تُعد تجربة الانتخابات بصورتها المتعارف عليها حديثة ومحدودة في ليبيا. وخلال فترة حكم القذافي تبنت ليبيا نموذجًا خاصًا للحكم أُطلق عليه سلطة الشعب، اعتبر فيه القذافي أن الانتخابات تقوم على مبدأ التمثيل، وأن التمثيل وفق تصوره يمثل انتقاصًا من حق الشعب في ممارسة سلطته المباشرة. وبناء على هذا التصور تم استبدال التمثيل النيابي بآلية تقوم على تصعيد أعضاء المؤتمرات واللجان الشعبية ضمن نظام ادعى تحقيق المشاركة المباشرة للمواطنين، إلا أن طبيعة هذا النظام وآليات الاختيار المرتبطة به أسهمت في تعزيز الاعتبارات الاجتماعية والقبلية على حساب حرية الاختيار الفردي.
فقد أدى غياب الاقتراع السري ومنع الحملات الانتخابية واعتماد التصويت العلني وغياب الرقابة من المنظمات المدنية المستقلة، إلى جعل المشاركة السياسية أكثر ارتباطًا بالضغوط الجماعية والانتماءات المحلية والقبلية. ونتيجة لذلك، تحولت الممارسة السياسية في كثير من الأحيان من كونها اختيارًا فرديًا قائمًا على البرنامج والكفاءة إلى ممارسة مرتبطة بالولاءات الاجتماعية. الأمر الذي حد من تطور ثقافة سياسية قائمة على المواطنة والمسؤولية الفردية داخل المجتمع، كما انعكس هذا النمط من الممارسة على طبيعة الدولة نفسها، فاعتماد النظام السياسي على هياكل مرتبطة بشخص القائد أكثر من ارتباطها بمؤسسات مستقلة وقواعد دستورية مستقرة، أدى إلى هشاشة البناء المؤسسي.
وعندما انهار النظام عقب ثورة فبراير، وجدت ليبيا نفسها أمام فراغ سياسي ومؤسساتي كبير تمثل في غياب إطار دستوري متوافق عليه، وضعف الخبرات القادرة على إدارة مرحلة الانتقال، نتيجة للافتقار إلى الممارسة الانتخابية لسنوات، وهو ما شكل تحديًا أساسيًا أمام أي استحقاق انتخابي لاحق.
من تجارب متعثرة إلى أزمة في الثقة
وعلى الرغم من حداثة تجربة الإنتخابات في ليبيا بعد عام 2011 وارتباطها بظروف اتّسمت بعدم الاستقرار والانقسام السياسي والأمني، إلا أنها تمثل مرحلة مهمة في تطور نوع من التنمية السياسية في ليبيا. فقد شهدت البلاد في يوليو 2012 أول انتخابات وطنية لاختيار أعضاء المؤتمر الوطني الذي مثل حينها أول جسم تشريعي مُنتخب من الشعب. وجاء ذلك بعد أن شهدت ليبيا لأول مرة إنشاء جهة مستقلة تتولى إدارة العملية الانتخابية فيها، تختص بالإعداد لها والإشراف على مراحلها المختلفة بموجب القرار رقم (3) لسنة 2012، عندما أُسندت هذه المهام إلى المفوضية العليا للانتخابات.
ووفقًا لسجلاتها، بلغت نسبة المشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني حينها نحو 61% من عدد المسجلين في السجل الانتخابي، كما تم إعداد وتهيئة أكثر من 27696 مواطنًا للعمل كمراقبين مستقلين ووكلاء للمرشحين وإعلاميين محليين، إلى جانب مشاركة نحو 330 منظمة محلية في مراقبة وتقييم العملية الانتخابية في 13 دائرة على مستوى ليبيا. وتكررت التجربة لاحقًا مع انتخاب مجلس النواب في 2014، فضلًا عن تجارب انتخابية أخرى على مستوى المجالس البلدية. وقد أسهمت هذه الممارسات المتتابعة، رغم محدودياتها، في خلق مساحة جديدة للتعلم السياسي، حيث بدأ المواطن الليبي يتعرف بصورة عملية على مفاهيم الانتخابات، والحملات الانتخابية، والمراقبة، وفرز الأصوات وإعلان النتائج، وما يكفله له القانون من حرية التنظيم السياسي، وحق التجمع، وحرية التعبير والمشاركة في الشأن العام.
