دروج Drooj

الرواية ذاكرة تحفظ ما لا يكتبه التاريخ

حوار مع عبد الحفيظ العابد

أجْرته: عزيزة حسين

عبد الحفيظ العابد شاعر وروائي وناقد وأكاديمي ليبي، بدأ تجربته الأدبية بالشعر قبل أن ينتقل إلى الرواية، من دون أن يغادر الشعر تمامًا. أصدر روايتي “ماءان” و”إسليمة”، ووصلت “إسليمة” إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها العاشرة عام 2024، كما وصلت روايته “يوميات جحش عطية” إلى القائمة الطويلة لجائزة الإبداع الروائي العربي، ما عزز حضور تجربته في المشهد الروائي العربي.

ينشغل العابد في تجربته السردية بعلاقة الإنسان بالمكان، وبأثر أمكنة الطفولة في بناء العالم الروائي، كما يستعيد الموروث الشعبي واللهجات والعادات والطقوس باعتبارها جزءًا من الذاكرة التي تحفظ الرواية ما يغفله التاريخ. في هذا الحوار، يتحدث عن خضوع الماضي لشروط الذاكرة واللحظة الراهنة، وعن أثر السياسة في مصائر الشخصيات غير المسيّسة، ومخاطرة كتابة هواجس المرأة من منظور الرجل، فضلًا عن انتقاله من الشعر إلى الرواية، وحضور الشاعر والناقد في تجربته السردية.

كيف تنظر إلى العلاقة بين المكان والإنسان في الرواية؟ وما الأثر الذي تتركه أمكنة الطفولة في بناء العالم الروائي؟

من المعروف أن المكان يكتسب قيمته من خلال علاقته بساكنيه؛ فالمكان الجغرافي يظل محايدًا إلى أن يسكنه الإنسان، فيتخلى عن حياده ويصير منحازًا، يقف مع الإنسان أو ضده. وينطبق ذلك على فكرة الوطن نفسه؛ فهو مكان مسيّس، وخاضع لشروط الجغرافيا التي لا تحيل على الأرض فقط، وإنما تستدعي أبعادًا سياسية واجتماعية وثقافية أسهمت في تشكّل الهويات الوطنية الحديثة. فالمكان المسكون مكان ثقافي يسهم في بنائه الأرض والإنسان معًا، وهذا ما يمكن قوله عن المكان الروائي الذي لا يمكن النظر إليه باعتباره فضاءً جغرافيًا محايدًا تتحرك فيه الشخصيات، وإنما يتدخل في تشكيل هويتها، وقد يتحول هو نفسه إلى الشخصية الأبرز في الرواية. ويشكّل المكان، بكل أبعاده، علاقة جدلية مع الإنسان، إذ يتبادلان التأثير والتأثر. وصرنا نعرف مع غاستون باشلار أن المكان، وبالتحديد بيت الطفولة، مسؤول عن بناء مخيلة الإنسان، وأن مسقط الرأس مادة لما يُعرف لديه بالخيال المادي. لهذا يظل المكان جزءًا أساسيًا من عملية التخييل التي تقتضيها الكتابة الإبداعية، ولا يغادر الإنسان بسهولة حتى حين يبتعد عنه.

تستعيد في كتابتك اللهجات والعادات والطقوس والموروث الشعبي. هل تكتب هذه التفاصيل لاستعادة الماضي، أم لأن ما لا يُكتب قد يختفي من الواقع والذاكرة؟ وما الذي تستطيع الرواية حفظه ولا يستطيع التاريخ حفظه؟

لعل ما يميز الرواية عن التاريخ قدرتها على تمثيل اليومي والعادات والطقوس واللهجات. إنها كتابة الهامش الذي لا يلتفت إليه المؤرخون، فهي، إلى جانب كونها نصًا جماليًا، وثيقة محلية وإنسانية تضع الإنسان في متن كتابتها، وتتخذ منه ثيمتها الأعظم، وأقصد هنا الإنسان في بعده المحلي. ففي هذه المساحة، يقترب الروائي من عمل الأنثروبولوجي من دون أن يتخلى عن وظيفته الجمالية. فالرواية تحفظ ذاكرة الشعوب، وتصبح، على نحو ما، وثيقة محلية ولهجية وطقوسية، ثم إنسانية بالنظر إلى العذابات الإنسانية المشتركة. ولكن لا يمكن استعادة الماضي كما كان، حتى في كتابة السيرة الذاتية، لأنه يخضع للحذف والنسيان والتجاوز، ولأننا نكتبه من لحظة راهنة. نحن لا نكتب الماضي نفسه، وإنما نكتب وعينا به، بعد إخضاعه للنقد وإعادة التقييم والمساءلة. فالكاتب، كما يقال، لا يكتب من ذاكرة بيضاء أو فارغة، لكن هذه الذاكرة ليست ثابتة؛ إذ يتدخل الوعي باستمرار ليعيد ترتيبها. وبهذا المعنى تظل الذاكرة متحولة، ولا يُكتب الماضي إلا وفق شروط اللحظة الراهنة ووعيها.

