في ليبيا.. النسيان أداة السلطة لتشتيت الوعي وتعطيل العدالة

Nouveau projet 8

في ليبيا.. النسيان أداة السلطة لتشتيت الوعي وتعطيل العدالة

نورا الجربي

منذ أكثر من عقد، تعيش ليبيا فراغاً واضحاً في مسارات العدالة الانتقالية. فلا حقيقة مكتملة كُشفت، ولا مسؤوليات حُددت، ولا منظومة مساءلة وُضعت موضع التنفيذ. هذا الغياب لم يؤدِّ فقط إلى ترسيخ الإفلات من العقاب، بل فتح الباب أمام إدارة انتقائية للذاكرة العامة، تُبقي بعض الوقائع حيّة، وتدفع بأخرى إلى الهامش، حتى تتآكل بفعل الزمن والتجاهل، فينساها الناس تدريجيا، وهذا النسيان لا يأتي مصادفة، ولا يُفرض بوصفه قراراً سياسياً مباشراً،  وهو ليس غيابًا كاملًا للذاكرة، بل تعطّلاً في الوصول إليها.

في المجتمعات المنهكة، لا يُطلب من الناس أن ينسوا، بل أن ينشغلوا، فإشغال العقل بالقضايا الثانوية، والجدل الاستهلاكي، والخلافات الهامشية، يعمل كآلية غير معلنة لتوجيه النسيان الجماعي، حيث تتراجع الأسئلة الكبرى ليس لأنها حُلّت، بل لأنها استُبدلت.

عدة تساؤلات تحيّر المتابع للشأن الليبي: من ارتكب الجرائم؟ من أفلت من العقاب؟ ولماذا لم تُفتح أبواب العدالة حتى الآن؟

رأي عام مشتّت

أضحى تشتيت الرأي العام في ليبيا ضرورة سياسية، فالمجتمع المنهك لا يواجه القضايا المعقدة مباشرة، بل يُدفع إلى الانشغال بسجالات متلاحقة، متغيرة، ومشحونة عاطفياً وهنا لا يُلغى النقاش حول العدالة، بل يُزاح جانبًا، ويُغرق في ضوضاء القضايا الثانوية، بحيث يفقد مركزه دون أن يُعلن ذلك صراحة، فانتشرت الأخبار الزائفة والمضلّلة، كما انتشرت الأخبار التي لا تفيد المواطن ولا تزيده وعيا، ففي تقرير نشرته منصة فيسبوك عام 2021، صُنفت ليبيا ضمن أكثر الدول تضررًا من حملات التضليل المنظمة على منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة 2017–2020. وبيّن التقرير أن هذه الحملات اعتمدت على حسابات وصفحات مزيفة تهدف إلى توجيه النقاشات حول النزاع الليبي في الفضاء الرقمي، أو إرباكها، بما يضعف القدرة على تقييم المعلومات بدقة، ويرفع من نسق انتشار خطابات الكراهية ومنسوب العنف.

وفي سياق مماثل، أعلنت منصة تويتر سابقًا -إكس حاليًا – في 2021 عن إغلاق شبكة من الحسابات التي كانت تستهدف الحكومة المدنية الليبية وتروّج لسرديات موالية لروسيا في ليبيا وسوريا. ويأتي ذلك ضمن جهود المنصة للحدّ من النشاط المنسّق غير الأصيل الذي يسعى لتشتيت النقاش العام وإضعاف النقاشات المتعلقة بالملفات الحساسة.

تعمل هذه الحملات وفق منطق بسيط، فكلما اقترب النقاش من ملفات حساسة كالجرائم الجسيمة، أو المسؤولية القانونية، أو العدالة الانتقالية يجرى دفع موضوع آخر إلى الواجهة. موضوع قابل للاشتعال السريع، والانقسام الحاد، والاستهلاك الإعلامي الكثيف. وهكذا، تتحول الساحة العامة إلى سلسلة من المعارك القصيرة، التي تُستهلك فيها الطاقة الجماعية دون أن تُنتج أثراً سياسياً حقيقياً.