كما أن تلك الأرقام عكست وقتها وجود رغبة مجتمعية حقيقية في الانخراط في المرحلة السياسية الجديدة، فلم تقتصر المشاركة على الإدلاء بالأصوات، بل امتدت إلى الرقابة والتقييم وبناء الثقة وتعزيز الشفافية، الأمر الذي عُد مرحلة مهمة في تشكيل نوع من الخبرة الانتخابية والمدنية لدى المجتمع الليبي.
وفي دراسة له نشرت في العام 2019 بعنوان ”اتجاهات الليبيين نحو عملية التحول الديموقراطي خلال السنوات 2012–2014“، يجادل أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس الدكتور مصطفى عبدالله اخشيم، أن ليبيا خلال الفترة ما بين 2011 و2015، أصبحت نظامًا سياسيًا ديموقراطيًا، تحوّل فيه المواطن من ثقافة سياسية محلية ضيقة الأفق، سمّاها أبرشية أو خاضعة، إلى ثقافة المشاركة والتفاعل في كل ما يتعلق بشؤون بلاده.
غير أن بناء هذه التجربة يحتاج إلى الممارسة المنتظمة، وقد واجه هذا المسار في ليبيا العديد من العوائق خلال العقد الماضي، نتيجة لعدم تمكن البلاد من إجراء استحقاقات وطنية متكررة ومنتظمة، مما انعكس على حضور التجربة الانتخابية في الوعي العام الجمعي. إذ تراجعت فرص التعلم الديموقراطي القائم على الممارسة الفعلية، فشريحة واسعة من الليبيين ممن بلغوا اليوم السن القانونية لم يسبق لهم المشاركة في أي عملية انتخاب، واقتصرت خبرة البعض منهم في ممارسة هذا الاستحقاق على صعيد الانتخابات البلدية التي شهدت بدورها مستويات متفاوتة من المشاركة اقتصرت على مرحلة الاقتراع فقط.
ويرتبط ذلك جزئيًا بحالة من الإحباط وفقدان الثقة التي نشأت لدى الكثيرين، نتيجة إدراكهم أن التغيير السياسي الشامل الذي تنشده ليبيا لا يكفيه التغيير على المستوى المحلي، وذلك في ظل أزمة الانقسام التي طالت السلطة العليا الموحدة منذ عقد مضى. وترتبط هذه الأزمة بترتيبات سياسية بين أطراف متنافسة عبر اتفاقات وتفاهمات لم تكن ناتجة عن تفويض انتخابي مباشر من الشعب، مما أدى إلى احتكار السلطة وإحكام السيطرة عليها من قبل بعض الأجسام لفترات تجاوزت الحدود التي رسمتها التشريعات، وهو ما انعكس سلبًا على ثقة المواطنين بجدوى المشاركة السياسية، وأسهم في تراجع الاهتمام بتعزيز الوعي الانتخابي وترسيخ أهميته لدى المواطن.
ماذا يتعلم المجتمع من ممارسة الانتخابات؟
يرى مفهوم فلسفة الفعل أن الإنسان لا يولد محملًا بهوية أو قيم أو سلوكيات سياسية جاهزة، وإنما يبنيها تدريجيًا من خلال علاقاته وتفاعلاته مع الآخرين. وقد طور هذه الأفكار عالم الاجتماع الأمريكي جورج هربرت ميد، في العقود الأولى من القرن العشرين، ضمن نظريته التفاعل الاجتماعي، وذلك من خلال تأكيده على أن الفرد يشكل ذاته ودوره الاجتماعي عبر الخبرة والتفاعل المستمر.
والفرد الذي يمارس العملية الانتخابية تباعًا، يتحول إلى مواطن سياسي فعال يشكل ذاته من خلال الممارسة والتعلم الديموقراطي المتواصل. ويحدث هذا بحسب مفهوم فلسفة الفعل من خلال مرحلتين أساسيتين، الأولى هي مرحلة تقمص الدور، حيث يتعلم المواطن فهم دوره وموقعه داخل المجتمع ويدرك المسؤوليات والتوقعات المرتبطة به. فلا يكون الناخب مثلًا مجرد شخص يختار مرشحًا وفقًا لمصلحته الخاصة، بل يكون على مستوى من الوعي والمسؤولية تجعله يأخذ في الاعتبار المصلحة العامة عند اختيار من يراه أقدر على تمثيل المجتمع وخدمته. كما أن المرشح في المقابل لا يكتفي بالسعي للحصول على الأصوات وحسب، بل يحاول فهم احتياجات المواطنين والاستجابة لها، بينما يدرك المسؤول أهمية الحياد والنزاهة عند الإشراف على الانتخابات.
