يصعب الاقتراب من كتاب الرحيل إلى مرافئ الحلم لزاهية محمد علي الزربي كعمل منضبط داخل جنس أدبي واحد. فهو لا يستقر تمامًا في الشعر، ولا في القصة، ولا في المقالة الأدبية، بل يتحرك بينها جميعًا، كأنه أقرب إلى أثرٍ شعوري متشعب منه إلى نص مكتمل التصنيف. لذلك تبدو قراءته ممكنة أكثر كحالة كتابة؛ كتابة تتقدّم تحت ضغط داخلي حاد، وتستمد معناها من القلق والاختناق والرغبة المستمرة في المغادرة.
وُلدت زاهية محمد علي الزربي في مدينة المرج عام 1964، وقضت حياتها القصيرة في ليبيا، حيث درست في مسقط رأسها قبل أن تلتحق عام 1981 بكلية الآداب في جامعة قاريونس ببنغازي، وتحصل على الليسانس في الإعلام عام 1985. عُيّنت بعد تخرجها معيدة بقسم الإعلام في الكلية نفسها، قبل أن يخطفها الموت إثر حادث سير عام 1986، وهي في الثانية والعشرين من عمرها. وبرغم هذا العمر القصير، تركت زاهية ذكراها في الأدب الليبي؛ إذ صدر لها بعد رحيلها كتاب الرحيل إلى مرافئ الحلم عن دار الجماهيرية للنشر في طرابلس عام 1989، متضمنًا ديوانها الشعري ونصوصًا قصصية ومسرحية، وشاهدًا على موهبة توهجت مبكرًا وانطفأت سريعًا، وكتابة حملت منذ بداياتها مفردات الحلم والتمرد والاختناق والرحيل.
وتغدو هذه الطبيعة مفهومة حين نعرف أن الكتاب جُمِع بعد رحيل الكاتبة، وأن ما عُثر عليه معها لحظة وفاتها لم يكن سوى دفتر امتزجت أوراقه بدمائها؛ في صورة تختزل، بقسوتها الرمزية، العلاقة العميقة بين حياتها وكتاباتها. فقد رحلت زاهية الزربي وهي في أوج عطائها، أو كما عبّر الشاعر علي الفزاني: “الموت في العنفوان”.
لا يأتي الرحيل في الكتاب كمجرد ثيمة عابرة، بل مركزًا شعوريًا تتفرع منه بقية النصوص. إنه رحيل عن الواقع، وعن الآخرين، وعن الذات، وأحيانًا نحو الحلم أو نحو العدم. تتحول المغادرة، في هذه الكتابة، إلى استجابة دائمة لحالة من القهر والاختناق، كأن النص لا يجد طريقه إلى الحياة إلا عبر تخيّل الخروج منها.
يظهر ذلك بوضوح في النصوص الشعرية، حيث يرتبط الرحيل بالحلم المستحيل، باعتباره محاولة للنجاة من واقع ضاغط ومغلق:
“يجذبنى الحلم المستحيل
فتعشوشب الذاكرة”.
غير أن هذا الحلم لا يلبث أن يتراجع، ليأخذ الرحيل معنى أكثر قتامة، ويقترب من الموت كشكل من أشكال الخلاص:
“من يمنحنى راحة الموت
فأهوى كبنفسجة ذابلة”.
ولا يبقى هذا الإحساس حبيس التجربة الذاتية، بل يمتد إلى المدينة والفضاء العام. فالمدينة في نصوص زاهية ليست مكانًا محايدًا، بل مجال للخوف والمراقبة وتقييد العلاقات. في أحد المقاطع، تتساءل الشخصية عن أبسط حقوقها:
“فلماذا لا يكون لنا أن نتنزه معًا.. دون خوف؟”
وفي موضع آخر، تتحول المدينة إلى ما يشبه السجن:
“أسمي المدينة سجنًا.. يطوقها سياج العساكر”.
لا تنفصل التجربة الوجدانية في الكتاب عن شرطها السياسي والاجتماعي. فالكاتبة لا تكتفي بتسجيل الألم الفردي، بل تفتح نصوصها على نقد واضح للواقع، خصوصًا في المقاطع ذات الطابع السياسي. وهي لا تنحاز إلى خطاب الثورة كخطاب مكتمل أو بريئ، بل تضعه موضع مساءلة، وتكشف ما يتسلل إليه من تناقضات وانحرافات. تقول في أحد المواضع:
“تعرّى.. الانحراف المسلكي والعقائدي لعدد من العناصر الثورية أو المحسوبة على الثورة”.
ويمتد هذا النقد إلى الواقع العربي الأوسع، حيث تتحول المأساة إلى خبر يومي مألوف، ويفقد العنف قدرته على إحداث الصدمة:
“ذُبح ألف فلسطيني فى لبنان.. أمر مألوف.. كمن يستمع إلى حالة الطقس اليومي”
وفي موضع آخر:
“هذا طفل يُقتل.. أمر عادي.. هناك حصار.. أمر عادي”.
هنا يكشف النص عن حالة من التبلد الجماعي، حيث لم تعد المآسي تُستقبل كفواجع، بل كجزء من إيقاع يومي مكرور. وربما لهذا يبدو الرحيل، في كتاب زاهية الزربي، ردًا على عالم لم يعد قادرًا على الدهشة أمام الألم.
يحضر سؤال المرأة أيضًا كأحد المسارات الأساسية في الكتاب. فالمرأة هنا لا تظهر كصوت هامشي، بل كذات واعية بوضعها ومحاصرتها. غير أن وعيها لا يمنحها حرية كاملة، إذ تبقى محكومة بقيود المجتمع، وبما يحمله الخطاب الثوري نفسه من تناقضات تجاهها. تقول الكاتبة:
“ثوريو العالم الثالث يحملون.. ركامًا رجعيًا تجاه المرأة”.
تلتقط هذه العبارة مفارقة لافتة في الكتاب مفادها أن الخطاب الذي يرفع شعارات التحرر قد يعيد، في علاقته بالمرأة، إنتاج البنية نفسها التي يدّعي الثورة عليها. وبذلك يصبح سؤال المرأة جزءًا من نقد أوسع للسلطة، لا في صورتها الرسمية فقط، بل في تجلياتها الاجتماعية والثقافية واليومية.
ولعل اللافت أن الرحيل المبكر للكاتبة لا يبدو حدثًا خارج النص، بل كأنه كان حاضرًا فيه منذ البداية. فالنصوص تكتب الرحيل قبل أن يقع، وتؤسس له كقدر داخلي سابق على تحققه الواقعي. وهذا ما يلتقطه موسى الأشخم في استهلال الكتاب حين يشير إلى “هذا التوق الأبدي للرحيل” لدى الكاتبة. من هنا، لا يقرأ الرحيل إلى مرافئ الحلم ككتاب عن المغادرة فقط، بل أثرًا لكاتبة جعلت من الرحيل لغة، ومن الكتابة محاولة أخيرة لمقاومة الاختناق، أو لتسمية الطريق إليه.