دروج Drooj

حين تصبح الكلمة مخاطرة


العنف الرقمي ضد النساء في ليبيا.. تشهير وتهديدات تدفع الأصوات النسائية إلى الصمت

يشهد الفضاء العام في ليبيا تضييقًا متزايدًا على حرية التعبير، لا سيما تجاه النساء المشاركات في العمل الإعلامي أو الحقوقي أو النقاش العام عبر المنصات الرقمية. وبينما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة بديلة للتعبير والمناصرة، تحولت في الوقت نفسه إلى ساحة مفتوحة للتنمر الرقمي والتشهير والتهديد ومحاولات الإقصاء الاجتماعي.

تروي المهندسة والناشطة المدنية والحقوقية “خديجة عنديدي” جانبًا من هذه التحولات، مشيرة إلى أن منصات كان يفترض أن تكون فضاءً للتعبير والمناصرة أصبحت، في كثير من الأحيان، ساحة للتنمر الرقمي والتشهير والاستهداف الشخصي. وتقول إن بعض الأفراد يستغلون هذه المنصات لتصفية الحسابات، ونشر الأخبار الزائفة، وقيادة حملات تشويه السمعة، إضافة إلى الاستهزاء والتنمر اللذين يطاولان كثيرًا من الشخصيات العامة من النساء والناشطات، خاصة من قبل أشخاص يجهلون حقيقة القضايا المطروحة أو يتعاملون معها بعدائية وتحريض.

وتضيف عنديدي أن النساء الليبيات، خصوصًا الشخصيات العامة والصحفيات والناشطات وصانعات المحتوى، كنّ من أكثر الفئات تضررًا من هذه الممارسات. وترى أن هذه الاعتداءات تتزامن مع استمرار النظرة النمطية التي تحصر دور المرأة داخل المنزل، على الرغم من أن مشاركة النساء في العمل والمجتمع ليست أمرًا طارئًا على الثقافة المحلية أو الدينية. وتؤكد أن بعض الأفكار السائدة في المجتمع الليبي ساهمت في خلق بيئة معادية للنساء الفاعلات في الشأن العام.

وتختم عنديدي بالقول إن الاستمرار في العمل الحقوقي أو الإعلامي وسط هذه الظروف يتطلب قدرًا كبيرًا من العزيمة والإصرار، موضحة أنها واجهت شخصيًا كثيرًا من هذه التحديات، لكنها اختارت مواصلة طريقها رغم صعوبة التجربة، مع ما يرافق ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة.

“العيب” كسلاح ضد النساء الناشطات

ويتزامن تزايد حضور النساء الليبيات في الدفاع عن الحقوق والحريات مع تصاعد الانتهاكات عبر حملات متنوعة من التنمر والاستهداف الرقمي. وهذا ما تؤكده الباحثة الأكاديمية والناشطة في قضايا المرأة والشباب “منال كامل”، التي ترى أن البيئة الرقمية في ليبيا شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا خطيرًا، إذ لم تعد هذه الانتهاكات مجرد مضايقات فردية عابرة، بل تحولت إلى أدوات قمع رقمي ممنهجة ومتصاعدة تستهدف النساء الناشطات في الشأن العام.

وتشير كامل إلى أن هذا التصاعد تزامن مع زيادة حضور النساء الليبيات في النقاشات السياسية والحقوقية، وجرأتهن في التعبير عن آرائهن والمطالبة بحقوقهن. وتوضح أن جزءًا كبيرًا من الفضاء الرقمي أصبح ساحة للاستهداف عبر اختراق الحسابات، والابتزاز الإلكتروني، وحملات التهديد والتشهير، مستغلًا خصوصية المجتمع الليبي والضغط على النساء من خلال المساس بسمعتهن ومكانتهن الاجتماعية.

كما تشير إلى وجود ما تسميه “الجيوش الإلكترونية”، التي تستخدم لتوجيه حملات منظمة ضد الأصوات النسائية المؤثرة، خاصة الشابات القادرات على إحداث تغيير. وترى أن حملات التشهير الرقمية لم تعد عشوائية، بل أصبحت، بحسب وصفها، استراتيجية ممنهجة تهدف إلى “الاغتيال المعنوي” وإقصاء النساء من المجال العام. وتفرض هذه الحملات نوعًا من الرقابة الذاتية على النساء، إذ تجد كثيرات أنفسهن مترددات في المشاركة السياسية أو الإعلامية خوفًا من حملات التشويه التي قد تستهدفهن أو تستهدف عائلاتهن. وتؤكد أن الهدف الحقيقي من هذه الهجمات ليس مناقشة الأفكار أو الاختلاف معها، بل دفع النساء إلى الصمت وإبعادهن عن مواقع التأثير والمشاركة المجتمعية.

