دروج Drooj

ملِكات بلا حُقوق

كلما وقعت حادثة تعنيف ضحيتها امرأة والجاني فيها رجل أو رجال من العائلة، تكون ردود الليبيين على الحدث واحدة تقريبًا: استهجان على استحياء واعتبارها مجرد حادثة فردية؛ والحوادث الفردية تقع في كل مكان في العالم ولا تمثل المجتمع.

نفس هذه الأصوات ترتفع منددة بأي اتفاقيات دولية تخص المرأة، لأننا هنا في ليبيا، ربي يبارك، لا تحتاج المرأة إلى أي حقوق ولا إلى أي حماية. فهي معززة مكرمة، لا ينقصها شيء. لدرجة أن بعض رجالها، الذين لا صوت لهم إلا حين يتعلق الأمر بالمرأة، ينددون بالمنظمات الأجنبية والمعاهدات الدولية التي تحاول، في رأيهم، إفساد المرأة الليبية وتوعيتها بحقوق لا حاجة لها بها في بلاد المليون حافظ للقرآن.

القانون في هذه البلاد وحده لا يمكن أن يحمي المرأة. فالقوانين يمكن تعطيلها في كثير من الحالات. قد يقتل أخ أخته العروس لأنها لم تعد له العشاء في الوقت المناسب، ثم يتنازل الأهل عن حقها، وعفا الله عما سلف، والقانون هنا يقف عاجزًا ولا ينصف المرأة. وقد تُحرم من حقها في الميراث، ولا يستطيع القانون فعل شيء لها، فالعرف دائمًا أقوى. وقد يمنعها أهلها من التعليم ومن العمل، وقد يقومون بتكبيلها بالسلاسل، ولا يستطيع القانون أن ينقذها. هنا تُترك المرأة بين يدي أهلها وزوجها وعائلتها كلها، وهي والزهر.

إن كان حظها جيدًا، يعطونها حقوقًا. يتركونها تدرس وتعمل وتقود السيارة، ولا يضربونها ولا يزوجونها غصبًا عنها. وطبعًا، مقابل هذا الحظ الجيد، عليها أن تمثلهم أحسن تمثيل، وأن تكون كما يريدونها أن تكون، وتعيش كما يريدونها أن تعيش. أما إن لم تكن من المحظوظات، فهي متروكة لرغبة أهلها ولتحكم زوجها. دراستها مرهونة بقناعاتهم حول أهمية دراسة المرأة، وعملها مقترن بموافقة أفراد العائلة، أو ذكورها على الأقل، وقس على ذلك بقية الحقوق. وبالطبع، ليست كل النساء من المحظوظات.

أتذكر صديقتي التي كانت تدعو الله أن يحجب عنها كل أصدقاء إخوتها، لأن إخوتها لا يمكن أن يرفضوا طلبًا لأصدقائهم وسيزوجونها غصبًا عنها، وهذا ما حدث، ولم تمتلك حق الرفض. أتذكر تلك الفتاة التي كانت تدرس معي في الثانوية، وكانت أمها أوروبية. خطفها والدها من والدتها وعاد بها إلى ليبيا كي تتربى وفق العادات والتقاليد. ثم فرض عليها الموافقة على خطبتها من رجل لا تعرفه وهي ما تزال في المرحلة الثانوية، ولم تستطع حتى التواصل معه لمعرفة من يكون. تزوجت بعد إتمام الثانوية مباشرة. كانت تحسدنا نحن المحظوظات على إمكانية دخول الجامعة. قابلتها بعد سنوات مطلقة بعدة أطفال. ممنوعة من إكمال دراستها ومن العمل، تدعو الله أن يرزقها زوجًا أفضل.

وأتذكر طبيبة الأطفال التي كانت تعالج ابني. انقطعت فترة عن العمل لأن أخاها الأصغر منها، والذي أصبح ولي أمرها بعد وفاة والدها، منعها من الذهاب إلى المستشفى ودمر سيارتها، لأنها، حسب رأيه، تبيت خارج البيت بحجة العمل الليلي في المستشفى. هي امرأة أربعينية لم تتزوج، ومع ذلك أصبح أخوها الأصغر صاحب القرار في حياتها. وكان يأخذ مصروفه منها، لكنه، كرجل ليبي دمه حامي، لا يمكن أن يرضى بهذا من أخته. هي أيضًا كانت تحسد من لا أخ لها يستطيع حرمانها من العمل.

