أعاد توجه مجلس النواب نحو إعادة هيكلة دعم المحروقات فتح جدل اقتصادي واجتماعي يتجاوز مسألة سعر لتر البنزين، بعدما دعا رئيس المجلس الصالحين عبد النبي إلى إعداد مقترح لرفع الدعم وتعويض المواطنين نقديًا، سواء بإضافة مبالغ إلى المرتبات أو عبر بطاقات مخصصة. ويستند هذا التوجه إلى ارتفاع كلفة الدعم واتساع التهريب، فضلًا عن استفادة جهات غير مستحقة من فروق الأسعار. لكن طرح هذا الخيار في ظل استمرار الاختلالات المالية وضعف المؤسسات يثير إشكالية تتعلق بترتيب أولويات الإصلاح، والجهة التي ستضمن ألا يتحول تخفيف العبء عن الميزانية إلى عبء إضافي على المواطنين.
وتكشف الأرقام عن حجم المشكلة؛ إذ أشار تقرير أممي عُرض أمام مجلس الأمن إلى أن واردات ليبيا من الوقود بلغت نحو 8.15 مليون طن خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بتكلفة وصلت إلى 8.9 مليار دولار، مع تقديرات تشير إلى تسرب ما بين 30 و50 في المئة من هذه الكميات عبر أنشطة التهريب، بما يعادل خسائر تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار. وهي أرقام تكشف أن الخلل لا يرتبط فقط بانخفاض سعر البيع المحلي، بل بمنظومة استيراد وتوزيع ورقابة تسمح بتبديد جزء كبير من الموارد قبل وصولها إلى المستهلكين.
ولا يعني ذلك أن استمرار الدعم بصورته الحالية يمثل حلًا مستدامًا؛ فالاختلال في الأسعار، واتساع الفارق بين السوق المحلية والأسواق المجاورة، يخلقان حوافز للتهريب والاتجار غير المشروع. لكن اختزال الأزمة في سعر البنزين يتجاهل مسارات أخرى لاستنزاف الموارد، من بينها ضعف الرقابة على عقود الاستيراد، وآليات تحديد الاحتياجات الفعلية من الوقود، وتوجيه الاعتمادات المالية المخصصة لتوريده.
وتكشف دراسة صندوق النقد الدولي بشأن إصلاح دعم الطاقة في ليبيا أن تطبيق نظام مبادلة النفط الخام بالوقود المكرر منذ أواخر عام 2021 تزامن مع ارتفاع واردات المنتجات النفطية بنحو 50 في المئة، كما أشارت إلى أن الكميات المستوردة تستند إلى احتياجات معلنة من شركات التوزيع ومؤسسات عامة، قد تتجاوز الطلب الفعلي. وتبرز هنا أهمية إخضاع تقديرات الاحتياج والعقود والكميات المستوردة للمراجعة المستقلة، ومطابقتها مع ما يصل إلى الموانئ ومخازن التوزيع، بدل الاكتفاء بمعالجة تكلفة الدعم عند نقطة البيع. فالهدر لا يرتبط فقط بما يُستهلك، بل أيضًا بكيفية تقدير الاحتياجات وإدارة عمليات التوريد والإنفاق عليها.
وتزداد أهمية هذه المسألة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير احتياجاته الأساسية، من الغذاء والدواء إلى مستلزمات الإنتاج. فأي اختلال في سوق العملة أو في توجيه الاعتمادات ينعكس على أسعار السلع وتوافرها، بينما يؤدي غياب الرقابة الفعالة إلى تحميل المستهلك كلفة إضافية لا ترتبط بالضرورة بالسعر العالمي للوقود. ومن ثم، فإن معالجة أزمة المحروقات بمعزل عن إصلاح إدارة النقد الأجنبي والإنفاق العام تعني التعامل مع أحد مظاهر الاختلال، وترك أسبابه قائمة.