ومن واقع تجربتها الشخصية كمرشحة سابقة لانتخابات مجلس بلدي بنغازي، تقول كامل إن المرأة الليبية تدفع ثمنًا نفسيًا واجتماعيًا باهظًا بمجرد دخولها معترك العمل العام والسياسي. وتشير إلى أن الحملات المنظمة التي تمس الناشطات بشكل مباشر تترك آثارًا نفسية عميقة، إذ تعيش المستهدفة تحت ضغط دائم وقلق مستمر وخوف على سلامتها الشخصية وسلامة المقربين منها.

وتؤكد كامل أن الخوف من الاستهداف الرقمي دفع العديد من الناشطات والصحفيات إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي أو تقليص حضورهن ومشاركتهن في النقاش العام، خاصة بعد تعرضهن لضغوط من الأسرة والمحيط الاجتماعي نتيجة حملات التشويه والإساءة. وتضيف أن كثيرًا من النساء يجدن أنفسهن يخضن معركتين في الوقت نفسه، معركة لإثبات كفاءتهن في المجال العام، وأخرى للدفاع عن أنفسهن أمام محيطهن في مواجهة الشائعات والاتهامات الكاذبة. وترى أن هذه الهجمات أصبحت منهجية ومتكررة، وتتجدد مع كل موقف يتعلق بحقوق المرأة أو القضايا العامة، مرجعة ذلك إلى غياب الرادع القانوني الفعال لمواجهة الجرائم الرقمية، إضافة إلى استغلال بعض الجهات للمنظومة الاجتماعية المحافظة واستخدام مفهوم “العيب” كسلاح لتشويه النساء الناشطات.

ورغم ذلك، ترى كامل أن الانسحاب من الفضاء العام ليس حلًا، مؤكدة وجود وعي متزايد بين النساء والشابات الليبيات بأهمية الاستمرار وعدم ترك الساحة خالية أمام محاولات التغييب والإقصاء. وتوضح أن التحدي اليوم يتمثل في بناء شبكات دعم وتضامن، وتعزيز أدوات الحماية الرقمية والقانونية، بما يضمن للنساء المشاركة في العمل العام بحرية وأمان دون خوف من الاستهداف أو التشهير.

صفحات مجهولة وحملات منظمة

ومع تصاعد الاستهداف المنظم للنساء عبر الفضاء الرقمي، يبرز سؤال آخر حول الجهات التي تقف خلف هذه الحملات والآليات التي تضمن انتشارها بهذا الشكل الواسع. فخلف كثير من حملات التشهير وخطاب الكراهية تقف حسابات وصفحات مجهولة يصعب تتبعها أو مساءلتها، لتتحول المنصات الرقمية إلى فضاء يسمح بإعادة إنتاج العنف الاجتماعي بأدوات جديدة وأكثر انتشارًا.

وفي هذا الإطار، تكشف الحقوقية والصحفية “مروة سالم” جانبًا من آليات عمل هذه الشبكات وتأثيرها على حياة النساء وسلامتهن. وتقول إن حملات التشهير والاستهداف الرقمي التي تتعرض لها النساء الليبيات لم تعد مجرد ممارسات فردية معزولة، بل باتت في كثير من الأحيان مرتبطة بشبكات منظمة تعمل وفق آليات واضحة ومصالح مادية.

وتضيف سالم، استنادًا إلى عمل ميداني وبحوث استقصائية تناولت هذه الظاهرة، أن الجهات التي تقف وراء الصفحات والحسابات المجهولة تنقسم إلى فئتين رئيسيتين. الأولى شبكات تدير حملات الكراهية والتشهير مقابل مبالغ مالية، إذ تتقاضى مقابلًا ماديًا عن كل منشور أو مادة مسيئة يتم نشرها. أما الثانية فتتمثل في أفراد يسعون إلى تشويه سمعة أشخاص بعينهم بدافع الغيرة أو الخلافات الشخصية أو المهنية.