تجد بعض شخصيات “ماءان” و”إسليمة” نفسها مقحمة في صراعات سياسية، مع أنها لا تحمل فكرًا سياسيًا محددًا. كيف تتشكل مصائر الشخصيات غير المسيّسة تحت ضغط السياسة؟

هذا طبيعي، خاصة أن للروايتين مرجعيات واقعية. فكل إنسان يخضع لشروط السياسة التي تتدخل في أدق تفاصيل حياته. لذلك، تتأثر الشخصيات غير المسيّسة بالمسار السياسي العام، وتجد نفسها مقحمة في أتون الصراعات، فتدفع أثمانها وتُساق إلى مصائر سياسية، حتى وإن بدت ظاهريًا غير ذلك.

في “إسليمة” يحضر صوت المرأة في مواجهة خطاب ذكوري مهيمن. حين يكتب الرجل هواجس المرأة، كيف يستطيع أن يمنحها صوتها من دون أن يعيد إنتاج رؤيته عنها؟

تبدو كتابة الرجل لهواجس المرأة فعلًا مخاطرة غير مضمونة النتائج. أن تستعير من المرأة لسانها لا يعني بالضرورة أنك تمثل صوتها الحقيقي، إذ تظل مركزية الذكورة حاضرة رغم كل محاولات إقصائها. وتؤثر هذه المركزية، باعتبارها نسقًا ثقافيًا، حتى في الكتابة النسائية نفسها، وقد تقف عائقًا أمام قدرة المرأة على كتابة هواجسها وإيجاد صوتها الأنثوي. لكنها تظل محاولة، ويحدد القارئ، ولا سيما المرأة، مدى نجاحها.

بدأت تجربتك الأدبية بالشعر قبل أن تنتقل إلى الرواية، وأنت تجمع أيضًا بين الكتابة والنقد والعمل الأكاديمي. ماذا أخذ الروائي فيك من الشاعر، وهل يمنحك هذا التعدد قدرة أكبر على رؤية النص، أم يحوّل الناقد الذي يسكنك أحيانًا إلى رقيب على حرية الروائي؟

ليس لدي تفسير حقيقي ومقنع لانتقالي من الشعر إلى الرواية. ربما لأن الرواية تتسع لأنواع أدبية أخرى، وبإمكان الكاتب أن يكتبها من دون أن يتخلى كليًا عن الشعر؛ فالحدود لم تعد صارمة بين الأنواع الأدبية. ومع ذلك، تظل الكتابة الشعرية، ولا سيما الغنائية منها، كتابة للذات؛ فصوت الشاعر حاضر رغم محاولات التقليل من حضوره، سواء عبر توظيف تقنية القناع أو الكتابة بضميرَي الغائب والمخاطب. أما الكتابة الروائية، فتقتضي أن يتخلى الروائي عن صوته ليكتب بصوت الشخصية، مراعيًا سياقها التاريخي والثقافي. وحتى عندما يكون الراوي عليمًا، ينبغي ألا يكون صوته متماثلًا مع صوت الروائي. وما يجمع الشاعر والروائي، حين يمارس الكاتب النوعين، هو الرؤية التي تنطلق منها الكتابة.

أما عن حضور الناقد، فعلى الرغم من وجود مقولة ترى أن الفن يخبو لدى الفنان حين يتحول إلى ناقد لنفسه، فإنني أرى أن داخل كل كاتب قارئًا يتجلى لحظة الكتابة، ويتدخل فيها من خلال عملية التلقي الأولية. إنه يمثل الوعي الإبداعي بالكتابة، وبما أن هذا الوعي متغير، فإن القارئ الداخلي يغير بدوره مواقعه ومواقفه وآراءه.

Share This Article

منشورات ذات صلة

حوار مع عبد الحفيظ العابد أجْرته: عزيزة حسين عبد الحفيظ العابد شاعر وروائي وناقد وأكاديمي ليبي، بدأ تجربته…

لم تعُد الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء تبعث في الليبي روح الأمل. لذا، أضحى الأخضر سيّد الألوان هذه الأيام.…

لم تبدأ حكاية روعة من النقطة التي انتهت إليها. روعة اسم مستعار اختارته امرأة في الرابعة والثلاثين من…

ليبيا في أعمال نوربرتينا بريسلرن-روث ومارغريت فيرلي-فري لطالما اعتقدتُ أن الأعمال الفنية البصرية القديمة حول ليبيا، والمتناثرة بين…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.