في عالم أصبحت فيه المعرفة واحدة من أهم مصادر القوة الاقتصادية والتقدم الحضاري، لم يعد البحث العلمي شأنًا يخص الجامعات والأكاديميين وحدهم، بل أصبح جزءًا من قدرة الدول على فهم مشكلاتها وصياغة حلولها وتحسين اقتصادها وتطوير حياة مواطنيها. فالدول التي تتصدر الاقتصاد العالمي اليوم لا تستند فقط إلى ما تمتلكه من موارد طبيعية أو ثروات مالية، وإنما إلى قدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى صناعات وسياسات أكثر كفاءة. ولهذا أصبحت مؤشرات النشر العلمي من أهم الأدوات التي يُقاس بها موقع الدول في اقتصاد المعرفة العالمي، لأنها تعكس حجم ما تنتجه من أبحاث ودراسات ومدى مساهمتها في تطوير العلوم والتكنولوجيا.
وعندما ننظر إلى موقع ليبيا في هذه المؤشرات، تظهر صورة تدعو إلى التوقف والتساؤل. فوفق بيانات مؤشر سيماجو الدولي لتصنيف الدول، تحتل ليبيا المرتبة 103 عالميًا والمرتبة 23 إفريقيًا في الإنتاج العلمي، بإجمالي إنتاج تراكمي يبلغ نحو 11,750 بحثًا منشورًا فقط. وفي المقابل تأتي مصر في المرتبة 24 عالميًا بإنتاج يتجاوز 430 ألف بحث منشور، بينما تحتل تونس المرتبة 51 عالميًا، والجزائر المرتبة 54، والمغرب المرتبة 57. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في الترتيب ذاته، بل في ما تعكسه من تفاوت هائل في القدرة على إنتاج المعرفة. فالإنتاج العلمي المصري يزيد على نظيره الليبي بأكثر من 36 مرة، كما أن ما تنشره بعض دول الجوار خلال عام واحد يوازي أو يفوق ما أنتجته الجامعات الليبية مجتمعة خلال عقد كامل.
لكن المفارقة لا تقف عند هذا الحد. فليبيا ليست دولة فقيرة أو محدودة الموارد، بل تمتلك واحدة من أكبر الإيرادات النفطية في القارة الإفريقية، إضافة إلى أكثر من 25 جامعة حكومية وعشرات الآلاف من أعضاء هيئة التدريس والطلاب. ولهذا فإن الفجوة التي تكشفها مؤشرات النشر العلمي لا يمكن تفسيرها ببساطة من خلال نقص الموارد أو غياب المؤسسات التعليمية. فالدول التي تتأخر بسبب ضعف الإمكانات لا تمتلك عادة هذا العدد من الجامعات ولا هذه الموارد المالية المتاحة.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر أهمية من مجرد معرفة ترتيب ليبيا في التصنيفات الدولية: إذا كانت الموارد البشرية والمالية متوافرة بهذا الحجم، فلماذا بقي الإنتاج العلمي محدوداً؟ والإجابة تبدأ من حقيقة أن الأبحاث المنشورة ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من العناصر التي تشكل المنظومة البحثية. فقبل أن يظهر البحث في مجلة علمية، لا بد من وجود مؤسسات قادرة على تمويله، ومختبرات تساعد على إنجازه، ومراكز بحثية تحتضنه، ومجلات علمية تنشره، وشبكات أكاديمية تضمن تداوله والاستفادة منه.
وعندما ننظر إلى هذه المنظومة تتضح أبعاد المشكلة بصورة أكبر. فالفجوة التي تعكسها أرقام النشر ليست سبب الأزمة بقدر ما هي نتيجة لها. فبينما تمتلك مصر 44 مجلة علمية مدرجة في قواعد بيانات سيماجو، والعراق 36 مجلة، والأردن 17 مجلة، ما يزال الحضور الليبي محدودًا للغاية في هذه المؤشرات. وهذا يعني أن الباحث الليبي يواجه تحدياً مزدوجًا: إنتاج البحث العلمي من جهة، والعثور على بيئة مؤسسية قادرة على دعمه ونشره من جهة أخرى. كما أن الفجوة لا تظهر في المجلات وحدها، بل تمتد إلى عدد الجامعات والمراكز البحثية المصنفة دوليًا، وهو ما يكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم ما تنتجه ليبيا من أبحاث، بل بضعف المنظومة التي تنتج المعرفة في الأساس.
لكن فهم ضعف هذه المنظومة يقود بدوره إلى سؤال آخر: لماذا لم تتطور المؤسسات البحثية الليبية رغم مرور عقود من الإنفاق العام الكبير على التعليم؟ هنا يصبح من الضروري النظر إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تشكلت داخله الدولة الليبية. فمنذ اكتشاف النفط، أصبح الجزء الأكبر من الدخل الوطني يأتي من تصدير الخام لا من الصناعة أو التكنولوجيا أو الابتكار. وفي مثل هذا النموذج الاقتصادي لا تنشأ الضغوط نفسها التي تدفع الدول الصناعية إلى الاستثمار المكثف في البحث والتطوير. فعندما تحتاج المؤسسات إلى تقنية جديدة أو خبرة متخصصة أو حل لمشكلة إنتاجية، يكون الخيار الأسهل غالبًا هو استيرادها من الخارج بدلًا من تطويرها محليًا.