وتوضح سالم أن هذه الصفحات لا تستهدف الأشخاص بشكل عشوائي، بل غالبًا ما يتم تزويدها بمحتويات شخصية أو معلومات خاصة مصحوبة بروايات أو ادعاءات قد تكون غير صحيحة، مقابل مبالغ مالية قد تصل، وفق ما رصدته خلال فترة البحث، إلى ما بين 500 و1000 دولار للمنشور الواحد. كما تشير إلى وجود ممارسات أخرى تقوم على سرقة المحتويات الشخصية وإعادة بيعها أو استغلالها في حملات التشهير.

وفيما يتعلق بالحسابات الوهمية، ترى سالم أن كثرتها قد تعطي انطباعًا بوجود عدد كبير من الأشخاص المشاركين في الهجوم، إلا أن الواقع يكشف أن عددًا كبيرًا من هذه الحسابات يدار من قبل أشخاص أو مجموعات محدودة بهدف تضخيم التأثير وإظهار حملات الكراهية كأنها رأي عام واسع. وتؤكد أن العديد من حملات التشهير تبدو منظمة ومتزامنة، إذ تنشط عدة صفحات في الوقت نفسه لنشر المحتوى ذاته أو الرسائل نفسها، بما يعكس وجود تنسيق مسبق بين القائمين عليها. وترى أن حجم الحملة وحدتها يرتبطان غالبًا بحجم التمويل المخصص لها.

وتعزو سالم سرعة انتشار الشائعات المتعلقة بالنساء إلى عوامل اجتماعية وثقافية متعددة، من بينها تنامي الخطابات المعادية للنساء واهتمام الجمهور بالمحتوى المثير والفضائح، حتى عندما يكون مبنيًا على معلومات غير صحيحة. وتؤكد أن إعادة النشر والتفاعل مع المحتوى المسيء، سواء عبر التعليقات الساخرة أو المشاركة المباشرة، يسهمان في توسيع نطاق الضرر وإضفاء شرعية على خطاب الكراهية. وتشير إلى أن بعض هذه الحملات تجاوز حدود الإساءة اللفظية، وأدى إلى آثار اجتماعية ونفسية خطيرة على الضحايا، وصلت في بعض الحالات إلى فقدان الأمان الأسري أو الاضطرار إلى مغادرة أماكن الإقامة.

وتضيف سالم أن غياب المحاسبة القانونية يشكل أحد أبرز أسباب استمرار هذه الصفحات والشبكات، إذ إن البلاغات المقدمة ضدها لا تنتهي في معظم الحالات إلى ملاحقات فعالة، رغم توفر الأدلة الرقمية التي يمكن الاستناد إليها. ومع ذلك، تشير إلى أن بعض الخطوات التي اتخذتها وحدات مكافحة الجريمة الإلكترونية ضد مروجي خطاب الكراهية تمثل مؤشرًا إيجابيًا يمكن البناء عليه مستقبلًا.

وعند المقارنة بين استهداف النساء والرجال في الفضاء الرقمي، تؤكد سالم أن آليات الهجوم قد تكون متشابهة، إلا أن أثرها وانتشارها يختلفان بشكل واضح. فحملات التشهير ضد النساء تلقى تفاعلًا أكبر داخل المجتمع، وغالبًا ما تركز على السمعة والحياة الشخصية بدلًا من الآراء أو المواقف العامة. وترى أن هذا النمط من الاستهداف يرتبط بإدراك الجهات التي تقف وراء هذه الحملات لحجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمرأة داخل السياق الاجتماعي الليبي، حيث قد يؤدي التشهير إلى تهديد حياتها المهنية والاجتماعية، وحتى سلامتها الشخصية.

كما تشير إلى أن النساء يتعرضن بصورة متكررة للتنمر المرتبط بالشكل الخارجي أو الملبس أو الحياة الخاصة، وأن هذه الممارسات تستخدم كوسيلة لمعاقبتهن على حضورهن في الفضاء العام ومشاركتهن في النقاشات العامة. وتؤكد أن النساء يواجهن رقابة اجتماعية أكبر عند التعبير عن آرائهن مقارنة بالرجال، وأن الأصوات النسائية الناشطة كثيرًا ما تتعرض لمحاولات الإخراس أو التخوين أو التهديد.

وتختم سالم بالقول إن غياب ثقافة الحوار وقبول الاختلاف يحول العديد من النقاشات المتعلقة بقضايا النساء إلى حملات تشهير شخصية تستهدف صاحبات الآراء بدلًا من مناقشة أفكارهن ومواقفهن.

