تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروج Drooj

ليلى آدم: “الفن، في جوهره لغة”


أعدّهُ وكتبهُ: عبد الرحمن الشريف

لا تبدأ علاقة ليلى آدم بالفن من الرغبة في أن تُعرّف نفسها بوصفها فنانة. على العكس، تتحفظ على هذا الوصف، وترى أن كلمة فنانة أكبر مما تريد أن تطلقه على نفسها، مفضلة أن تقول إنها مهتمة بالفن وتحب أن تشارك الآخرين هذه المساحة.

في تصور ليلى، لا تبدأ قيمة الفن من العمل الذي ينتهي إليه الفنان، وإنما من التجربة التي تتيحها ممارسته، ومن قدرته على جمع الناس حول اهتمام مشترك. فقد تتحول جلسة بسيطة، تحمل فيها مجموعة من الأصدقاء دفاتر الرسم والألوان، إلى مساحة تنشأ فيها صداقات مبنية على الجمال والحوار والاهتمام المشترك.

لهذا تنظر إلى الفن بطريقة أقرب إلى التأمل. الجميع قادر على ممارسته، ولا يحتاج الأمر إلى تعقيده أو وضعه داخل قواعد تجعل الناس يخافون من تجربته. وربما يظهر هذا التصور بأوضح صورة عندما ترى أشخاصًا بالغين يتعاملون مع الرسم بعفوية الأطفال. المشهد، بالنسبة إليها، يحمل جانبًا إنسانيًا يتجاوز المثالية والتصنع.

ولا تفضّل ليلى فنًا على آخر، أو تضع نوعًا من الفنون في مرتبة أعلى من غيره. فكل شخص، في رأيها، يجد طريقته الخاصة في التعبير؛ بعضهم يكتب الشعر، وبعضهم يرسم أو يكتب أو يصنع الموسيقى. لذلك يصبح كل شكل فني وسيلة من بين وسائل أخرى، فيما يبقى الفن في جوهره لغة يمكن استخدامها للتعبير عن أشياء مختلفة.

من المهمل الى المعنى

برز اهتمام ليلى بالجانب البيئي من خلال توظيف المواد المستعملة وإعادة استخدامها في أعمال فنية. وكانت تجربتها الأولى مع منظمة دبش، وهي مبادرة ليبية تهتم بإعادة تصميم الملابس المستعملة وتحويلها إلى قطع جديدة ذات قيمة جمالية ووظيفية، بهدف نشر ثقافة إعادة الاستخدام وتقليل الهدر.

في هذه التجربة، ارتبط فن الكولاج بفكرة إعادة التدوير؛ مواد مختلفة كان يمكن أن ينتهي بها الأمر إلى الرمي أو الحرق، أعيد توظيفها بطريقة إبداعية لتأخذ معنى جديدًا. ومن هنا بدأت ليلى تنظر إلى المادة المستهلكة باعتبارها قابلة لأن تصبح مادة فنية إذا تغيرت طريقة النظر إليها.

توسعت هذه التجربة لاحقًا إلى أفكار أخرى تجمع الفن والاستدامة، سواء من خلال بيت الفنون أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت لها الوصول إلى مساحات وفرص جديدة للتعاون في مبادرات تجمع الإبداع بالوعي البيئي. ثم جاءت مشاركتها في المؤتمر المحلي للشباب للمناخ، حيث قدمت جلسة تناولت فن الكولاج وعلاقته بإعادة التدوير.

لكن ما يهم ليلى في هذه التجارب لا يتوقف عند إنتاج العمل الفني. الأهم بالنسبة إليها هو اجتماع مجموعة من الناس حول ممارسة يحبونها ويستمتعون بها، وفي الوقت نفسه يخرجون بأفكار جديدة. حتى كلمات التشجيع البسيطة التي تسمعها من المشاركين تترك لديها أثرًا جميلاً في داخلها.

ومن هذا المنطلق، ترى أن استخدام مواد كان مصيرها الرمي لا يعني بالضرورة استهلاك موارد جديدة، بل يمكن أن يمنح تلك المواد حياة أخرى. الكولاج، في هذه الحالة، يصبح شكلًا من أشكال إعادة التدوير، لأن الأشياء التي فقدت قيمتها يمكن أن تتحول إلى أعمال تحمل فكرة ومعنى.

الفن لا يحتاج إلى قضية

لا ترى ليلى أن الفن مطالب دائمًا بحمل قضية أو رسالة محددة. بالنسبة إليها، يمكن للفن أن يكون أي شيء، تمامًا كما يمكن للغة أن تستخدم للتعبير عن الفلسفة أو المشاعر أو لسرد قصة أو مناقشة قضية.

فهي لا تمنحه وظيفة واحدة ولا تربطه بموضوع محدد. الفن، في تصورها، وكما أسلفت: لغة، وما يحدد استخدام هذه اللغة هو ما يريد الإنسان التعبير عنه.

وفي المشهد الليبي، تبدو المساحة المتاحة للفنون المعاصرة، من وجهة نظرها، محدودة. وحتى المساحات الموجودة ليست دائمًا مفتوحة للجميع، إذ تحكمها أحيانًا اعتبارات ومصالح مختلفة. كما ترى أن عدد المشتغلين بهذا المجال ليس كبيرًا، وأن التنافس قد يتحول أحيانًا إلى تنافس غير صحي على حساب التعاون.

