دروج Drooj

العودة المحزنة إلى الفاتح

لم تعُد الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء تبعث في الليبي روح الأمل. لذا، أضحى الأخضر سيّد الألوان هذه الأيام. كثُر محبّوه وتعاظم عاشقوه. تحوّلت البلاد، وهي تغرق، إلى مزار صوفي ضخم. طقس تطهّري جماعي للغناء والرقص والابتهالات، وسط حضور طاغٍ للرموز: صور وشعارات وأزياء. أصوات مخنوقة تختلط فيها النشوة بالمرارة.

ليبيا تعاني. مريضة. كانت فتاةً موفورة الصحة، نشِطة الحركة، ثم انقلب الحال. اجتمع عليها المرض والفقر والبؤس. لذلك، لا يكون شفاؤها إلا بمدد من الأسلاف، يُرجِع إليها حيويتها وألقها، ويُكرمها بعد طول امتهان.

غنيّ عن البيان أن تُعزى هذه المشهدية الدرامية، المتكررة كل عام، باختلاف درجة حدّتها وصخبها، إلى الضنك الشديد الذي يكابده الليبيون. ولا تقدّم المقالة شيئًا ذا بال إذا أخذت في تفسير احتفاليات “الفاتح”، الواقعية والافتراضية، على أنها محض احتجاج على تردّي الأوضاع المعيشية.

ذلك أن اختزال هذا “الحنين المرضيّ” في البعد المعيشي والخدمي ليس سوى رأس جبل الجليد لظاهرة أكثر تعقيدًا، نراها بدرجات متفاوتة في مجتمعات عربية وغير عربية انتفضت على مستبدّيها، ثم عادت تتحسّر على مَن ثارت عليهم، بعدما بدّدت مآلات التغيير وعودها الأولى. لسنا، إذن، بإزاء حنين سياسيّ عابر، وإنما أمام مخرجات تجربة تاريخية تستوجب شيئًا من التشريح النفسي والثقافي للبنية المجتمعية ذاتها، وللآثار التي خلّفتها عقود طويلة من سياسات تشكيل الوعي والسلوك. أي ما يمكن تسميته، بشيء من الاختصار والتجاوز، “الهندسة الاجتماعية”.

وقبل الشروع في الاستشهاد بأعمال وظّفت مناهج التحليل النفسي في تفسير الظواهر العامة، السياسية والثقافية، تجدر الإشارة إلى أن استخدام أدوات التحليل النفسي ومصطلحاته في دراسة الظواهر الجماعية لا يخلو من مشكلات نظرية ومنهجية؛ ذلك أن هذه الأدوات وُضعت بدايةً بغية فهم سيكولوجيا الفرد، لذا فإن نقلها إلى المجال الجمعي قد ينطوي على قدر من التعميم يصعب معه ضبط الفروق بين الأفراد والجماعات والسياقات الثقافية والتاريخية المتباينة. كما أنه يثير شبهة وجود “أمراض” تستلزم الفحص والكشف، ما يستدعي بعض التحفّظات.

غير أن هذا المنظور يظل قادرًا على تقديم قراءات مقنعة لعدد من الظواهر الاجتماعية والثقافية. وقد بيّنت تجارب متنوعة في الرصد والاستقراء، باختلاف المكان والزمان، تشابهًا في بعض الأنماط والمسارات والنتائج، ما يجعل الإفادة منه، على الرغم من محاذيره وحدود قدرته التفسيرية، أمرًا وجيهًا.

في كتابه “المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعُصاب جماعي”، يتناول جورج طرابيشي آليات “النكوص” الجمعي، بوصفه حيلة دفاعية أخيرة يلجأ إليها العقل حين تعجزه صدمة الواقع وإحباطاته. والحال أن الواقع الليبي اليوم، بفوضاه الأمنية وانسداد أفقه السياسي واختلاله الاقتصادي المديد، مثّل صدمة قاسية لشريحة واسعة من الشعب، ما دفعها إلى الارتداد نحو الطور الأبوي المألوف. فالحرية، حين تأتي كمفهوم مجرّد من المؤسسات والقانون وتنظيم الحق في القول والعمل والعيش الكريم، قد تتحوّل إلى عبء ثقيل، وتفرز حالة من انعدام اليقين تدفع الناس إلى البحث عن “المخلّص”، حتى لو كان هو نفسه السجّان القديم.

تلتقي الحالة الليبية، في هذا الجانب، مع أطروحات هشام شرابي عن “النظام الأبوي” أو “البطريركية المستحدثة”، حيث تعمل منظومة السلطة على “تطفيل” المجتمع ونزع أهليته في إدارة شؤونه واختيار مصالحه. فقد دأب نظام القذافي، طوال عقود حكمه الأربعة، على تجريف المجتمع المدني، وإلغاء الحيّز العام، وتدمير مفاهيم المؤسسة والإدارة والبيروقراطية العقلانية؛ أي، في نهاية المطاف، نسف أعمدة الدولة الحديثة، لصالح ترسيخ صورة “الأب/القائد/الأخ الأكبر” الذي يحتكر المنح والمنع. في هذا النموذج، أُلغيت فكرة المواطنة لصالح الرعية التي تُدار مصالحها بأدبيات العائلة والقبيلة: مكرمات، وعقوبات، ورضا، وغضب، ووعظ، ولوم، إلخ. أي سيادة “أخلاق القرية”، كما وصفها الرئيس المصري أنور السادات.