كلفة الظهور في المجال العام

ولا تتوقف آثار هذه الحملات عند حدود التشهير والإساءة، بل تمتد إلى التأثير المباشر على قدرة النساء على الاستمرار في التعبير والمشاركة في النقاش العام. وبينما تختار بعض النساء الانسحاب أو تقليص حضورهن الرقمي، تحاول أخريات تطوير آليات للمواجهة والصمود في بيئة تزداد عدائية يومًا بعد يوم.

وفي هذا السياق، تتحدث الصحفية “منى توكا” عن تجربتها في المواجهة داخل بيئة رقمية تتصاعد فيها حملات السخرية والتشهير والتخوين ضد النساء. وتقول إن الصحفيات والناشطات وصانعات المحتوى يواجهن تحديات مضاعفة عند المشاركة في الشأن العام أو التعبير عن آرائهن. فبدلًا من مناقشة الأفكار أو المواقف التي يتم طرحها، تتحول المساحات الرقمية في كثير من الأحيان إلى منصات للسخرية والتخوين والتشهير الشخصي. ولا تتوقف هذه الانتهاكات عند حدود التعليقات المسيئة أو حملات التنمر الإلكتروني، إذ تتطور إلى نشر الشائعات، والتشهير بالسمعة، وانتهاك الخصوصية، وأحيانًا إلى تهديدات مباشرة أو غير مباشرة بالعنف. وهذا ما يجعل كثيرًا من النساء يشعرن بأن تكلفة المشاركة في المجال العام أعلى بكثير مما يدفعه الرجال.

وعن ارتباط تصاعد هذه الحملات بخطاب مجتمعي محافظ، تقول توكا إن ظهور المرأة في المجال العام ما زال، لدى كثير من العقليات السائدة في المجتمع الليبي، خروجًا على “القيم المجتمعية”. وترى أن تصاعد هذه الحملات يرتبط جزئيًا بخطابات اجتماعية محافظة ما زالت تنظر إلى حضور المرأة في الفضاء العام، خاصة عندما تعبر عن مواقف سياسية أو حقوقية، باعتباره أمرًا يستوجب الرقابة أو المحاسبة المجتمعية. كما تسهم هذه الأفكار في توفير بيئة تسمح باستمرار هذه الانتهاكات، خصوصًا عندما يتم تصوير المدافعات عن الحقوق والحريات باعتبارهن تهديدًا للبنى الاجتماعية السائدة. لذلك كثيرًا ما تُقيّم المرأة بناءً على هويتها أو حياتها الشخصية أكثر من تقييم ما تطرحه من أفكار أو مواقف.

وبالنسبة إلى انعكاس ذلك على النساء مقارنة بالرجال، تختم توكا حديثها بالقول إن هذا الواقع يظهر في شكل مراقبة مجتمعية مستمرة ووصم أكبر للنساء، حيث تصبح المرأة أكثر عرضة للتشكيك في نواياها أو أخلاقها أو انتمائها لمجرد مشاركتها في النقاش العام. ولا يؤثر هذا الواقع على النساء المستهدفات بشكل مباشر فقط، بل يحد أيضًا من تنوع الأصوات النسائية المشاركة في الإعلام والعمل العام، ويخلق بيئة أقل أمانًا للتعبير والمشاركة المدنية.

وإذا كانت شهادة توكا تعكس الوجه الإنساني لهذه الظاهرة، فإن الأرقام والدراسات تكشف حجمها الحقيقي، سواء على المستوى الدولي أو المحلي. فالعنف الرقمي ضد النساء في ليبيا لم يعد حوادث متفرقة أو تجارب معزولة، بل تحول إلى نمط متكرر ومتصاعد يؤثر في حرية التعبير ويحد من قدرة النساء على المشاركة الآمنة في الفضاء العام.

الأرقام تكشف حجم الاستهداف

في أغسطس 2024، أعرب أعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن قلقهم من تزايد المضايقات والعنف الرقمي ضد النساء الليبيات، محذرين من أن الاستهداف الإلكتروني وخطاب الكراهية عبر الإنترنت يؤثران بشكل مباشر على قدرة النساء على المشاركة في الحياة السياسية والمدنية والإعلامية، ويشكلان عائقًا أمام حضورهن الآمن والفاعل في المجال العام.

