سأكتُب. لا أريد أن يموت هذا السرّ الجميل معي، السرّ الذي لم تفهمه ابنتي ولا أبيها ولا أمي ولا قريتي كلها ولا العالم. أنا أكتب لكم الآن بقلمي وعلى كراستي لأنني ببساطة لا أملك وسيلة أخرى للكتابة. سأعود بكم إلى العام 2025، أي سبع سنوات للوراء، فنحن اليوم في العام 2032. تركتُ قبل دقائق ابنتي تشاهد مسلسل السهرة في التلفزيون ودخلت إلى غرفتي لأكتب لكم.
قبل سبع سنوات، كان العالم كعلبة مشروب غازي قام طفل برجها قبل أن يفتحها؛ الصراعات في كل مكان، والحروب لا تنتهي إحداها إلا لتشتعل الأخرى. دونالد ترامب، هل تذكرون ماذا فعل بالعالم قبل أن يموت؟ لقد كان عونًا لكل ظالم حتى إن الموت سئم منه وأخذه بعيدًا قبل أن يحين موعد مغادرته البيت الأبيض. نعم، كان العالم حينها مشتعلًا من أوكرانيا وروسيا إلى السودان وسوريا، مرورًا بفلسطين وجرحها الغائر في غزة، وفي أرواحنا.
في إحدى ليالي صيف 2025 الهادئة، على سطح منزلنا الذي كنا نلجأ إليه عندما تنقطع الكهرباء، تناولنا عشاءنا هناك على ضوء كشاف الموبايل، كنت مع زوجي فقط لأن ابنتي كانت في البيت. أذكر أنني عندما عادت الكهرباء كلمتها بحدة عن إدمانها على الموبايل وتضييعها أوقاتًا جميلة كان يجب أن تكون فيها معنا. قبل ذلك بيوم خضنا الحوار ذاته لأنها تركتني وأبيها مع كعكة عيد ميلادها، ودخلت غرفتها مع موبايلها من أجل تهاني أصدقائها الافتراضيين، ومن أجل الستوريات التي تغرق بها حساباتها المختلفة على السوشيال ميديا. لم يكُ يمر يوم إلا وأنا أذكّرها بجنون الموبايل الذي اجتاحها كما كان يجتاح جيلًا بأسره، وكنت أقتنص الفرص لأحدثها عن حياتنا قبل الموبايلات التي اغتالت فينا كل شيء جميل، وكم قلت من أعماقي: أتمنى أن ينتهي هذا العبث وتعود إنسانيتنا لسيرتها الأولى.
سأعود إلى تلك الليلة، فبعد نقاش طويل ووعد منها بأن تقلل من استخدامها للموبايل، ذهبنا جميعا للنوم. وعلى غير العادة، استغرقتُ فورًا في النوم قبل أن يفعل زوجي، رغم أنني كنت في عطلة، بينما ينتظره صباح من العمل المرهق.
والآن إليكم سري الصغير،
جاء الصبح سريعًا، وصوت قوي اخترق جلد رأسي وأخذ يطرق على عظام جمجمتي، رغم ذلك بدا مألوفًا.
فتحت عينيّ، التفت إلى مصدر الصوت لأجد منبهًا معدنيا كبيرًا بحجم يدي، تأملته قليلًا بعينين شبه مغمضتين قبل أن أُخرسه بكلتا يديّ، وأطيل النظر إليه وأنا أقلّبه بينهما وأقارنه بتلك المنبهات التي كانت في كل البيوت التي رأيتها في طفولتي. حملتُه معي وخرجت متثاقلة من فراشي، لأجد ابنتي تجلس قبالة صورة كبيرة لتلفزيون قديم، نظرتُ طويلًا لأكتشف أن الصورة تلفزيون حقيقي، نعم إنه تلفزيون، شهقت بصوت سمعته ابنتي، فالتفتت وقالت: صباح الخير ماما.
أجبتها بسؤال ملح: ما هذا، ومن أحضره إلى هنا؟
قالت: خيرك يا ماما؟ هذا تلفزيون. وأشاحت بوجهها عني لتُلاحق الصور المضيئة على هذا التلفزيون. صرخت بصوت جِدي: وين بابا؟
فقالت بشيء من الخوف: في العمل، خيرك يا ماما؟
“خيرك؟” مفردة ليبية عبقرية، تعني ماذا بك؟ أو ماذا أصابك؟ أو ماذا حدث لك؟ لكن جدتنا الأولى ألبستها فراشية بيضاء وجعلتها تفاؤلًا بخير خالص، حتى من يبكي نقول له: خيرك؟
ونحن نتمنى أن يكون سبب بكائه خيرًا خالصا ولا شيء غير الخير.
