ما إن تصل الواحدة منّا إلى سن البلوغ، حتى تبدأ قائمة اللاممكن في الانكشاف أمامها؛ قائمة بما لا يجوز لها أن تعيشه أو تمارسه كأنثى. وخلال حياتها، تظل في حالة اكتشاف متواصل لهذه القائمة من الممنوعات واللاممكنات.
تبدأ القائمة عادة بالمنع من اللعب في الشارع، وهو ما كان يشكّل جزءًا من حرية اللهو بالحياة. لكن المنع يصبح مربكًا عندما تراه الواحدة منّا يطالها وحدها، بينما لا يصل إلى الذكور الذين كانت تلعب معهم. ومع الوقت، وأحيانًا بشكل صادم، تفهم أن ما مُنح لها مختلف جدًا عمّا مُنح لهم، وأن قائمة اللاممكن تكاد تبدو حكرًا على الأنثى.
هناك احتمالان لردة الفعل. الأول القبول والخنوع، والنظر إلى ما حُرمنا منه على أنه امتياز اجتماعي يُكافأ عليه بالقبول، ويعزز فرص الواحدة منّا في أن تكون “زوجة مثالية”، الثاني هو ما سلكته أنا وكثير من الإناث في محيطي، أي عدم الخضوع، بل مناهضة هذه الأفكار والممنوعات، والخروج عليها كلما استطعنا.
على الصعيد الشخصي، أثّرت الحرب وجغرافيا المكان على اختياراتي الحياتية، لكنها لم تصنع المفارقة وحدها. فقد رأيتُ في اللاممكن ممكنًا مؤجلًا، ومع الكثير من الإلحاح والاجتهاد حققتُ بعض غاياتي. كان السفر، في ظل دولة تعاني حروبًا أهلية متقطعة على مدى سنوات طويلة، مرهقًا إلى حد بعيد. أذكر أنني قضيتُ ليلة كاملة عالقة أنا وأخي في مطار مصراتة، وعند عودتنا، وبعد مغادرتنا المطار مباشرة، استهدف طيران حفتر المطار؛ كان ذلك عام 2019. وفي سفرات أخرى، ومع تأخر الرحلات أو إلغائها، لا سيما إبّان حرب طرابلس، كنتُ أجد نفسي مضطرة إلى تدبر أمري في بلد غريب، في مرحلة عمرية انتقالية، أحاول فيها جهدًا أن أتمسك بقراراتي وألا أندم عليها، بل وأن أدافع عنها كلما حاول الآخرون لومي. سمعتُ ذلك اللوم كثيرًا في تلك السنوات، لكن ما إن بدأ الدولار يدخل من حساب خارجي، وعُرضت عليّ فرصة عمل في الداخل، حتى بدأت النظرة تتغير شيئًا فشيئًا. إلا أن الوصول إلى تلك المرحلة استدعى منّي ومن عائلتي ألا ننصاع لضغط المجتمع، إلى أن بلغنا مرحلة صاروا فيها يفخرون بي ويفرحون بما أنجزت.
ما يصنع الفارق في رحلة تحويل اللاممكن إلى ممكن هو شبكة العلاقات التي تبنيها المرأة حولها، سواء مع من يعيشون معها أو من يفتحون لها فرصًا للحياة داخل البلاد أو خارجها. الاستثمار في هذه العلاقات وتوسيعها يزيل كثيرًا من المطبات من الطريق، كما أن شبكة العلاقات القريبة تعمل كرافد داخل المجتمع، وتشعرك بالأمان كلما استوحشتِ الطريق.
قد يوصم المجتمع الفتيات الخارجات عن المألوف وغير الخاضعات للوائح اللاممكن، ويضعهن في قوالب جاهزة. أذكر أنني، في البداية، ومع صغر السن وضعف التجربة، كنتُ أشعر بأن اختلافي يسبب لي مشكلات لفترة معينة. وستواجه كثيرات أسئلة وجودية من الوالدين، والإخوة، ومن العائلة الأكبر أيضًا. وحتى إن لم يواجهوك مباشرة، فهم يعرفون طريقهم إلى زعزعة تلك الثقة. لذلك يبدو التحدي كبيرًا جدًا. أن تسمعي صوتك الداخلي، وأن تري ما لم يستطيعوا هم رؤيته.
خلال السنوات الماضية، عملنا، أنا ومجموعة من الصديقات، على توسيع دوائر الممكن، ومحاولة إدخال أكبر عدد من الأفراد إليها، عبر العمل المدني ومؤسسات المجتمع المدني، التي كانت فاعلة بشكل كبير قبل أربع سنوات. وفي كل مرة كنا نواجه تحديات عديدة، أبرزها ازدياد تغلغل التيار السلفي في المجتمع، أو بالأحرى في الإدارات الحكومية، حيث تُعرقل أحيانًا بعض الإجراءات بناءً على نوع المشروع الذي تعمل عليه المؤسسة. ومن النقاط الفارقة أيضًا لدى هذا التيار رفضه تصميم برامج وفعاليات مختلطة تجمع الذكور والإناث، لأن الاختلاط أمر مرفوض ينبغي تجنبه، وهو ما تحاول مؤسسات المجتمع المدني في أنحاء البلاد مقاومته. وإلى جانب ذلك، يحضر عنصر آخر لا يقل دلالة، هو وجود شرطي من الأمن الداخلي في كثير من البرامج، يراقب بصمت من بعيد، ويحرص على ألا يجري تجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة، ولا سيما تلك التي تمس القضايا السياسية.