وهذا ما تؤكده القانونية وعضو مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات “رباب حلب”، عبر عرضها نتائج تقرير المفوضية للفترة من يناير إلى يونيو 2025 حول رصد العنف الإلكتروني ضد المرأة في الانتخابات. وتؤكد حلب أن الفضاء الرقمي في ليبيا بات يشكل بيئة خصبة لممارسات الإقصاء والتشهير الموجهة ضد النساء المشاركات في الشأن العام. فقد رصد التقرير أكثر من 85 ألف منشور وتعليق، خضع منها 610 منشورات للتحليل المتعمق، وأظهرت النتائج أن العنف الرقمي لم يعد مجرد إساءات فردية متفرقة، بل تحول إلى نمط منظم يستهدف النساء بسبب حضورهن ومشاركتهن في الحياة العامة والسياسية.

وتقول حلب إن النتائج أظهرت أن النساء العاملات في المجال السياسي وصنع القرار كنّ الفئة الأكثر استهدافًا بنسبة تجاوزت 61 في المئة من إجمالي الحالات المرصودة، تليهن النساء العاملات في المؤسسات الحكومية بنسبة 30 في المئة، بينما استهدفت الهجمات أيضًا المترشحات للانتخابات والداعمات والمراقبات والمؤثرات على منصات التواصل الاجتماعي. ويؤكد ذلك، بحسب حلب، أن الاستهداف لا يرتبط بمواقف أو آراء معينة بقدر ما يرتبط بوجود المرأة نفسه في الفضاء العام.

كما تضيف حلب أن التقرير كشف أن 73 في المئة من المحتوى العنيف تمثل في الإساءة اللفظية المباشرة والتشهير والطعن في السمعة، فيما تضمنت 33 في المئة من المنشورات اتهامات بالفساد أو التواطؤ، و28 في المئة خطابًا عدائيًا يرفض أو يهاجم مشاركة النساء في الشأن العام. ولم تقتصر الانتهاكات على الإساءة المعنوية، إذ تضمنت بعض المنشورات دعوات صريحة للعنف والقتل، إلى جانب أنماط من الشيطنة والتجريد من الإنسانية، بما يعكس تصاعدًا خطيرًا في حدة الخطاب الموجه ضد النساء.

وتستطرد حلب بأن خطورة هذه الممارسات تظهر في آثارها النفسية والاجتماعية، حيث أشار التقرير إلى أن 78 في المئة من حالات العنف الرقمي خلفت آثارًا نفسية مباشرة على الضحايا، بينما تعرضت 16.57 في المئة من النساء للتهميش أو العزلة الاجتماعية نتيجة حملات الاستهداف والتشهير. كما أظهرت البيانات أن العنف الرقمي أثر على ترشح ومشاركة 4.76 في المئة من النساء في العملية الانتخابية، وهو مؤشر مقلق في ظل محدودية تمثيل النساء أصلًا في الحياة السياسية.

وتختم حلب بالقول إن جزءًا كبيرًا من هذا الخطاب العدائي، حسب التقرير، صادر عن حسابات وصفحات مجهولة أو غير موثقة، ما يصعب عملية المساءلة ويعزز الشعور بالإفلات من العقاب. كما خلص التقرير إلى أن العنف الرقمي ضد النساء في ليبيا يعتمد بدرجة كبيرة على التشكيك في الكفاءة والقدرات المهنية، ونشر الشائعات والوصم الاجتماعي، واستخدام تفسيرات دينية وثقافية مغلوطة لتبرير الإقصاء. وبذلك تتحول الكلمة من وسيلة للتعبير والمشاركة إلى أداة للترهيب والإقصاء وإسكات الأصوات النسائية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن العنف الرقمي لم يعد مجرد إساءة عابرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح وسيلة ضغط وإقصاء تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية للنساء وعلى مشاركتهن في الإعلام والعمل المدني والشأن العام. فعندما تصبح الكلمة أداة للتشهير والمنصات الرقمية مساحة للاستهداف والإقصاء، فإن الضرر لا يقتصر على إسكات الصوت النسائي في الفضاء العام، بل يمتد إلى أعماق التجربة الإنسانية للمرأة نفسها.