أما المرحلة الثانية، وهي صنع الدور، فتتجاوز مجرد التزام المواطن السياسي بالأدوار والقواعد الانتخابية إلى المشاركة في تطويرها، فيدعو مثلًا إلى تنظيم المناظرات أو يطلق حملات تشجيعية للمشاركة في العملية السياسية، أو يتصدى لأي إجراء مضلل ويدعو إلى مزيد من الشفافية والنزاهة خلال مرحلة الاستحقاق الانتخابي، عليه يصبح طرفًا فاعلًا في تحسين التجربة الديموقراطية نفسها.
وفي هذا السياق تستعيد فكرة أرسطو أهميتها؛ إذ رأى أن الفضائل لا تُكتسب بالمعرفة المجردة وإنما بالممارسة العملية، فكما يصبح الإنسان عازفًا بالعزف وحكيمًا بممارسة الحكمة، كذلك لا يصبح مواطنًا فاعلًا بمجرد تعلم مبادئ المواطنة أو السماع عنها، وإنما بفعلها في الواقع.
ما قبل صندوق الاقتراع وما بعده
تحول المسار في الفكر السياسي الحديث إلى آليات مؤسسية تجعل الشعب مصدر شرعية السلطة، وأصبحت الديموقراطية أبرز تجسيد لمبدأ سيادة الشعب، فيما غدا الانتخاب وصندوق الاقتراع أداتها الأبرز لتحويل هذا المبدأ إلى ممارسة عملية. ومع أن الديموقراطية تتجاوز التصويت لتشمل الحقوق والحريات والمؤسسات وسيادة القانون، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد أن إرادة الشعب أساس سلطة الحكم، وأن التعبير عنها يكون عبر انتخابات دورية حرة ونزيهة.
غير أن الاعتراف بهذا الحق دوليًا لا يعني بالضرورة اكتمال ممارسته، إذ لا تزال تجارب، ومنها التجربة الليبية، تواجه تحديات سياسية ومؤسسية تجعل الانتخابات تتأرجح بين الطموح والتعثر، وتؤدي إلى تأجيل الاستحقاق الانتخابي بدل ترسيخه. ولنزع القدسية عن هذا الاستحقاق في مواجهة المنتقدين الذين يبنون اعتراضهم على النتائج السيئة التي قد تفرزها نتائج الاقتراع، يكفي التذكير بأن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة يمارس المواطن من خلالها أحد حقوقه الأساسية.
فقد لا تكفل الانتخابات في كل مرة وصول سلطة حكيمة أو عقلانية، ولا تستطيع ضمان أن تكون مخرجاتها دائمًا إيجابية أو دافعة نحو التقدم، غير أن الميزة الجوهرية للنظام الديموقراطي الذي يقوم على الانتخاب، تكمن في أن السلطة التي تأتي عبر إرادة الناخبين، يمكن استبدالها أو الإطاحة بها بذات الإرادة، متى احتفظ المجتمع بحقه في اختيار من يحكمه.
فليس هدف الانتخابات إنتاج حُكام عباقرة أو حكومات مثالية، بل هي وسيلة تؤدي ممارستها في كل مرة إلى حماية المواطنين من سلطة طاغية، ولكي يتحقق ذلك يجب أن تُمارَس الانتخابات بشكل دوري ومستمر. كما أن استدامتها تقتضي أن يطالب الناس بحقهم في الانخراط السياسي والمنافسة الحقيقية للوصول إلى نموذج الحكم الديموقراطي المنشود، فالديموقراطية لا تقوم على صناديق الاقتراع وحسب، بل تستلزم قبل كل شيء وجود مواطن يمتلك ثقافة مدنية وسياسية تؤهله للمشاركة الواعية، تزامنًا مع وجود منظومة قانونية متكاملة توفر البيئة المناسبة لإجراء هذا الاستحقاق.
فمما لا شك فيه أن انهيار الأنظمة الاستبدادية وحده لا يضمن بالضرورة قيام نظام ديموقراطي فورًا، سيما في دولة مثل ليبيا تعاني أساسًا من ضعف في المؤسسات والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، إذ غالبًا ما تفرز التحولات السريعة والفوضوية حكومات تضم نُخبًا من النظام السابق أو قيادات غير مؤهلة، لا تلتزم التزامًا حقيقيًا بمبادئ الديموقراطية، مما يستدعي وجود تلك البيئة القانونية والتشريعية لتكون الضامن الأول لممارسة حق الفرد في الاختيار، والقاعدة التي تنطلق منها العملية الانتخابية برمتها، إلى جانب ضمان التزام الحكام الذين تم اختيارهم بتسليم السلطة عند انتهاء فترة حكمهم.