وفي المقابل، لا يتوقف أثر رفع الدعم عند محطات الوقود؛ إذ يؤدي ارتفاع أسعار المحروقات إلى زيادة تكاليف النقل وشحن البضائع والإنتاج والخدمات، بما ينعكس على أسعار الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية. ويصبح الأثر أكثر حدة في ظل محدودية وسائل النقل العام وغياب بدائل مناسبة للتنقل، خصوصًا في المناطق البعيدة والممتدة جغرافيًا. فالمواطن الذي يعتمد على سيارته للوصول إلى عمله أو نقل أسرته لا يستطيع ببساطة الاستغناء عنها، كما أن ارتفاع كلفة الوقود قد يتحول إلى زيادة غير مباشرة في معظم نفقات الأسرة.
ولا يحسم التعويض النقدي هذه الإشكالية تلقائيًا؛ فقيمة المبلغ المخصص للمواطن يجب أن تُقاس بقدرته على تعويض الزيادة الفعلية في تكاليف المعيشة، لا بمجرد إضافته إلى المرتب أو إيداعه في بطاقة مصرفية. كما أن التعويض الثابت قد يفقد قيمته مع التضخم، ما لم يخضع للمراجعة الدورية وفق مؤشرات الأسعار، ويراعِ اختلاف احتياجات الأسر والمسافات التي تقطعها يوميًا ومستويات دخولها. وتبقى المشكلة قائمة إذا ارتفعت أسعار السلع والخدمات بمعدل يفوق قيمة التعويض، فيجد المواطن نفسه يدفع ثمن الوقود مرتين: مرة عند شرائه، وأخرى عبر ارتفاع بقية احتياجاته.
ولا يمكن الاستناد إلى تجارب دول أخرى لتبرير التحول دون مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية والخدمية. فنجاح الانتقال من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي يتطلب منظومة قادرة على تحديد المستحقين، وضمان انتظام التحويلات، ومراقبة الأسواق، وتوفير بدائل للنقل، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وقد تناولت دراسة صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو 2025، بعنوان «إصلاح دعم الطاقة في ليبيا»، هذه المتطلبات ضمن تصور لإصلاح تدريجي مصحوب بتدابير للحماية الاجتماعية والتواصل مع المواطنين. كما شددت الدراسة على ضرورة تحديد الاحتياجات الفعلية من الوقود، وإعادة هيكلة منظومتي التوزيع والتحصيل، وتطبيق نظام رقمي لتتبع الكميات عبر مراحل الإمداد حتى نقاط البيع النهائية، قبل المضي في رفع الأسعار. وتطرح هذه التوصيات ترتيبًا مختلفًا للأولويات؛ إذ تجعل ضبط المنظومة وتحسين الرقابة شرطًا للإصلاح، لا نتيجة مؤجلة له.
لكن العقبة الأعمق لا تتعلق بالآلية المالية وحدها، بل بالثقة في المؤسسات التي ستتولى تنفيذ القرار. فكيف يمكن مطالبة المواطنين بالاطمئنان إلى تعويضات نقدية مستمرة، في ظل انقسام المؤسسات واستمرار أزمة المساءلة وتجديد الشرعية السياسية؟ إن مجلسًا تجاوزت مدة بقائه المدة الانتخابية التي انتُخب على أساسها يواجه سؤالًا يتجاوز صلاحياته التشريعية إلى مدى خضوع قراراته لمحاسبة شعبية ومؤسسية فعالة. وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن رفع الدعم ليس إجراءً مؤقتًا يمكن التراجع عن آثاره بسهولة، بل تحول يمس نمط معيشة ملايين المواطنين.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن قدرة الدولة على تمويل التعويضات: من يضمن ألا تتحول منظومة التعويض النقدي نفسها إلى باب جديد للهدر؟ فإذا كانت منظومة الدعم السلعي قد أتاحت لشبكات التهريب والجهات النافذة الاستفادة من فروق الأسعار، فإن نقل الأموال مباشرة إلى المواطنين لا يضمن وحده سلامة إدارتها أو وصولها إلى مستحقيها. فغياب قواعد واضحة لتحديد المستفيدين، وضعف قواعد البيانات، وعدم وجود رقابة مستقلة على التحويلات، قد تفتح المجال أمام ازدواجية الاستحقاق أو التلاعب بأعداد المستفيدين أو توجيه الأموال إلى غير مستحقيها.