لم أُجبها وعدتُ مسرعة إلى غرفتي، وبجوار فراشي وبين ثناياه بحثت بعجلة عن موبايلي. سأتصل بزوجي، الذي سيكون من أحضر هذا التلفزيون القديم إلى هنا، لم أجد الموبايل في الغرفة كلها، خرجت وأنا أتمتم: أين هو؟ أين موبايلي؟
لم تلتفت إلي ابنتي فرفعت صوتي: موبايلي يا أمل، أين هو؟
التفتت إليّ الفتاة من جديد، لكن هذه المرة بعينين تفيضان رعبًا: ماذا تقولين يا ماما؟ أنا لا أفهمك.
أخفضتْ أمل صوت الجهاز الرابض على طاولة خشبية غير آبه بأسئلتنا المتدفقة بغزارة على لسانينا، واتجهت نحوي: ماما، ماذا حدث؟
أريد موبايلي، أريد أن أتصل بأبيك.
نظرت أمل في عينيّ وقالت: لكنك تعرفين أن الخط الهاتفي عاطل منذ يومين، ويحتاج زمنًا لإصلاحه.
أي خط؟ ماذا تقولين؟
لابد أن ابنتي تمزح. حاولتُ أن أصمت قليلًا لتهدأ وأهدأ، ثم استطردتُ: أين موبايلك أنتِ؟ اطلبي لي بابا.
اتسعت حدقتاها وقالت بتوسل: ماما لا تخيفيني أرجوك.
تركتُها متصلبة القامة حيث هي وذهبتُ إلى غرفتها، بحثتُ عن موبايلها ولم أجده، حتى الشاحن الذي كان يتدلى بجوار سريرها منذ سنين لم أجده.
خرجتُ من غرفتها وعدت إلى صالة البيت، وقفتُ قليلًا فسمعت صوت موسيقى ينبعث من المطبخ، ابتسمت؛ نعم هذه أمل تمارس هوايتها الصباحية في غسل أواني الإفطار على أنغام الأغنيات التي يكاد موبايلها يختنق بها.
دخلتُ وأنا أقول: هيا، أعطني الموبايل أو اتصلي بي لأعرف مكان موبايلي.
أكملتُ عبارتي وأنا أنظر حيث تقف هي، لم تتكلم لكنها نظرتْ خلفي تمامًا فتبعتها بعيني، لأجد راديو كبيرا أسود اللون يمتد الهوائي المعدني على سطحه مثل قرن استشعار، انتقلتُ بنظراتي بين أمل وهذا الكائن العتيق، لا أصدق ما أراه، وقبل أن أنطق، سمعت جرسًا عالي الصوت، فقالت أمل بحماسة:
أخيرًا أصلحوا الخط الهاتفي! سأرد يا ماما أظنها نور، وعدتني أن تتصل بي لتخبرني عن نتيجة الامتحان.
أكملتْ عبارتها وهي تبتعد عن المطبخ، تبعتها إلى الصالة، وهناك على طاولة صغيرة في الزاوية حيث كنت أضع سلة من قش فيها وردتان، لا زالت السلة هناك، لكن جهاز الهاتف القديم الذي كان يرن بشدة احتل المساحة الأكبر من هذه الطاولة.
آلو من معي؟ مرحبا بابا، نعم هي هنا.
واستطردت أمل وهي تمد لي سماعة الهاتف: بابا.
لم أبعد نظراتي عنها وأنا ألتقط سماعة الهاتف إلا عندما صارت هذه الأخيرة في يدي، أمسكتُ بها وتأملت لونها الأبيض العاجي. الهاتف الذي كان في مربوعتنا وأنا طفلة كان لونه أبيض عاجيا أيضًا.
ألو، جاءني الصوت طبيعيًا لكن السؤال الذي ولد صباح هذا اليوم قفز لينفجر في وجهه: متى أحضرت التلفزيون؟
والراديو؟ وهذا التليفون؟
قاطعني بضحكة سمعتها جيدًا: التلفزيون اشتريناه بعد أن وُلدت أمل، والراديو منذ زواجنا، أما الهاتف فمنذ شهرين، وقد كنا من الخمسة بيوت التي اشترت خطا هاتفيا في قريتنا، هل لديك سؤال آخر؟
قال كلماته الأخيرة واستأنف الضحك، كانت أمل تضحك أيضًا لأنها تعرف أن أبيها قادر دائمًا على ترويض أسئلتي مهما كانت متوحشة ومتمردة.
لكن ليس هذه المرة، يا أمل.
ابتعدتُ عنها وعن التليفون إلى الزاوية المقابلة، وأنا أحاول أن أستيقظ من هذا الذي قد يكون حلمًا.