وكانت المفارقة الصادمة، إلى حد ما، أنه حين استطاع ذلك التيار المتشدد تثبيط عملنا المدني، وجدنا المجتمع مفتقدًا لنا، وللعمل الذي كنا نقدمه. أن يكون لنا، نحن الفتيات المتمردات والفاعلات في المجتمع، هذا الأثر الكبير، كان أمرًا لم نكن نشكك فيه تمامًا، لكننا كنا دائمًا نتساءل عن جدوى الاستمرار في بيئة غير داعمة، وسط كل العراقيل التي يزرعونها، وحتى من أشخاص تظنين أنهم سيمدّون لك يد العون. التغيير الذي نريده ممكن أيضًا، لكنه يحتاج إلى كثير من الصبر والعمل.
وما يقع أيضًا ضمن قائمة اللاممكن مسألة العمل في مناطق أخرى، أو حتى في دول أخرى. فما يزال الليبي أسير عقدة الخوف والحماية المفرطة للأنثى. وبحكم أن دراستي للقانون فرضت عليّ دراسة مقررات شرعية، فقد درستُ أصول الفقه وتعمقتُ في دراسة المذاهب الأربعة، وأذكر أنني ارتحت كثيرًا عندما وجدت توافقًا بينها جميعًا على حرية المرأة في السفر لطلب العلم أو العمل. وأذكر أيضًا أنني، في نقاش ساخن مع أمي، حاولتُ إقناعها بأنني لا أخالف دينًا ولا تشريعًا، إلا أنها كانت خائفة من المجتمع، ومن حكمه على ابنتها الراغبة في العمل خارج مدينتها، ولوحدها.
وللأسف، لم تحقق واحدة من صديقاتي هذه الأمنية، أي أن تعمل العمل الذي تريده، على الرغم من توافر الفرص وجاهزيتهن العلمية لها. لكن مسألة عمل الأنثى واستقلالها بشكل تام ما تزال صعبة على المجتمع الليبي، الذي لا يزال يرى المرأة ضمن حدود وأطر ضيقة جدًا.
وتطول قائمة اللاممكن وتقصر بحسب الأحوال والظروف، ويلعب الوضع الأمني دورًا بارزًا في إحالة بعض الممكن إلى خانة اللاممكن. فهو يقيد حرية الفتاة في المدن الكبيرة، وخصوصًا في العاصمة، حيث يصبح الخروج من المنزل ليلًا صعبًا وغير متاح إلا في حالات نادرة ومحددة، كأن تكون برفقة عائلتها لا بمفردها. وحتى اللواتي يقدن السيارة، ويعشن نوعًا من الاستقلال في أعمالهن، يبقى هذا التقييد حاضرًا بسبب الوضع الأمني غير المستقر، والخوف من عمليات السطو التي ما تزال تعاني منها العاصمة. أذكر أنني أُصبت بالذهول عندما علمت بالأمر للمرة الأولى من صديقتي، التي تنتمي إلى عائلة متعلمة ومثقفة. لذلك، فإن هذا التقييد لا يصدر دائمًا عن تحفظ اجتماعي فقط، بل يرتبط أيضًا بغياب الأمن والاستقرار، وهو ما يؤثر علينا نحن الإناث بشكل بالغ.
وخلال تلك السنوات من محاولات الخروج عن النص، لا رغبة في الخروج في حد ذاته، بل دفاعًا عن حق أصيل في خوض الحياة بعيدًا عن أحكام المجتمع، كان أكثر ما يثير استغرابي، حين أتحدث مع فتيات اللاممكن إن صحّ هذا التعبير، أنني كنت أجد كثيرات منهن معجبات بكل ما هو غير متاح لهن. وحين أخبرهن بأن في الإمكان تحقيق ما يرغبن فيه، وأن تخرج الواحدة منهن عن السردية التي وُلدت معها، تستعيذ من الشيطان، وتقول بوعي كامل أن تلك الأشياء “متاحة وممكنة لكِ، لكنها ليست لي”. كأنها كثيرة عليها. وهنا نعود إلى التنشئة التي ترعرعت عليها، إلى أن تكون خياراتها ليست بيدها، وأن تظل مستندة إلى أهلها في كل شيء، ثم تسلّم مسؤوليتها مستقبلًا إلى الزوج. وهكذا تستمر السردية التقليدية في التناقل من جيل إلى آخر.
وحين تأتي واحدة منّا وتحاول كسر هذه الدائرة، فقد تنجح في إعادة كتابة نصها، لكنها لن تستطيع إعادة كتابة نصوص الأخريات، ولا تغيير السردية كاملة بمفردها، لأن ذلك يتطلب عملًا نسويًا جماعيًا، وهو ما يقوّضه المجتمع ويتحامل عليه عبر مؤسساته الحكومية والمجتمعية. لذلك، لا تنتصر الواحدة منّا إلا لسرديتها أولًا، وتحاول أن تخرج من قوائم اللاممكن التي ما تزال عالقة بها، واحدة تلو الأخرى.