دروج Drooj

حميدة بلقاسم: هل سيكون “الدلّاع” أطيب هذا الصيف؟

صرنا لا نعلم، على وجه التأكيد، من نحن. نتناقش كثيرًا حول مشروعية الأسماء، ومن الأعرق، ومن أصحاب الأرض الحقيقيون، في إلهاء إجباري عن مواضع الألم المزمن. هكذا غدت المعاناة أزلية في ليبيا؛ نغيّر أسماء الساحات والشوارع، ونستبدل الرموز برموز أخرى، فيما تبقى المدن على حالها، تحت الشمس نفسها، والحمام نفسه، والرماد نفسه.

هل كانت الساحة الخضراء، أو ميدان الشهداء، تشتاق فعلًا إلى الحمام كي يحوّل أرضيتها إلى لون رمادي باهت؟ وهل أضفى تغيير بعض الرمزيات وأسماء الشوارع رونقًا ومجدًا لا تحرقه الشمس على طرابلس؟ هل صارت المدينة أكثر تألقًا وسكينة؟ بدلالة أكثر دقة: هل نحن أكثر رخاءً؟ هل صحافتنا أكثر حرية؟

تبدو الصحافة الليبية، مثل البلاد نفسها، رهينة الجغرافيا وتعدّد الخصوم. يتسنى لمن يقيم في غرب البلاد أن ينتقد حكام الشرق، وينسحب المنطق ذاته على من يقيم في الشرق. أما المسافة الآمنة، حيث يمكن للصحافة أن تقف في وجه الجميع، فتظل ضيقة ومكلفة، وربما مستحيلة في أحيان كثيرة.

حلّت ليبيا في المرتبة 138 عالميًا، والتاسعة عربيًا، ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026. رقم قد يبدو، للوهلة الأولى، أقل فداحة مما نتخيل، لكنه لا يقول كل شيء عن صحافة تتنفس بحذر بين الخوف والمال والسلاح والجغرافيا. لا يكفي أن يرتفع بلد بضع درجات على سلّم التصنيفات كي يولد فيه شعب جديد يرى في السلطة الرابعة ملاذًا وطوق نجاة.

ظل الليبيون، على مدى عقود، ينددون بتحريم النظام السابق للعمل السياسي، وبمنع تشكيل الأحزاب والانخراط فيها. وحين سقط ذلك التحريم، لم تولد حياة سياسية طبيعية كما تخيّل كثيرون، بل وُلدت في ظل سلاح منفلت، ومؤسسات هشة، واقتصاد مرتبك، وخوف قديم لم يغادر الأجساد. تراجعت الجماهير عن مطالبها الكبرى، لا لأنها اكتشفت عبث الحرية، بل لأن الخبز والأمان صارا أسرع إلحاحًا من الشعارات.

يحلّ الأول من مايو من كل عام عيدًا للطبقات المسحوقة، عيدًا للعمال. وهو عطلة رسمية في ليبيا، كما في دول كثيرة، تكريمًا وإحياءً لمن طالبوا بالحقوق. في بلدان أخرى تتكاثف جهود النقابات، وتتحول الشوارع إلى ساحات غضب. على المقلب الآخر، لا تخرج الحشود في المدن الليبية الكبرى منشدة الهتافات أو مرددة شعارات الأسلاف من العمال. ربما لأن أغلبها منخرط في منظومة “راتبك لحظي”، أو لأن الغضب، مثل كل شيء آخر، صار يحتاج إلى إذن ومصدر تمويل ووجهة آمنة.

قزون؛ مفردة ليبية عبقرية تصف معاناة من فقد أمه، وتميزه، بصرامة وحنو، عن يتيم الأب. تغرق هذه الكلمة في الحزن على نحو سرمدي، كما هي الصحافة الليبية. فهي ربيبة تتقاذفها سهام التقويض، تنام بلا عشاء، ويدّعي الجميع أنهم أرحامها.

