لم يكن سقوط برجين لنقل الطاقة في منطقة الفاو مجرد عطل فني عابر. ففي غضون ساعات، تحولت مدن وبلدات كاملة في أقصى الجنوب الليبي إلى مناطق معزولة عن أحد أبسط وأهم مقومات الحياة الحديثة: الكهرباء.
ومع دخول أزمة الانقطاع يومها السابع على التوالي، ما تزال بلديات غات والعوينات وتهالة والبركت تعيش تحت وطأة انقطاع شبه كامل للتيار الكهربائي، في وقت تجاوزت فيه درجات الحرارة 47 درجة مئوية، وتعطلت خدمات المياه في عدد من الأحياء، وتفاقمت معاناة السكان الذين يواجهون ظروفًا استثنائية وسط غياب حلول عاجلة.
لكن الأزمة الحالية لا تبدو مجرد نتيجة مباشرة لسقوط برجين. فهي تعيد إلى الواجهة أسئلة أعمق تتعلق بمدى هشاشة البنية التحتية للكهرباء في الجنوب، ولماذا ما تزال مدن بأكملها معرضة للعزلة بسبب تعطل جزء محدود من الشبكة أو انهيار خط نقل رئيسي؟
وخلال إعداد هذا التقرير، حاولت “دروج” التواصل مع الشركة العامة للكهرباء للحصول على توضيحات بشأن أسباب تأخر إعادة التيار الكهربائي، وخطط الطوارئ المتبعة للتعامل مع الأزمة، والإجراءات الكفيلة بمنع تكرارها مستقبلًا، إلا أن محاولات التواصل لم تسفر عن أي رد حتى لحظة النشر.
حياة معلقة
يصف عدد من سكان المنطقة ما يجري بأنه أزمة تتجاوز انقطاع الكهرباء لتشمل مختلف جوانب الحياة اليومية.
ويقول المواطن (محمود عبد العزيز) إن البلديات الأربع تواجه منذ أيام أزمة مركبة تشمل الكهرباء والمياه والوقود معًا، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، خصوصًا مع تعطل مضخات المياه والخدمات الأساسية.
كما فاقمت هذه الظروف معاناة المرضى، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة ومرضى القلب وكبار السن، الذين يواجهون مخاطر صحية متزايدة نتيجة الحرارة المرتفعة وغياب وسائل التبريد اللازمة.
ولا تبدو معاناة الطلاب أقل حدة، إذ يأتي الانقطاع في فترة تتزامن مع الاستعداد للامتحانات، ما يحرم الكثير منهم من الكهرباء والإنترنت ووسائل المراجعة الأساسية.
من جهته، قال المواطن (إبراهيم تواتي) إن بلديات غات الأربع تعيش أوضاعًا صعبة مع استمرار الأزمة لليوم السابع، مشيرًا إلى أن ما حدث يكشف هشاشة منظومة نقل الطاقة واعتماد المنطقة على مسار رئيسي واحد دون وجود بدائل كافية أو خطوط احتياطية تضمن استمرارية الخدمة عند وقوع الأعطال.
وأضاف أن المواطنين يواجهون نقصًا في الخدمات الأساسية وسط ما وصفه ببطء الاستجابة الرسمية، مؤكدًا أن الكهرباء والمياه والوقود تمثل حقوقًا أساسية وليست خدمات كمالية.
أما المواطن (عز الدين الأنصاري) فيرى أن الأزمة الحالية ليست حدثًا استثنائيًا، بل امتداد لمعاناة مزمنة عاشها سكان الجنوب لسنوات طويلة. ويقول إن تكرار الانقطاعات واستمرار الوعود دون نتائج ملموسة عزز شعور المواطنين بالتهميش، خصوصًا مع تضرر الأسر والمرضى وكبار السن والأطفال بصورة مباشرة من تداعيات الأزمة.
كما تقول (زمزم أحمد موسى) إن انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للأسر، حيث تتوقف الثلاجات وتتلف المواد الغذائية ويتعطل ضخ المياه، فيما تضطر بعض العائلات إلى قضاء ساعات طويلة خارج المنازل أو النوم في الأماكن المفتوحة هربًا من الحرارة.
