا تقدم دليلًا على وجود مشروع رسمي لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، لكنها تكشف في المقابل عن تحدٍ أكثر عمقًا يتعلق بقدرة الدولة على إدارة ملف الهجرة بصورة فعالة. ولذلك قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو ما إذا كانت ليبيا تتجه نحو توطين المهاجرين، بل ما إذا كانت تمتلك استراتيجية واضحة لضبط الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وتنظيم سوق العمل، والتعامل مع الضغوط الإقليمية التي تدفع بمزيد من المهاجرين نحو البلاد. فهناك، على الأرجح، يكمن جوهر المشكلة الحقيقي الذي سيحدد مستقبل هذا الملف خلال السنوات المقبلة.

Share This Article

منشورات ذات صلة

عاد ملف الهجرة خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة النقاش في ليبيا. فمع الحملات الأمنية التي استهدفت تجمعات للمهاجرين…

لم يكن الشاب الإثيوبي يحمل سلاحًا، ولم يكن يعتدي على أحد، ولم يكن يهدد أمن مدينة أو دولة.…

لا شيء تغيّر في واقع التدافع البشري منذ اللحظة التي التقطت فيها كاميرا التاريخ مشهد ذلك المخلوق المتوحش،…

في كل مرة تُنشر فيها صورة لفتاة ليبية، أو تُتداول قصة عن امرأة تجاوزت السلوك المتوقع منها، يصدر…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.