وتقارن ذلك بما تراه في مجتمعات أخرى، حيث توجد المنافسة أيضًا، لكن الفنانين يمنحون بعضهم بعضًا مساحة للنمو. ومع ذلك، تختار ليلى النظر إلى المشهد بإيجابية، وترى أن هناك أسبابًا أعمق ربما لم تُفهم بعد، وأن شيئًا ما ينقص المشهد الفني الليبي وما زال يحتاج إلى الاكتشاف.

ليلى ستوديو ومساحة التجربة

من رغبتها في عدم حصر نفسها في نوع فني واحد، جاءت فكرة ليلى ستوديو، وهي مساحة صنعتها وأسمتها باسمها لتكون مفتوحة أمام تجارب ومشاريع مختلفة.

بدأ الاستوديو بمشروع لتصميم المرايا، ثم أخذ يتطور بوصفه مساحة يمكن أن تستضيف في كل مرة مشروعًا أو مجموعة جديدة، من اللوحات والإطارات إلى القطع والأفكار المختلفة. ومع الوقت، بدأت تصل إليها أيضًا مشاريع لرسم الجداريات، إلى جانب تجارب أخرى ترغب في تطويرها.

لا تريد ليلى أن يكون للاستوديو موضوع واحد أو أن يرتبط بتقنية فنية محددة. ما تبحث عنه هو مساحة للتجربة، تتيح لها في كل مرة استكشاف فكرة أو تقنية أو مادة جديدة. لذلك تتعامل معه من خلال مجموعات ومشاريع مختلفة، وتراه مساحة للفن التجريبي، تستطيع فيها أن تجرب وتكتشف مسارات جديدة من دون أن تضع نفسها داخل إطار فني واحد.

تكشف تجربة ليلى ستوديو عن بُعد آخر في علاقة ليلى بالفن، حيث لا تقل عملية الإنتاج أهمية عن العمل في صورته النهائية. فالتجريب، بما ينطوي عليه من مغامرة واحتمالات مفتوحة، يمنح مساحة للخطأ والاكتشاف والخروج عن المألوف، وقد تصبح التجربة ذاتها جزءًا من القيمة الفنية للعمل. ولعل هذا ما سعت إليه بعض الاتجاهات الفنية الحديثة، ومن بينها السريالية، التي عملت على تجاوز الأشكال التقليدية للتعبير واستكشاف آفاق جديدة للفن، حتى وإن بدت ممارساتها في بداياتها غريبة عن التصورات الفنية السائدة.

الفن وتجارب الإنسان

عندما تنظر ليلى إلى العمل الفني، لا تفصله عن الظروف التي أحاطت بصاحبه. فهي ترى الفن نوعًا من التاريخ؛ فالإنسان يتأثر بمحيطه، وهذه الظروف تسهم في تشكيل الطريقة التي يصبح بها فنانًا.

لذلك، قبل الحكم على عمل فني، تفضل أن تتراجع خطوة إلى الوراء وتحاول فهم المرحلة التي مر بها صاحبه. قد تكون الظروف السياسية أو الاجتماعية المحيطة بالفنان قد تركت أثرها في العمل، وقد تكون اللوحة انعكاسًا لفترة معينة من حياته.

من هنا، ترى أن الحاجة الإنسانية تظهر في الفن، وأن الحكم المباشر لا يكفي لفهم العمل. المعنى الذي يصل إلى المتلقي ليس بالضرورة هو المعنى الحقيقي الذي أراده صاحبه، وهذه المسافة بين ما أراده الفنان وما يراه المتلقي هي، في نظرها، إحدى المساحات التي تجعل الفن قادرًا على توسيع قدرة الإنسان على الفهم والحكم.

وعندما يصل الحديث إلى الجمال، لا تجد ليلى تعريفًا واضحًا تستطيع الإمساك به. فهي تقول حتى الأشياء التي تبدو جميلة قد تبدو أحيانًا مكتومة أو لا تظهر بالطريقة التي يفترض أن تظهر بها. وتستحضر الشجرة الجميلة مثالًا لذلك؛ فحتى ما نراه جميلًا قد نحاول قطعه.

تربط ليلى علاقتنا بالجمال بشيء من الخوف الذي قد لا ندرك أسبابه أو نفهم دوافعه. وترى أن هذا الخوف قد يتسلل إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء، فتتشكل رؤيتنا لها تحت تأثير خطاب يحجب عنا حقيقتها.

في النهاية، لا تفصل ليلى الفن عن الإنسان؛ فالفن، بالنسبة إليها، لغة لا تقتصر على وسيلة واحدة، بل هو شكل من أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية. وتكمن أهميته، في نظرها، في قدرته على تقريب البشر من إنسانيتهم.

Share This Article

منشورات ذات صلة

أعدّهُ وكتبهُ: عبد الرحمن الشريف لا تبدأ علاقة ليلى آدم بالفن من الرغبة في أن تُعرّف نفسها بوصفها…

لم يكن افتتاح مقهى مخصص للنساء في إجدابيا مجرد افتتاح مشروع تجاري جديد. سرعان ما تجاوز النقاش حدود…

سأكتُب. لا أريد أن يموت هذا السرّ الجميل معي، السرّ الذي لم تفهمه ابنتي ولا أبيها ولا أمي…

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.