أتذكرهن كلهن وأفكر بالنسوية والمنظمات الأجنبية والمعاهدات الدولية. فهي، كما يبدو، تريد حرمان الليبيات من جنتهم. أتذكر كل امرأة معنفة سمعت قصتها، وكل قصصهن تبدو للوهلة الأولى متشابهة. فيها أب يضرب، أو أخ يتحكم، أو زوج يعنف، أو قريب ذكر يمتلك سلطة كافية ليفرض إرادته على امرأة بالغة. ثم أتساءل بيني وبين نفسي كيف ستصبح الليبية نائبة أو وزيرة أو قاضية، بينما لا يحميها القانون من قبضة من يُفترض أن يكونوا أهلها؟

قد تترك الليبية بيت أهلها هربًا من شيء ما، وهي بالغة قانونيًا، لكنها اجتماعيًا قاصر. فيُبلّغ عنها كأنها مجرمة، وقد تُعاد إلى أهلها حتى لو كان هروبها نتيجة عنف أو تحرش. ولا يمكن أن تتدخل الدولة بينها وبين أهلها، فهذا شأن عائلي. ولو ضاعت حياتها، لا يبدو الأمر مهمًا كفايةً ليتحول إلى قضية رأي عام. ولو قُتلت، يصبح السؤال عن “حالة الغضب” التي كان الرجل القاتل فيها لحظة قتلها، فتصبح حادثة فردية مثل بقية الحوادث.

المهم هو ألا نزعج الأسرة، وألا نسحب منها سلطتها على الإناث.

ولو عُنّفت المرأة، علينا أن نسأل: ماذا فعلت؟

ولو حُرمت من الميراث، نحتسب لها الأجر، فالعائلة أهم من المال.

ولو مُنعت من العمل، فما الذي ينقصها ما دامت تأكل وتشرب؟

ولو ضُربت، نبحث عن السبب، فلا بد أنها أخطأت في شيء ما.

ولو قُتلت، نبحث عن الظروف التي دفعت الرجل إلى قتلها، ونشكك في أخلاقها وسلوكها.

وكيف يفتخر المجتمع الليبي بخصوصيته الثقافية لو استطاعت النسوية والمنظمات الأجنبية والمعاهدات الدولية حرمانه من حقه في السيطرة على المرأة؟ ماذا سيحدث للرجل الليبي إذا أصبح هناك قانون يمنعه من حبس أخته أو ضربها؟ ماذا سيبقى له إذا لم يعد يستطيع تعنيف زوجته، أو التحكم في مصير ابنته، أو منع أخته من العمل، أو قتلها حتى في لحظة غضب؟ ماذا سيحدث للعائلة الليبية لو كان للمرأة المعنفة ملجأ تستطيع الذهاب إليه وتوفرت لها حماية من الدولة ولم تُترك تحت رحمة الأسرة؟ كيف سنجبر المرأة على البقاء مع زوجها إذا أصبح بإمكانها أن تخرج من البيت حين تتعرض للعنف؟ كيف سنضمن استمرار الزواج إذا لم يكن الطلاق هو آخر الحلول وأكثرها كلفة، وإذا لم تكن المرأة مطالبة بإثبات أن الضرب ترك أثرًا، وأن التعنيف حدث أمام شهود، وأنها صبرت بما يكفي؟ وإذا لم يكن الصبر هو الحل الوحيد أمام المرأة، فكيف سنضمن استمرار العائلة الليبية؟ وبماذا سيفتخر الليبي أمام الدول المجاورة لو فقد قدرته على تعنيف نسائه ودفنهن وحرمانهن من الحياة؟ وما الذي سيبقى للرجل الذي لا يستطيع أن يفرض إرادته على دولته، ولا على واقعه، ولا على مستقبله، إذا سُلب منه أيضًا حقه في فرضها على امرأة أضعف منه؟

ربما لهذا تبدو حرية المرأة عند البعض تهديدًا للهوية.

لا لأنها ستفسد المرأة، بل لأنها ستسحب من الرجل واحدة من آخر المساحات التي اعتاد أن يمارس فيها سلطته بلا مقاومة. ولذا يخشى الليبيون النسوية والمنظمات الأجنبية والمعاهدات الدولية، لأنها تريد أن تجعل المرأة الليبية إنسانة كاملة، وليس مشروعًا عائليًا يتداوله الرجال.

فكيف سيكون شكل المجتمع لو فعلت المرأة ما تريد؟ لو تزوجت من تريد؟ وتعلمت ما تحب؟ وعملت في المجال الذي ترغب؟ وتطلقت من الرجل الذي لا يناسبها؟ وكان لها ملجأ عندما تصبح العائلة نقمة؟ لذا، وحفاظًا على هذه الخصوصية الثقافية العظيمة، يجب أن تدفع المرأة الثمن، ويجب أن نغض البصر عن الحوادث الفردية، وندعو الله كنساء ليبيات أن يكون حظنا جيدًا. أي أن نولد في عائلات لا تكرهنا، وتسمح لنا بالدراسة والعمل وقيادة السيارة، ولا تزوجنا قاصرات ولا تعنفنا.

Share This Article

منشورات ذات صلة

كلما وقعت حادثة تعنيف ضحيتها امرأة والجاني فيها رجل أو رجال من العائلة، تكون ردود الليبيين على الحدث…

كان فيسبوك في أوائل ظهوره بدائيًا جدًا، ولأنه كان ثقافة جديدة على كل من استعمله، تباينت طرق تعامل…

صديقُنا فرج مواطن صالح، متزوج وله أربعة أطفال، يقضي نصف يومه في العمل، والنصف الآخر على فيسبوك، ثم…

تنتزع مشاهد العبث اليومية ما تبقى من قدرتنا على التحمل. في هذا البلد، كل شيء يمهّد لسطوة حزن…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.