“دون عقود عمل ودون حماية.. شباب بأجر يومي لا يكفي لوجبة طعام واحدة“
في عصور السُّخرة، كان العامل “المسترق”، الذي يُستحلب عرقه ودمه حتى آخر قطرة في المزارع والمناجم والمحاجر، يحصل على الطعام يوميًا كي لا ينهار جسده ويهلك، فيفقد رب العمل جزءًا من قوته العاملة. المعادلة ليست إنسانية، لكنها معادلة استغلال لا إنساني، أباحتها قيم ومفاهيم كانت سائدة عبر القرون الغابرة، وظل هذا النمط من النشاط الاقتصادي جزءًا أساسيًا من التاريخ العام أحقابًا طويلة.
ومع قيام الثورات والحركات الإصلاحية، بالتزامن مع تطور الفكر السياسي والاقتصادي والحقوقي، ظهرت الدساتير والقوانين التي هذّبت من وحشية علاقات الإنتاج وظلمها، وحدّت من شراهة أرباب العمل في استغلال العمال.
“محمد”، شاب ليبي من مواليد 2006، قد لا يكون سمع بمصطلح “السُّخرة”، وقد لا يكون مهتمًا بمعرفة ما يعنيه المصطلح، لكنه في الواقع يعيش كعامل باليومية تحت شرط قريب منه، بل تحت شرط أكثر قسوة في بعض تفاصيله.
فمن دون عقد مسجل لدى مكتب العمل في بلديته، وبدوام يبدأ من الصباح ويمتد غالبًا إلى ساعات الليل، لا يتقاضى محمد سوى 15 دينارًا كأجر يومي، نظير العمل في أكبر معمل حلويات في منطقته الواقعة بأحد أحياء سوق الجمعة. وهو مبلغ لا يكفي لشراء وجبة طعام واحدة وفق الأسعار الحالية، فما بالك بحياة كاملة من مواصلات وطعام وتعليم ومصاريف يومية.
محمد وبهاء الدين
سوق العمل في القطاع الخاص، خصوصًا في ظل الانقسام السياسي والعجز المؤسساتي الذي يشل حركة الأجهزة الرقابية والضبطية، متروك إلى حد بعيد لضمائر أرباب العمل. فحتى مع وجود القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل ولائحته التنفيذية، وما يتضمنه من تأكيد على حقوق العاملين، فإن القانون لا يحدد داخل نصه قيمة نقدية مباشرة للحد الأدنى للأجور، بل يكتفي بالإشارة إلى ضرورة وجود حد أدنى لمقابل العمل كأحد الحقوق التي يجب ضمانها للعاملين، من دون وضع معايير صارمة أو قيم نقدية بعينها، ما يمنح صاحب العمل مساحة واسعة لتقدير الأجر وفق مصلحته ومزاجه الخاص.
والغريب أكثر من ذلك أن محمد وصديقه بهاء الدين، الموظف في أحد المراكز التجارية بمنطقة أبوسليم، والذي يتقاضى 20 دينارًا في اليوم، كلاهما يقضيان في العمل أكثر من عشر ساعات يوميًا، بينما ينص القانون المذكور على أن الحد الأقصى لساعات العمل يجب ألا يتجاوز ثماني ساعات. زد على ذلك أن محمد وبهاء الدين، وآلاف الشبان من أمثالهما، محرومون من الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، ولا يتمتعون بأي نوع من أنواع الحماية في بيئة خطرة ينتشر فيها السلاح والجماعات الإجرامية.
الشاب محمد، الذي بالكاد أكمل عامه العشرين، مسجل كطالب في معهد خاص، ويكتفي بإجراء الامتحانات الفصلية فيه لأنه لا يملك الوقت للانتظام في حضور محاضراته. بينما اضطر بهاء الدين إلى إيقاف قيده في كلية القانون بجامعة طرابلس، والتسجيل في جامعة خاصة ليستطيع الموازنة بين العمل ومتابعة تعليمه.