لا تخشى السلطة، أينما كانت، شرقًا أو غربًا، الصحافة كما ينبغي. فهي إما تملّكت زمام مبادرتها، أو حيّدتها بالعنف حينًا وبالمال حينًا آخر. ما رسّخ لدى الصحافة سمة الخجل والعزلة، وأفقدها بوصلة الشجاعة. لم تمارس النقد الحقيقي كما يجب، ولم تستطع أن تقود المواطنين إلى برّ الأمان. ظل العمل الصحفي والنخبوي، في أحيان كثيرة، انتحارًا رمزيًا وتضحية يرتقي فاعلها إلى مرتبة القديس أو الشهيد.

كانت الحرب التي خاضتها الجبهة الشرقية ضد نظيرتها الغربية، في عام 2019، نقطة فارقة في مسار الاستقطاب. تسلحت الأطراف بما استطاعت من مرتزقة وبيرقدار، ولم يغفل الطرفان محور الإعلام. كان لكل طرف أبطاله، وإنتاجاته الضخمة، وأغانيه الحماسية، وشعراؤه الذين رأوا في البريوش والزبادي وسيلة لتحفيز الجماهير وتعميق عقيدتها نحو النصر.

وبالعودة إلى عام الدلاع ذي البنّة الأحلى، أي عام 2011، كانت الصحافة “قميص عثمان”. حينها حوّلت قنوات إعلامية عربية وأجنبية المواطن الليبي، دون سابق إنذار، إلى صحفي مُغيّب، عبر تعزيز ثقة ذاك المواطن المخدّر بنفسه، ليصبح مراسلًا فذًا. تكدست الصحف، وتكلم الجميع بلهفة الأصم الذي صاغ الجمل للمرة الأولى، ثم اختنق مجددًا بفعل سطوة منظور مبني على قواعد محاكم التفتيش. إما حق مطلق أو باطل شيطاني. وبين الحدين، تلاشت محاولات كثيرة كانت ترمي إلى تشكيل كيان صحفي مستقل وفاعل.

اعتاد الليبيون تصنيف الصحافة على أنها مسألة جانبية. لا تحتاج كلية الإعلام، مثلًا، إلى معدل عالٍ لدخول عالم مهنة المتاعب. ربما بتأثير عقدة الخواجة، أو بفعل استخفاف قديم بالكلمة ما لم تصدر من شاشة كبيرة أو منصة أجنبية أو حساب يملك آلاف المتابعين. في المقابل، تتورط فئة لا بأس بها من المؤثرين في نقل الأخبار وتوجيه الرأي العام، حتى صارت الصفحات التي تعتمد التضليل مصدرًا للمعلومات، وخيارًا شبه وحيد لدى مواطنين كثيرين لتلقي الأفكار وتشكيل المبادئ والتوجهات العامة. بل تتمادى هذه الصفحات أحيانًا إلى التحريض ونشر خطاب الكراهية وتفكيك النسيج الاجتماعي.

لذلك يأتي الثالث من مايو تذكيرًا سنويًا بالحق والنور الذي تصنعه الكلمة في وجه العتمة، وبالجنود العُزّل الذين يكتبون ويصوّرون ويسألون، بينما تتكاثر حولهم البنادق والولاءات والاتهامات الجاهزة. إلى أن تنضج الجماهير بما يكفي لتقف خلف من يحاولون قول الحقيقة، لا فوق جثثهم فقط، ولا بعد فوات الأوان.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

صرنا لا نعلم، على وجه التأكيد، من نحن. نتناقش كثيرًا حول مشروعية الأسماء، ومن الأعرق، ومن أصحاب الأرض…

"محمد"، شاب ليبي من مواليد 2006، قد لا يكون سمع بمصطلح "السُّخرة"، وقد لا يكون مهتمًا بمعرفة ما…

في ظل تداول نتائج تحليل مقلقة لمصدر مياه جوفية، أظهرت وجودًا مرتفعًا لبكتيريا القولون، نعيد فتح التساؤلات حول…

ما إن تصل الواحدة منّا إلى سن البلوغ، حتى تبدأ قائمة اللاممكن في الانكشاف أمامها؛ قائمة بما لا…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.