هل أصبحت مناشدة المسؤولين إجراءً قانونيًا للحصول على حقوقنا؟

Nouveau projet 10

هل أصبحت مناشدة المسؤولين إجراءً قانونيًا للحصول على حقوقنا؟

في السنوات الأخيرة لم يعد غريبًا أن نرى مواطنًا يرفع صوته عبر مواقع التواصل يناشد مسؤولًا أو يطلب تدخل جهة حكومية لإنصافه. قصص كثيرة تبدأ بمنشور على Facebook أو مقطع على TikTok، وتنتهي بحل سريع لمشكلة عالقة منذ أشهر أو سنوات. هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت المناشدة طريقًا قانونيًا بديلًا لنيل الحقوق، أم أنها مجرد انعكاس لخلل أعمق في المنظومة الإدارية؟

المواطن الذي يفترض أن يلجأ إلى مؤسسات الدولة لحماية حقه، يجد نفسه مضطرًا للحديث إلى الشاشة، لا إلى الجهة المختصة، وللرجاء بدل المطالبة، وللانتظار بدل الاحتكام إلى قواعد واضحة. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطور اجتماعي، بل يجب فهمه كتحول عميق في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، حيث لم يعد الحق يُنال عبر مساره القانوني، بل عبر قدرته على التحول إلى قضية عامة.

هل المناشدة بديل قانوني؟

رغم فعاليتها، لا يمكن اعتبار المناشدة إجراءً قانونيًا بالمعنى الدقيق. فهي لا تستند إلى نصوص قانونية واضحة، ولا تضمن حقوق جميع الأطراف بشكل متوازن. بل تعتمد في جوهرها على الضغط أكثر من اعتمادها على الإجراء.

ومع ذلك لا يمكن إنكار أنها أصبحت جزءًا من الواقع العملي، بل أحيانًا أكثر تأثيرًا من المسارات الرسمية نفسها. وهذا التناقض يطرح إشكالية خطيرة هل نعيش نظامًا مزدوجًا للعدالة؟ واحد رسمي بطيء، وآخر غير رسمي سريع لكنه غير منظم؟

في الأصل لا تقوم فكرة الدولة على الاستجابة الانتقائية، بل على مبدأ المشروعية الذي يفرض على الإدارة احترام القانون وضمان الحقوق دون تمييز. وقد أتاح القانون أدوات واضحة لتحقيق ذلك، من أبرزها التظلم الإداري الذي يُعد وسيلة قانونية لمراجعة القرارات الإدارية وتصحيحها، بل ويُفترض أن يكون الطريق الأسرع والأقل تكلفة لحل النزاعات وتحقيق العدالة. غير أن هذا المسار، رغم وضوحه نظريًا، يصطدم في الواقع بجملة من الاختلالات التي تُفرغه من مضمونه، حيث تكشف الدراسات عن غياب الشفافية في رد الإدارة، وتجاهل الشكاوى، بل وتمسكها أحيانًا بقراراتها رغم ثبوت خطئها. هنا يفقد القانون فاعليته، لا كنص، بل كأداة، ويتحول من وسيلة لضمان الحق إلى مسار شكلي لا ينتج أثرًا.

في هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ المناشدة كخيار اضطراري يفرضه انسداد القنوات الرسمية، وهنا يصبح من الضروري إعادة النظر في وصفه حريةً للتعبير، لأن التعبير في هذه الحالة لا ينبع من مساحة حرية بل من حالة تضييق؛ فالمواطن لا يخرج ليعبر لأنه يريد، بل لأنه لم يُسمع حين تحدّث داخل الإطار القانوني! وليتحول التعبير من حق طبيعي إلى رد فعل اضطراري ومن ممارسة حرة إلى وسيلة ضغط، وهذا ما يفسر انتقال المطالبة بالحقوق من المؤسسات إلى الفضاء العام ومن الإجراءات إلى المناشدات.