وهذا ما تؤكده المتخصصة في علم النفس والعلاج النفسي الدكتورة “سليمة معمر”، التي ترى أن الاستهداف الرقمي المتكرر يترك آثارًا نفسية واجتماعية قد تستمر لسنوات، وتنعكس على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية والقدرة على المشاركة في الشأن العام. وتوضح أن حملات التنمر والتشهير والاستهداف الإلكتروني تترك آثارًا نفسية عميقة على النساء، خاصة الناشطات اللواتي يتصدرن الفضاء العام. وتتمثل أبرز هذه الآثار في القلق المستمر، والخوف من نشر الصور أو المعلومات الشخصية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية وأسرية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على شعور المرأة بالأمان والثقة بالنفس.

وتوضح معمر أن التعرض المتكرر للتشهير والتهديد قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والانسحاب من المناسبات العامة، نتيجة الخوف من نظرة المجتمع أو التعرض للمزيد من التنمر. كما قد تشعر المرأة بالخجل وفقدان الثقة بنفسها وبمن حولها، ما يؤثر على علاقاتها الأسرية والاجتماعية وقدرتها على التفاعل الطبيعي مع محيطها.

ولا تقتصر التأثيرات على الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى الصحة الجسدية والسلوك اليومي، حيث قد تظهر اضطرابات في النوم أو الأكل، سواء بالإفراط أو فقدان الشهية، إلى جانب التوتر المزمن والشعور بعدم الاستقرار النفسي. كما ينعكس ذلك على الأداء المهني والدراسي، فتتراجع القدرة على التركيز والإنتاج والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة. وفي بعض الحالات، قد تعاني النساء من أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، حيث تستمر الذكريات المؤلمة لفترات طويلة، وتُستعاد عند التعرض لمواقف مشابهة أو سماع قصص استهداف أخرى، مما يجعل آثار الانتهاك الرقمي تتجاوز لحظة وقوعه وتستمر لسنوات.

أما على المستوى الاجتماعي، فتسهم حملات التشويه في تكريس الوصم الاجتماعي وإثارة الشائعات التي قد تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها، مسببة خلافات أسرية وتوترات اجتماعية قد تصل في بعض الحالات إلى القطيعة أو التفكك الأسري. كما تواجه النساء المستهدفات أشكالًا من الإقصاء المجتمعي وحرمانهن من فرص المشاركة وإثبات الذات.

وتختم معمر حديثها بالقول إن مواجهة هذه التحديات تتطلب دعمًا نفسيًا ومعنويًا من الأسرة والمجتمع للنساء المستهدفات، وتعزيز الثقة بهن وعدم الانجرار وراء الشائعات. كما تبرز الحاجة إلى نشر الوعي بمخاطر التنمر والتشهير الإلكتروني، وتطوير الأطر القانونية التي تجرّم هذه الممارسات وتوفر الحماية للنساء من مختلف أشكال العنف الرقمي والابتزاز والاستهداف عبر الإنترنت.

الحماية القانونية بين النص والتطبيق

وأمام هذه التداعيات النفسية والاجتماعية، تبرز أهمية الحماية القانونية كإحدى الأدوات الأساسية للحد من هذه الانتهاكات، وضمان مساءلة مرتكبيها وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة. فإلى أي مدى توفر التشريعات الليبية الحماية اللازمة للنساء في مواجهة العنف الرقمي؟ وما أبرز التحديات القانونية التي لا تزال تعيق التصدي لهذه الظاهرة؟

توضح أستاذة القانون والناشطة الحقوقية “ناجية العطراق” أن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية رقم 5 لسنة 2022 يمثل الإطار التشريعي الرئيسي لمواجهة الجرائم الرقمية في ليبيا، إذ يجرّم انتهاك الخصوصية، واختراق الحسابات، وانتحال الهوية، والابتزاز، والتشهير الإلكتروني، إلى جانب إمكانية الاستفادة من نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالتهديد والقذف والاعتداء على السمعة. ورغم أهمية هذه التشريعات، ترى العطراق أنها لا تزال بحاجة إلى تطوير أكبر لمواكبة العنف الرقمي الموجه ضد النساء بشكل خاص، إذ تعالج الجرائم الإلكترونية بصورة عامة دون تخصيص نصوص واضحة للانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي.

وتتمثل أبرز التحديات، بحسب العطراق، في صعوبة تحديد هوية الجناة، خاصة عند استخدام الحسابات الوهمية، والطابع العابر للحدود للجرائم الرقمية، والحاجة إلى مزيد من الخبرات الفنية في جمع وتحليل الأدلة الإلكترونية، إضافة إلى التطور السريع للتكنولوجيا مقارنة بوتيرة تحديث التشريعات.