لحقتْ بي أمل بعد أن أكملتْ حديثًا قصيرًا مع والدها، وسألتني: هل أنت بخير الآن؟
أجبتُها بإيماءة من رأسي فابتسمتْ وغادرت إلى المطبخ، لتعود ومعها فنجاني قهوة وثلاث قطع من المقروض. المقروض، هذه الحلوى صُنعت فقط لتكون مع القهوة. وضعتْ الطبق الخشبي وعادت إلى المطبخ لتحضر الراديو الأسود وتضعه قبالتنا في الصالة، وتعود لتجلس قربي وتقول مبتسمة: الفقرة اللي تحبيها من الصبح كله يا ماما.
تجاهلتُ التلفزيون القابع غير بعيد عني بشاشته المعتمة، والراديو رغم صوت خالد سعيد الذي ينساب منه، وحاولت أن أستمتع بالقهوة وحديث ابنتي وضحكتها الحلوة التي تشبه حلاوة المقروض.
لا أعرف كم مر من الوقت حتى سمعنا طرقات متتالية على باب البيت، تبادلنا النظرات وقلت لأمل: هل اتصلت بك ندى؟ قالت إنها ستزورنا اليوم.
تجاهلت أمل سؤالي واتجهت نحو الباب، فتحتْه وسمعتها تستقبل أحدًا، كانت جارتي التي ابتلعت أسئلتي في حضرتها لأنها لن تفهمني أيضًا، وقد تتهمني بالجنون أو بأن مسّا قد أصابني؛ كم تعشق مبروكة جارتي الحديث عن الجن وعن العالم السفلي.
دخلتْ وسلمت عليّ، وجلست وهي تثرثر عن أحداث مسلسل يبدو أن أمل تعرفه جيدًا، فشاركتْها الحديث عن أبطاله وعن توقعاتهما للحلقة الأخيرة.
لن أطيل عليكم، في ذلك اليوم دعاني كل شيء لتجاهل أسئلتي، عاد زوجي من عمله وهو يحمل أوراقه فقط، جلسنا تناولنا الغداء والشاي ونحن ننظر في عينيّ بعضنا، لم أكرر السؤال عن الموبايل اللعين فأنا سعيدة بدونه، مرت الأيام والشهور ونحن اليوم في العام 2032 ولم يذكر أحد هذا الموبايل أمامي، وكأنني كنت في كون آخر وأنا أستعمله وهو يسيطر على تفاصيل حياتي، أنا وابنتي والجميع من حولنا.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ذهبت إلى مدرستي دون أن أتواصل مع زميلاتي المعلمات، ذهبت إلى بيتنا دون أن أتصل بأمي فبابه دائما مشرع في وجهي، وأمي دائما في مطبخها أو في الحقل الصغير المجاور للبيت، زارتني الجارات دون أن يتصلن، فإذا وجدنني دخلن وشربنا الشاهي معًا، وإذا لم يجدنني ذهبن إلى بيت إحداهن لإقامة طقوس الشاهي والنميمة هناك.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، لم أطلب شيئًا من محلات بعيدة ولم أغضب بشدة لأن ما طلبته لا يشبه ما وصلني عبر المندوب، منذ ذلك الوقت لم أقرأ منشورًا لفاطمة وهي تصب جام غضبها على سعاد، ولم أسمع عن أرتال تتحرك في شرق البلاد وغربها، ولم أقرأ عن مطر قريب أخلف وعده بالهطول، ولم أشاهد منذ ذلك الوقت الوجوه التي أرهقها الجوع وغيبت الحرب ابتسامتها في المدن البعيدة المحتلة.
منذ ذلك الوقت عادت للحياة بهجتها، لهذا تركتُ ابنتي في الصالة تشاهد أغنية مصورة في التلفزيون وجئت لأكتب لكم عن الموبايل الذي اختفى فجأة من حياتي ومن حياتكم، لكنني أذكره جيدًا ونسيتموه أنتم، سأعود الآن لأنضم لابنتي وأستمتع معها بالموسيقى.
دخلت الصالة ولا موسيقى في التلفزيون، إنها النشرة؛ نافذتنا الوحيدة على العالم، فالجرائد لا تصل إلى قريتنا، ما أجمل ذلك.
جلست قريبة من أمل وأنا أشاهد المذيع الأنيق، فقالت أمل بحماس:
تصوري يا ماما قبل قليل كان المذيع يتكلم عن جهاز يشبه التليفون، لكنه بدون أسلاك ولا خط هاتفي معرض للعطل. استطردت أمل: كم تطور هذا العالم، كنت أستغرب دائمًا كيف ينتقل الكلام عبر الأسلاك والآن يبدو أن الكلام سيغادرها ويسبح في الهواء.
يا إلهي إنه الموبايل، سيعود هذا اللعين ويستأنف عمله في إفساد حياتنا، لكن هذا سيحتاج وقتًا أتمنى أن يكون طويلًا. نظرتُ إلى ابنتي وابتسمت لها، وأنا أتخيل الشاحن الذي كان يتدلى دائما بجوار فراشها وهو يلتف حول عنق الأيام ليخنقها.