دهاء السلطة

لا تحتاج السلطة عادة إلى الكذب المباشر، فهي أكثر دهاءً، إذ تمتلك أدوات أعمق، منها التحكم في الذاكرة الجمعية والتلاعب النفسي بالمجتمع، فتشكل ذاكرة مشوهة نصفها واقع ونصفها فراغ، فتُترك الحقائق حية، لكنها تُغرق في ضجيج القضايا الثانوية لتتلاشى تدريجيًا من وعي الجماعة، ذلك أنّ الذاكرة الجمعية التي يفترض أن تحفظ التاريخ وتربط الأجيال بالأحداث، تتحوّل إلى ساحة للتلاعب، والمجتمع يُعلَّم أن يتذكر، لكنه يُعلَّم أيضًا أن ينسى ما هو مزعج للسلطة،.

في التاريخ الليبي، يمكن ملاحظة هذا التلاعب بشكل واضح منذ الاحتلال الإيطالي، حيث حُجب جزء من ذاكرة مقاومة الليبيين فقد طُمست بطولاتهم لصالح سردية استعمارية، وتواصل ذلك إلى فترة القذافي، حين أصبحت الذاكرة الجماعية خاضعة للتوجيه السياسي، فتم التلاعب بتاريخ العائلة الملكية والاحتجاجات الشعبية والانتفاضات المحلية وقد تم توجيهها بطريقة تخدم الأيديولوجيا الرسمية للقذافي.

وتكررت اللعبة بصيغ جديدة بعد الثورة عام 2011، إذ تُرفع صور ضحايا القمع أو تُحجب، تُروى قصص الانتصار على الإرهاب بينما تُخفى الخيانات المحلية والانقسامات الداخلية، ليبقى المواطنون في حالة استهلاك متقطع للتاريخ، بلا قدرة على استخلاص الدروس أو النظر في قضاياهم الجوهرية.

إنّ التلاعب النفسي هنا ليس مجرد تحكم في المعلومات، بل حرب على وعي الجماعة حيث يُعاد إنتاج الشعور بالعجز الجماعي، ويُشكَّل الصمت كخيار نفسي مُكافَأ عليه، فالمواطنون يُعلَّمون أن إعادة النقاش حول العدالة  يَستنزف طاقتهم، و مساءلة السلطة تُفسَّر على أنها تهديد للسلم الاجتماعي، بينما الصمت يصبح مألوفًا ومريحًا، وهي لا تعدو أن تكون سوى أداة نفسية لضبط السلوك الجماعي، فالحقائق موجودة، لكنها غير قابلة للوصول، والذاكرة الجمعية صارت مرنة بما يكفي لحماية السلطة، وتغذية الطاعة اللاشعورية.

بهذا الشكل، تصبح السيطرة على المجتمع أكثر ديمومة، لأن التلاعب النفسي يستهدف الداخل الجماعي، ويحوّل الكبت والنسيان إلى آلية دفاعية طبيعية، بينما تتحوّل أي مطالب بالعدالة إلى همس يذوب في صخب القضايا الثانوية، وكأنّ التاريخ نفسه يعيد إنتاج الطاعة بلطف، دون الحاجة إلى أساليب قسرية واضحة.

وفي هذا المسرح العبثي، تضحك السلطة بلا صوت على لعبة الجماعة مع ذاتها، بينما التاريخ نفسه يُعاد إنتاجه كعرض مستمر منذ الأزل: “حتحات على ما فات”- هي عبارة تاريخية عميقة في الذاكرة الليبية ارتبطت بروح المصالحة والتجاوز بعد الاحتلال الإيطالي، لتكون مبدأ في بناء الدولة بعد سنوات من التمزق والصراع القبلي والمناطقي، ولعلها لم تؤسس للمساءلة والمحاسبة، فأصبح السلام الاجتماعي هو مجرد نسيان دون جبر للضرر والمحاسبة. وهكذا، وقف الشعب الليبي محاصرًا بين وهم الحرية ومرآة الذكريات المزيفة، وأصبح الصمت، في النهاية، ليس خيارًا فحسب، بل فنًا متقنًا من فنون البقاء على قيد الطاعة.