وتؤكد العطراق أن بإمكان الضحايا إثبات الانتهاكات الرقمية من خلال الاحتفاظ بالرسائل والمنشورات المسيئة، وتوثيق المحتوى المخالف وتاريخه، وحفظ الروابط الإلكترونية، والاستعانة بالخبرة الفنية عند الحاجة. وهي أدلة تقبلها الجهات القضائية متى تم جمعها بشكل قانوني. كما تنصح الضحايا بعدم الاستجابة للمبتزين، والإبلاغ الفوري عن الحسابات أو المحتوى المسيء للمنصات المعنية، وتقديم بلاغ رسمي للجهات الأمنية المختصة أو النيابة العامة، التي تتولى متابعة هذه القضايا عبر وحدات متخصصة في الجرائم الإلكترونية.

وتختلف العقوبات بحسب طبيعة الجريمة، وقد تشمل الحبس والغرامات والتعويض عن الأضرار، مع تشديد العقوبة في الحالات التي يترتب عليها ضرر جسيم أو انتهاك خطير للخصوصية والسمعة. وتشير العطراق إلى أن استخدام الحسابات الوهمية ليس جريمة بحد ذاته، لكنه يصبح فعلًا مجرّمًا إذا استخدم في التشهير أو التهديد أو الابتزاز أو انتحال الشخصية، متى أمكن تحديد هوية الفاعل عبر وسائل التحقيق الفني.

وترى العطراق أن تعزيز حماية النساء في الفضاء الرقمي يتطلب استحداث نصوص قانونية خاصة بالعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، وتشديد العقوبات على الابتزاز وانتهاك الخصوصية، وتنظيم الجرائم المرتبطة بالتزييف العميق والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير آليات الإبلاغ والحماية العاجلة للضحايا. وتؤكد أن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء أصبحت ضرورة قانونية ومجتمعية، تتطلب تطوير التشريعات، وتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون، ونشر الوعي القانوني والرقمي لضمان فضاء إلكتروني أكثر أمانًا وعدالة للنساء في ليبيا.

حق النساء في الكلام مسؤولية جماعية

تكشف شهادات النساء والأرقام التي وثقتها المؤسسات المحلية والدولية أن العنف الرقمي في ليبيا لم يعد مجرد إساءات عابرة على الشاشات، بل أصبح ظاهرة تؤثر في الصحة النفسية والسلامة الشخصية والعلاقات الاجتماعية، وتحد من قدرة النساء على المشاركة بحرية في الحياة العامة. وعندما تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات للتشهير والترهيب والإقصاء، تصبح الكلمة نفسها مخاطرة، ويغدو الدفاع عن حق النساء في التعبير والمشاركة مسؤولية جماعية لا تخص النساء وحدهن.

إن مواجهة العنف الرقمي تتطلب تضامنًا فعليًا من المجتمع بمؤسساته وإعلامه ونشطائه ومستخدمي المنصات الرقمية، عبر رفض خطاب الكراهية والتشهير، ودعم الضحايا، ومحاسبة الجناة، والدفاع عن حق النساء في فضاء رقمي آمن. فهذه قضية عدالة وحقوق إنسان، وقضية مجتمع يحتاج إلى أن يكون أكثر أمانًا وإنصافًا للجميع.

ورغم حجم هذه التحديات، تواصل العديد من النساء الليبيات الكتابة والعمل والمشاركة في الشأن العام، رافضات أن يكون الخوف أو حملات الكراهية سببًا لإقصائهن من الفضاء العام.

Share This Article

منشورات ذات صلة

العنف الرقمي ضد النساء في ليبيا.. تشهير وتهديدات تدفع الأصوات النسائية إلى الصمت يشهد الفضاء العام في ليبيا…

منذ أن أقيم كأس العالم للمرة الأولى في أورغواي سنة 1930، ومنذ أن كانت الدول المشاركة فيه لا…

انتحل نصًا من الذكاء الاصطناعي وضع عليه اسمك يُحكى أنه عندما جرى اختراع المسدس قال مخترعه، أو نُسب…

في عالم أصبحت فيه المعرفة واحدة من أهم مصادر القوة الاقتصادية والتقدم الحضاري، لم يعد البحث العلمي شأنًا…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.