وبذلك، قد لا ينتهي الهدر بتغيير شكل الدعم، بل ينتقل من منظومة توريد وتوزيع الوقود إلى منظومة تحويلات مالية يصعب ضبطها في ظل المؤسسات نفسها. لذلك، لا يكفي إعلان قيمة التعويض أو تحديد وسيلة صرفه، بل ينبغي إخضاع المنظومة لقواعد قانونية معلنة، وسجل موحد للمستفيدين، ومراجعة دورية مستقلة، وإتاحة بيانات الإنفاق والتحويلات للرأي العام، بما يضمن إمكانية تتبع المال العام ومحاسبة المسؤولين عن إدارته.
ومن دون ضمانات قانونية واضحة تحدد قيمة التعويض ومصدر تمويله ومواعيد صرفه وآلية مراجعته، سيظل المواطن أمام وعود لا يملك وسيلة كافية لضمان استمرارها. فالإصلاح الاقتصادي لا يقوم على الثقة المجردة في الأشخاص، وإنما على مؤسسات ملزمة بالقانون وقابلة للمساءلة والتغيير.
ولا تبدو هذه المخاوف منفصلة عن التحذيرات الأممية بشأن ترتيب خطوات الإصلاح؛ إذ أوصت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بمعالجة تسرب الموارد ومكافحة التهريب وتطوير أنظمة تتبع الوقود وتحديد الفئات المستحقة، قبل المضي في إصلاح واسع للدعم. كما ربطت الإصلاح على المدى المتوسط والطويل بوجود إطار للحماية الاجتماعية وحكومة منبثقة عن عملية انتخابية. وهو ما يعكس أن المشكلة لا تكمن في مبدأ إعادة تنظيم الدعم، بل في شروط تطبيقه والبيئة المؤسسية التي ستحتضنه.
وعليه، فإن معالجة أزمة المحروقات تبدأ بمراجعة عقود الاستيراد، ومطابقة الكميات الموردة مع المستلمة والموزعة، وضبط منافذ التوزيع، وملاحقة شبكات التهريب، وإخضاع الإنفاق العام والاعتمادات لرقابة مستقلة وشفافة. كما تتطلب توفير وسائل نقل عامة، وتفعيل الرقابة على الأسعار ومنع الاحتكار، ووضع نظام تعويضات قابل للاستمرار قبل أي تغيير في أسعار الوقود.
فالمشكلة ليست في أن الدولة تنفق على دعم المحروقات، بل في أن جزءًا من هذا الإنفاق لا يصل إلى المواطنين الذين خُصص لحمايتهم، بينما تستفيد منه شبكات التهريب والامتيازات غير المشروعة. وإصلاح هذه المنظومة لا ينبغي أن يبدأ بنقل كلفتها إلى المستهلك، بل بإغلاق منافذ الهدر ومحاسبة المستفيدين منها.
إن المفاضلة الحقيقية ليست بين دعم يستنزف الموارد ورفع يحقق الترشيد، بل بين إصلاح مؤسسي يعالج أسباب الهدر ويضمن عدالة توزيع الأعباء، وسياسة تبدأ من المواطن قبل معالجة الاختلالات التي صنعت الأزمة. فليس من المنطقي أن يُطلب من الأسر تحمل ارتفاع تكاليف النقل والغذاء والخدمات، بينما تظل قنوات الفساد والتهريب وضعف الرقابة قائمة دون معالجة متزامنة.
وبذلك، فإن إصلاح منظومة المحروقات لا ينبغي أن يكون قرارًا ماليًا معزولًا عن إصلاح الحكم والإدارة والرقابة. فالدعم الذي لا يصل إلى مستحقيه يحتاج إلى إعادة تنظيم، لكن رفعه دون ضمانات اجتماعية ومؤسسية قد ينقل كلفة الفشل من ميزانية الدولة إلى موائد الأسر الليبية. والإصلاح الذي لا يبدأ بمحاسبة المسؤولين عن هدر الموارد، ولا يضمن حق المواطن في التعويض والرقابة وتغيير من يتولى إدارة شؤونه، يظل معرضًا لأن يتحول من معالجة للاختلالات الاقتصادية إلى عبء جديد على المجتمع.