وترى (فاطمة الجملي) أن الأزمة تجاوزت حدود الخدمة العامة لتصبح مرتبطة بالحق في الحياة الكريمة، موضحة أن الأطفال وكبار السن والمرضى يدفعون الثمن الأكبر في ظل غياب التبريد وانقطاع المياه وتلف بعض الأدوية الحساسة للحرارة.
كما تشير (فاطمة أحمد العربي) إلى أن تداعيات الأزمة تمتد إلى الأنشطة الاقتصادية الصغيرة ومصادر دخل المواطنين، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تعطيل الأعمال وتراجع الإنتاج وارتفاع التكاليف التشغيلية.
المولدات والطاقة الشمسية.. حلول فردية لأزمة جماعية
وتؤكد الطبيبة (حواء التركي) من مدينة مرزق أن أزمة الكهرباء في الجنوب الليبي ليست أزمة طارئة، بل مشكلة قديمة رافقت سكان المنطقة لسنوات طويلة، وتوضح أن انقطاع الكهرباء لا يمثل أزمة منفردة، بل يخلق سلسلة من الأزمات المتداخلة التي تثقل كاهل المواطنين، خصوصًا في المدن والقرى النائية التي تعاني أصلًا من نقص الخدمات الأساسية. وتشير التركي إلى أن استمرار الأزمة فتح المجال أمام ارتفاع أسعار البدائل، مثل المولدات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية، فرض أعباء إضافية على أصحاب الدخل المحدود، ودفع بعض الأسر إلى البحث عن حلول فردية لمواجهة أزمة يفترض أن تعالج على مستوى السياسات العامة والبنية التحتية.
كما تلفت إلى أن تراجع الخدمات الأساسية ساهم في تنامي الهجرة الداخلية من بعض مناطق الجنوب نحو المدن الكبرى، بحثًا عن ظروف معيشية أفضل، رغم ما يرافق ذلك من أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة.
فيما يرى المواطن (عمر إبراهيم) أن جزءًا من أزمة الكهرباء يرتبط بارتفاع الاستهلاك وضعف ثقافة الترشيد، لكنه يؤكد أن المشكلة تتجاوز سلوك المستهلك إلى قضايا أكثر عمقًا تتعلق بتهالك شبكات النقل والتوزيع وضعف أعمال الصيانة والاستثمار.
وفي السياق ذاته، يقول (سعد عبد الله) إن الجنوب الليبي يعيش مفارقة قاسية؛ إذ تخرج من أراضيه موارد النفط والغاز والمياه التي تغذي مناطق واسعة من البلاد، بينما يعاني سكانه من نقص الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والوقود.
ويشير إلى أن الانهيارات المتكررة في الشبكة تعكس، بحسب آراء محلية ومتخصصين، قصورًا في تنفيذ بعض المشاريع السابقة واعتمادًا مستمرًا على حلول مؤقتة وشبكات نقل طويلة وهشة تجعل المنطقة عرضة للأزمات مع كل عطل طارئ.
ويرى أن النقاش حول مستقبل الكهرباء في الجنوب يجب أن يتجاوز المعالجات الإسعافية المؤقتة، ليشمل مشاريع استراتيجية أكثر استدامة، سواء عبر تطوير البنية التحتية القائمة أو الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية التي تمتلك المنطقة إمكانات كبيرة للاستفادة منها.
تكشف أزمة الأيام السبعة الماضية عن أكثر من مجرد خلل فني في شبكة الكهرباء. فهي تعيد طرح أسئلة مؤجلة منذ سنوات حول أولويات الاستثمار في البنية التحتية، ومدى جاهزية خطط الطوارئ، وغياب البدائل التي تمنع عزل مدن كاملة عند تعطل خط نقل أو سقوط برج كهرباء.
وبينما لا يزال سكان غات والعوينات وتهالة والبركت ينتظرون عودة الاستقرار إلى الخدمات الأساسية، تبقى أسئلة جوهرية بلا إجابات واضحة: لماذا تتكرر الأزمة بالحدة نفسها عامًا بعد عام؟ ولماذا لم تتحول مشاريع الطاقة البديلة إلى واقع فعلي؟ وهل أصبحت أزمة الكهرباء في ليبيا أزمة إدارة وتخطيط أكثر منها أزمة تقنية؟
أسئلة حاول “التقرير” طرحها على الشركة العامة للكهرباء، لكنها ظلت كذلك دون إجابة حتى لحظة النشر.