ومع مرور الزمن ترسخت ثقافة اقتصادية كاملة قائمة على استيراد المعرفة بدلًا من إنتاجها. فبينما تحولت الجامعات في كثير من دول العالم إلى محركات للتنمية ومراكز لتوليد الحلول والابتكارات، بقي دورها في ليبيا أقرب إلى تخريج الكوادر وتلبية الاحتياجات التعليمية. وهكذا نشأت فجوة متزايدة بين الجامعة والاقتصاد، لأن الاقتصاد نفسه لم يكن يطلب من الجامعات إنتاج المعرفة بالقدر الذي يطلبه اقتصاد قائم على التصنيع والابتكار.
ويظهر أثر هذا النموذج بوضوح في حجم الاستثمار في البحث والتطوير. ففي الوقت الذي تخصص فيه الدول المتقدمة أكثر من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث العلمي، ظلت مخصصات البحث العلمي في الاقتصادات الريعية محدودة للغاية، وغالبًا ما يذهب الجزء الأكبر منها إلى النفقات الإدارية والمرتبات بدلًا من المختبرات والتجهيزات والمشروعات البحثية. والنتيجة أن الجامعات الليبية وجدت نفسها مطالبة بإنتاج أبحاث قادرة على المنافسة الدولية دون امتلاك البنية التحتية والموارد التي تسمح بذلك.
ولم يقتصر أثر هذا الوضع على التمويل فقط، بل امتد إلى بنية التعليم العالي نفسها. فخلال العقود الماضية شهد قطاع التعليم العالي الليبي توسعًا كبيرًا في عدد المؤسسات الجامعية، حتى تجاوز عدد الجامعات الحكومية 25 جامعة إضافة إلى الجامعات الخاصة. ورغم أن هذا التوسع أتاح فرص التعليم لشريحة واسعة من المواطنين، فإنه أدى في الوقت نفسه إلى تشتيت الموارد البشرية والمالية المحدودة على عدد كبير من المؤسسات. فبدلًا من تركيز الإمكانات في جامعات بحثية قوية تمتلك مختبرات متطورة ومراكز قادرة على المنافسة، توزعت الميزانيات والتجهيزات على نطاق واسع، وأصبحت معظم الجامعات تكافح لتلبية احتياجاتها الأساسية.
وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا إذا علمنا أن مصر تمتلك 42 جامعة مصنفة في المؤشرات البحثية الدولية، وتونس 19 جامعة، والجزائر 35 جامعة، في حين ما يزال الحضور الليبي محدودًا في هذه التصنيفات رغم العدد الكبير من الجامعات القائمة. وهو ما يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في عدد المؤسسات التعليمية بقدر ما تكمن في قدرتها على إنتاج المعرفة.
كما أن كثيرًا من الجامعات الليبية تواجه تحديات يومية تؤثر مباشرة في النشاط البحثي. فالبحث العلمي لا يبدأ من المختبرات المتقدمة فقط، بل من وجود بيئة أكاديمية مستقرة توفر للباحث أدوات العمل الأساسية. غير أن العديد من الكليات تعاني من نقص المختبرات الحديثة، وضعف الوصول إلى قواعد البيانات الدولية، ومحدودية المكتبات الرقمية، ونقص التجهيزات التقنية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من البيئة البحثية في الجامعات المعاصرة. وفي بعض الحالات يضطر الباحث إلى توفير جزء من متطلبات عمله العلمي من موارده الشخصية، وهو وضع يصعب معه بناء إنتاج علمي مستدام وقادر على المنافسة.
ومع ازدياد أعداد الطلاب تضاعفت كذلك الأعباء التدريسية والإدارية على أعضاء هيئة التدريس. فالأستاذ الجامعي الذي يقضي معظم وقته بين المحاضرات والامتحانات واللجان الإدارية يجد وقتًا محدودًا للبحث والكتابة العلمية. وحتى عندما تتوفر الرغبة في البحث، تظهر عقبات أخرى تتعلق بالتمويل والنشر وجمع البيانات. وقد أظهرت دراسة ميدانية أجريت على أعضاء هيئة التدريس بجامعة طرابلس أن 74.51% من المشاركين يعتبرون غياب الدعم المالي أكبر عائق أمام البحث العلمي، بينما يرى 42.16% أن صعوبة وتعقيد إجراءات النشر الدولي تمثل تحديًا رئيسيًا، ويشير 28.43% إلى أن نقص البيانات وصعوبة الحصول عليها يعيقان تنفيذ الدراسات العلمية. وتعكس هذه النتائج أن الأزمة لا تتعلق بضعف الرغبة في البحث العلمي بقدر ما تتعلق ببيئة مؤسسية تجعل إنتاج المعرفة عملية شاقة ومكلفة.