فنان راب على هامش السوق
سلطان، وهو الاسم المستعار لمغني راب معروف نسبيًا، لا يريد الإفصاح عن اسمه الحقيقي، ويقيم بمنطقة السراج غرب العاصمة طرابلس. يعيش ظروفًا مماثلة للشبان الآخرين، مع أنه أكبر سنًا، وقد اضطر للعمل في مدرسة خاصة كمشرف ساحة، لتغطية مصاريفه الشخصية وإنتاج أغانيه الغاضبة التي يتابعها قرابة 200 ألف عبر قناته على يوتيوب.
ولأن أجره اليومي لا يتجاوز 20 دينارًا، فهو يمارس نشاطات تجارية هامشية، مثل بيع العصائر الطازجة في شهر رمضان، أو بيع الملابس في مواسم الأعياد. لجأ سلطان إلى هذا الخيار الصعب بعد أن أصابه اليأس من إيجاد شركة إنتاج تتبنى موهبته، وبعد أن فشل كذلك في الحصول على تعيين في إحدى مؤسسات الدولة، ومن ثم الالتحاق بالجهاز الإداري الحكومي الذي يقترب عدد موظفيه، وفق تقديرات متداولة وتصريحات لمسؤولين في القطاع المالي، من 2.6 مليون موظف، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى رقم أعلى.
يعتقد سلطان أن الشروط القاسية لسوق العمل في القطاع الخاص، واقتصار فرصة الحصول على وظيفة في مؤسسات الدولة على أصحاب الواسطة والمحسوبية، يدفعان الشباب بشكل ممنهج إلى الارتماء في أحضان مئات التشكيلات المسلحة، التي لا يحتاج الانضمام إليها إلى واسطة قوية، إضافة إلى أنها توفر رواتب جيدة نسبيًا، ولا تضطر منتسبيها إلى الانتظار أشهرًا طويلة للحصول على الإفراج المالي.
تأثيرات نفسية واجتماعية محبطة
في تعليقها على هذه الظاهرة، تقول زينب الزائدي، الحائزة على دكتوراه في علم النفس، إن هذا الواقع الذي تعيشه شريحة واسعة من الشباب لا ينعكس فقط على وضعهم الاقتصادي، بل يمتد إلى صحتهم النفسية والاجتماعية. فالإرهاق المستمر بسبب ساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان الوظيفي، والشعور بعدم التقدير، كلها عوامل تضعف الحافز وتؤثر في الاستقرار النفسي، وقد تدفع البعض إلى فقدان الأمل في قيمة العمل الشريف.
لكن هذا الرأي النفسي الموضوعي، وغيره من الآراء حول الظاهرة، لا تحفل به الدولة المترنحة ومؤسساتها المشلولة. فرغم وجود قانون عمل ما زال ساري الأثر، إلا أن القصور الأكبر يتمثل في ضعف التطبيق والرقابة، وغياب التفتيش الفعلي، والتهاون في تنفيذ العقوبات. كل ذلك يسمح باستمرار هذه الممارسات، ويطرح استفهامًا جوهريًا حول الجدوى من وجود قوانين لا يحفل بتطبيقها أحد، ولا تتحول إلى منظومة حماية فعلية للعمال.
في النهاية، تكشف هذه الحالات جانبًا من هشاشة سوق العمل في ليبيا، حيث يقف الشباب بين قطاع خاص لا يوفر الحد الأدنى من الأجر والحماية، وقطاع عام لا يمكن دخوله غالبًا إلا عبر الواسطة والمحسوبية، وتشكيلات مسلحة تتحول، في هذا الفراغ، إلى خيار اقتصادي مغرٍ لمن ضاقت بهم السبل.
إن معالجة هذه الإخلالات بالحقوق لا تتطلب فقط سن قوانين جديدة، بل تفعيل الرقابة الصارمة، وإلزام أصحاب العمل بعقود رسمية، وتحديد حد أدنى عادل للأجور، وربط العمل بالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي. كما أن إنشاء مكاتب وقنوات لاستقبال الشكاوى والتظلمات، والتعامل معها بشكل سريع، يمكن أن يعد خطوة مهمة نحو حماية الشباب العامل من الاستغلال.