لذلك، حين قُتل الأب، بالمعنى المجازي والأوديبي، من دون أن يحلّ محلّه عقد اجتماعي ومؤسساتي بديل، وجد المجتمع نفسه في حالة “يُتم سياسي”، سرعان ما استغلّتها سلطات أمر واقع لا تمتلك من مشروعية الأبوة إلا بطشها، ولا من الشرعية إلا عنفها السلطوي، ولا منطقًا إلا منطقها الغنائمي.

ويمتد هذا التحليل إلى أطروحة مصطفى حجازي في تشريحه لـ”الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور”. فالفرد الذي تشكّل وعيه تحت وطأة القهر المنظّم قد يستبطن، بطرائق شتّى، بعض شروط عالمه القهري. فتغدو حالة القمع المزمنة، مع طول الاعتياد، مقياسًا للاستقرار، ومرادفةً لمعاني السكينة والسلام. وحين يفقد المرء شعوره بالأمان، تتراجع لديه الرغبة في التحرّر لصالح غريزة البقاء، حتى لو كانت الحماية مشروطة بخنوعه وتنازله عن القيم التي تمثّل جوهر آدميته، كالحرية والمسؤولية وروح المبادرة.

وبالقدر نفسه، يمكن الرجوع إلى ممدوح عدوان في “حَيْونة الإنسان”، حيث لا يقف أثر الطغيان عند قمع الأصوات والأجساد، وإنما يتعدّاه إلى إعادة ترتيب سيكولوجيا الفرد من الداخل، فتستحيل مشاعر الخوف والتزام الصمت واستمراء المَسكنة إلى طبائع أصيلة، تورّث عبر الأجيال كوسيلة للنجاة. فيما تبدو الحرية، حين تأتي بلا أفق، ولا تُصاغ في مؤسسات فاعلة ومنجزات ملموسة، أقرب إلى قفزة في المجهول منها إلى وعد بالخلاص. فكيف إذا كان الطلب على الحرية، في الحالة الليبية، فاقدًا للإجماع منذ البداية، وضبابيًّا تختلف تعريفاته بحسب هوية مَن ينادي به ومصلحته؟

من هذه الزاوية، لا يمكن اعتبار “العودة إلى الفاتح” انعكاسًا لإيمان صادق بنظريات “الكتاب الأخضر”، أو إقرارًا بصوابية سياسات ذلك العهد، ناهيك بأن تكون إعلانًا للندم. هي أقرب إلى أن تكون رثاءً للذات في مرآة حاضر منهار، وانتفاضة رمزية في وجه طبقة سياسية وعسكرية تصدّرت مشهد ما بعد فبراير، فاستأنفت مسيرة الخراب بشكل أكثر فجاجة، وعجزت عن صياغة عقد وطني جامع يؤمّن الحد الأدنى من أسباب الحياة الكريمة التي وعدت بها الثورة، وكان غيابها سببًا في اندلاعها والدعوة إليها. فيما تكشّفت المآلات عن خيبة مريرة، كانت أول مَن طالتهم أولئك الذين آمنوا بها في البدايات.

بل لعل المفارقة أن كثيرًا ممن يرفعون صور القذافي اليوم لا يستعيدون الرجل كما كان حقًّا، وإنما يستحضرون ما يحتاجونه الآن: الدولة، والنظام، والقدرة على الحسم، وفرض الاستقرار. هذه الانتقائية تُخفت حضور القمع والخوف، فيما تضخّم صورة “الأب الراعي”، ليتحوّل الماضي من تاريخ مركّب ومعقّد، يمتلئ بالفشل والكوارث، إلى ملاذ نفسي يمنح بعضًا من العزاء والرجاء.

بيد أن الخطر الأكبر في هذه “الاحتفالية” لا يكمن فقط في كونها وهمًا يستدعي الشفقة، وتزييفًا للذاكرة وتشويهًا للوعي، وتناسيًا للانسدادات والتحلّلات البنيوية التي كانت هي نفسها من أسباب انفجار عام 2011؛ بل في كونها تمهّد، ولو من حيث لا يقصد أصحابها، لإعادة إنتاج الطغيان، وهو ما يجري استنساخه الآن بابتذال كاريكاتيري، وإن بشخوص وشعارات وأساطير تأسيسية جديدة.

وأغلب الظن أن الطقس الاحتفالي لن يشفي الفتاة من عِللها، ولن يفلح، قليلًا أو كثيرًا، في تحسين حال المحتفلين. لكن يجب على المتعجّب، ساخرًا أو ذاهلًا، من عودة ليبيا إلى ردائها الأخضر، أن يسأل نفسه وغيره: كيف استطاع الماضي، بعد كل ما نعلمه عنه، أن يبدو للبعض أقل سوءًا من الحاضر؟

Share This Article

منشورات ذات صلة

لم تعُد الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء تبعث في الليبي روح الأمل. لذا، أضحى الأخضر سيّد الألوان هذه الأيام.…

لم تبدأ حكاية روعة من النقطة التي انتهت إليها. روعة اسم مستعار اختارته امرأة في الرابعة والثلاثين من…

ليبيا في أعمال نوربرتينا بريسلرن-روث ومارغريت فيرلي-فري لطالما اعتقدتُ أن الأعمال الفنية البصرية القديمة حول ليبيا، والمتناثرة بين…

هل من الممكن أن تكون ثمرة ما أكثر من مجرد غذاء؟ أعتقد أن التمر حقق هذه التجربة الفريدة…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.