وقد بيّنت الدراسات الحقوقية أن الاحتجاج في صورته التقليدية، يمثل أحد أهم وسائل الضغط التي يلجأ إليها الأفراد عندما تعجز القنوات الرسمية عن الاستجابة، إذ يُعد التظاهر السلمي وسيلة للتأثير على السلطة وتحقيق المطالب، غير أن ما نشهده اليوم هو تحوّل هذا الاحتجاج من صورته الجماعية إلى صيغة فردية رقمية، حيث لم يعد المواطن يقف في الشارع بل يظهر في مقطع مصور، ولم تعد القضية تُطرح بوصفها شأنًا عامًا بل كقصة شخصية تبحث عن تعاطف. بهذا المعنى تصبح المناشدة شكلًا من أشكال الاحتجاج، لكنها احتجاج منزوع الطابع السياسي، ومحمّل بالبعد الإنساني وهو ما يجعلها أكثر تأثيرًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر خطورة.

و الخطورة لا تكمن في المناشدة ذاتها، بل في ما تؤسسه من منطق جديد للحقوق، حين يصبح الحصول على العلاج، أو معرفة مصير معتقل أو الوصول إلى فرصة عمل مرتبطًا بمدى انتشار القضية أو قدرتها على إثارة التعاطف، فإننا نكون أمام تحول من نظام قانوني إلى نظام استجابة، و هنا لا يعود الحق قائمًا بذاته بل يصبح معلقًا على مدى ظهوره، ولا يعود المواطن متساويًا مع غيره بل يتفاوت بحسب قدرته على الوصول إلى الجمهور. و في هذا السياق لا تختفي العدالة فقط بل يعاد تشكيلها بشكل انتقائي حيث يحصل البعض على حقوقهم لأنهم مرئيون، بينما يُترك الآخرون لأنهم خارج دائرة الضوء. فمن أبرز سلبيات المناشدة أنها قد تخلق نوعًا من العدالة الانتقائية، فليس كل المواطنين يملكون نفس القدرة على الوصول إلى الجمهور أو التأثير فيه، فمن يمتلك مهارات التواصل أو يحظى بانتشار أكبر قد يحصل على حقه أسرع من غيره.

في قلب هذا التحول يتغير موقع المسؤول ذاته، إذ لم يعد يُنظر إليه كجهة ملزمة قانونًا بأداء واجباتها، بل كفاعل يتدخل استجابة لنداء، وكأن تدخله ليس تنفيذًا لالتزام بل مبادرة تستحق الثناء. هنا يتحول المسؤول من طرف خاضع للمساءلة إلى منقذ، ويُعاد إنتاج العلاقة بينه وبين المواطن على أساس غير متكافئ، يقوم على الامتنان بدل المحاسبة. وهذا التحول يمثل انحراف جوهري عن فكرة الدولة الحديثة، لأن المسؤول الذي يتأخر في أداء واجبه حتى يتحول إلى بطل عند قيامه به لا يعالج المشكلة بل يساهم في تكريسها.

وإذا كان التظلم الإداري، في جوهره، يهدف إلى تمكين المواطن من استعادة حقه داخل إطار قانوني يضمن له الكرامة والوضوح، فإن تعطيله أو إفراغه من مضمونه يدفع المواطن إلى البحث عن بدائل خارج هذا الإطار، وهنا تصبح المناشدة ليست مجرد وسيلة، بل نتيجة مباشرة لفشل الوسيلة الأصلية، فالمواطن لا يختار أن يناشد لأنه يفضل ذلك بل لأنه فقد الثقة في أن حقه يمكن أن يُستعاد دون أن يرفعه إلى العلن.

و من هذا المنظور لا يمكن فهم ظاهرة المناشدات إلا باعتبارها مؤشرًا على خلل بنيوي لا مجرد سلوك اجتماعي، فهي تكشف عن فجوة بين النص والتطبيق، بين الحق كفكرة والحق كممارسة، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. وحين تتسع هذه الفجوة، لا ينهار القانون بوصفه نصًا، بل بوصفه أداة للعدالة.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن المواطن يناشد، بل في كونه مضطر لذلك. ولا تكمن الخطورة في أن المسؤول يستجيب، بل في أن استجابته لا تأتي إلا بعد المناشدة.. وبين هذا وذاك يتشكل واقع جديد، لا تُقاس فيه الحقوق بوجودها في النصوص، بل بقدرتها على الوصول إلى من يسمعها. وهنا لا يكون السؤال لماذا يرفع المواطن صوته، بل لماذا لم يعد صوته مسموعًا إلا حين يرفعه.