وإذا كانت هذه العقبات تفسر جانبًا من ضعف الإنتاج العلمي، فإنها لا تفسر سبب محدودية تأثيره في الواقع الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي ضعف العلاقة بين الجامعات والقطاعات الإنتاجية. ففي الدول التي تقودها المعرفة تمول الشركات والمؤسسات الاقتصادية جزءًا كبيرًا من الأبحاث العلمية لأنها تنظر إليها باعتبارها استثمارًا يحقق لها عوائد مستقبلية. أما في ليبيا فما تزال هذه العلاقة محدودة للغاية. فرغم أن قطاع النفط والغاز يمثل المصدر الرئيسي للدخل الوطني منذ عقود، فإن مساهمته في تمويل البحث العلمي المحلي ما تزال محدودة مقارنة بما هو معمول به في العديد من الدول المنتجة للنفط التي خصصت جزءًا من عائداتها لبناء جامعات بحثية ومراكز ابتكار متقدمة.
كما أن معظم المؤسسات الاقتصادية الليبية لا تمتلك إدارات متخصصة للبحث والتطوير، الأمر الذي يجعل التعاون بينها وبين الجامعات محدودًا ومتقطعًا. ونتيجة لذلك تستمر الجامعات في إنتاج أبحاث لا تجد طريقها إلى التطبيق، بينما تستمر المؤسسات في البحث عن حلول خارجية لمشكلاتها التقنية والإدارية. وتتعزز هذه الفجوة بسبب صعوبة الحصول على البيانات والمعلومات من المؤسسات العامة والخاصة، وهو ما يحد من قدرة الباحثين على دراسة المشكلات الواقعية واقتراح حلول مبنية على الأدلة.
ولا تتوقف آثار هذا الواقع عند حدود الجامعات أو الباحثين، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. فضعف البحث العلمي يعني ضعف القدرة على دراسة المشكلات الصحية والبيئية والاقتصادية بصورة دقيقة، ويعني أيضًا استمرار الاعتماد على المعرفة المستوردة في وضع السياسات واتخاذ القرارات. كما يحد من قدرة الاقتصاد على التنويع والابتكار وخلق قطاعات إنتاجية جديدة قادرة على توفير فرص عمل مستدامة.
وتزداد أهمية هذه القضية في بلد يشكل الشباب فيه أكثر من نصف السكان تقريبًا. فمستقبل هذه الفئة يرتبط بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، لا على التوسع المستمر في القطاع العام أو الاعتماد على عائدات النفط وحدها. وكلما ضعفت منظومة البحث والتطوير، تراجعت قدرة الاقتصاد على إنتاج هذه الفرص، واستمر الاعتماد على الأنشطة التقليدية التي لا تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين.
ورغم حجم التحديات، فإن المشهد لا يخلو من مؤشرات إيجابية. فقد شهدت السنوات الأخيرة عددًا من المبادرات الهادفة إلى تحسين البيئة البحثية، من بينها مشروع “ابتكار” الممول من الاتحاد الأوروبي، والجهود المبذولة لتطوير المجلات العلمية الليبية ورفع معاييرها، إضافة إلى إدراج 16 مجلة علمية ليبية ضمن دليل المجلات مفتوحة الوصول. كما حقق المركز الليبي لبحوث ودراسات الطاقة الشمسية حضورًا ملحوظًا في بعض التصنيفات الإقليمية، وهو ما يشير إلى وجود قاعدة يمكن البناء عليها إذا توفرت رؤية وطنية واضحة ومستدامة.
لكن تجاوز الفجوة الحالية يتطلب أكثر من مبادرات متفرقة. فالقضية في جوهرها ليست قضية تمويل فقط، ولا قضية جامعات فقط، بل قضية نموذج تنموي كامل. فالدول التي نجحت في بناء منظومات بحثية قوية لم تبدأ من المختبرات، بل من قرار استراتيجي يجعل المعرفة جزءًا من الاقتصاد، ويجعل البحث العلمي أداة لصنع القرار، ويحوّل الجامعات من مؤسسات للتدريس فقط إلى مؤسسات تشارك في حل المشكلات الوطنية وصناعة المستقبل.
في النهاية، لا تكمن المشكلة الحقيقية في أن ليبيا تحتل المرتبة 103 عالميًا في الإنتاج العلمي، بل في أن دولة تمتلك أكثر من 25 جامعة وعائدات نفطية بمليارات الدولارات لا تزال تنتج أقل من 12 ألف بحث علمي في مجمل سجلها المنشور ضمن قواعد البيانات الدولية. فالدول التي تتصدر مؤشرات البحث العلمي اليوم لم تصل إلى ذلك لأنها الأغنى بالموارد الطبيعية، بل لأنها جعلت المعرفة جزءًا من بنيتها الاقتصادية ومؤسساتها العامة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام ليبيا لا يتمثل في تحسين ترتيبها في التصنيفات الدولية فحسب، بل في الانتقال من اقتصاد يستهلك المعرفة إلى اقتصاد ينتجها، ومن دولة تعتمد على الريع الطبيعي إلى دولة تنتج المعرفة وتحولها إلى قيمة اقتصادية قائمة على العلم والابتكار والإبداع.