تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروج Drooj

الأخلاق بوصفها سلطة على النساء

لم يكن افتتاح مقهى مخصص للنساء في إجدابيا مجرد افتتاح مشروع تجاري جديد. سرعان ما تجاوز النقاش حدود المكان إلى ما يجوز للمرأة أن تفعله، وأين يمكنها أن تجلس، وما إذا كان اجتماع النساء في مساحة مستقلة أمرًا عاديًا أم مدعاة للقلق. هكذا أصبح المقهى، في جانب من الجدل المثار حوله، موضوعًا للحكم الأخلاقي قبل أن يكون مشروعًا تُناقش طبيعته أو خدماته أو مدى التزامه بالقانون.

تكشف هذه الواقعة عن مشكلة تتجاوز المقهى نفسه: امتلاك بعض الفاعلين الاجتماعيين شعورًا بأن لهم حقًا في مراقبة خيارات النساء وتحديد المقبول منها، حتى في غياب دليل على وقوع ضرر. لا يتعلق الأمر هنا بمنع النقد أو مصادرة حق الناس في التعبير عن قناعاتهم، بل بالحد الفاصل بين أن يختار الإنسان ما يناسبه، وأن يحوّل اختياره إلى معيار ملزم للآخرين.

فالمقهى المخصص للنساء ليس، بمجرد تخصيصه لهن، دليلًا على مخالفة أو تهديد للأخلاق العامة. وأي اعتراض عليه ينبغي أن يستند إلى وقائع واضحة، لا إلى افتراضات مسبقة عن النساء أو إلى تصورات تجعل اجتماعهن في مساحة مستقلة أمرًا يستدعي الريبة. لكن تحويل المكان إلى قضية أخلاقية يكشف عن تصور لا يتعامل مع المرأة بوصفها فردًا يملك حق الاختيار، بقدر ما يتعامل معها بوصفها موضوعًا لرقابة الأسرة والجماعة.

المشكلة ليست في اختلاف الناس حول المقهى، بل في افتراض أن اختلاف المرأة عن المألوف يمنح الآخرين حق مساءلتها عن خياراتها.

تكتسب هذه المسألة عمقًا أكبر في مجتمع تتداخل فيه الأعراف مع النفوذ الاجتماعي والقبلي. فالقبيلة، بوصفها رابطة انتماء وتكافل، ليست المشكلة في ذاتها؛ إنما تبدأ المشكلة عندما تتحول الروابط الاجتماعية إلى سلطة تتجاوز التضامن إلى فرض السلوك، أو عندما تصبح سمعة الجماعة مبررًا لتقييد حقوق أفرادها. عندها لا يعود العرف مجرد ممارسة اجتماعية قابلة للنقاش، بل يتحول إلى معيار غير مكتوب يُطلب من الجميع الامتثال له، حتى إن تعارض مع حرياتهم وحقوقهم.

وتستمد هذه السلطة جانبًا من قوتها من تقديم الرقابة باعتبارها حماية. فالاعتراض على خيارات النساء قد يُصاغ بلغة الحرص على الأسرة أو صون القيم، بما يجعل التدخل يبدو واجبًا اجتماعيًا لا ممارسة للوصاية. لكن حماية الأسرة لا تعني امتلاك حق مطلق في تقرير حياة أفرادها، وصون القيم لا يقتضي إخضاع الجميع لتصور واحد عن السلوك المقبول. هناك فرق بين قيمة يلتزم بها الإنسان عن اقتناع، وقاعدة تفرضها الجماعة على الغير تحت ضغط السمعة والخوف من الرفض الاجتماعي.

تظهر خطورة هذا الخلط عندما تصبح المرأة مسؤولة عن تجنب الشبهات أكثر من مسؤولية المجتمع عن احترام حقوقها. فبدلًا من تقييم الأفعال وفق أدلتها ونتائجها، يُنظر إلى بعض خيارات النساء باعتبارها موضع اشتباه في حد ذاتها. وتصبح حرية الحركة والعمل والاجتماع مجالًا للتفاوض مع المحيط الاجتماعي، لا حقًا يمارسه الفرد ضمن حدود القانون وحقوق الآخرين.

ولا يعني ذلك أن كل من انتقد المقهى يسعى إلى فرض الوصاية، أو أن جميع سكان إجدابيا يتبنون موقفًا واحدًا. فالآراء داخل المدينة، كما في غيرها، ليست كتلة متجانسة، والنقد المسؤول لا يساوي بين الاعتراض على مشروع تجاري لأسباب محددة وبين رفض حق النساء في المساحات العامة. لكن التمييز بين المواقف لا ينبغي أن يمنع فحص المنطق الذي يجعل وجود مساحة مخصصة للنساء قابلًا للتحول إلى قضية تتعلق بأخلاق المدينة كلها.

وتزداد أهمية هذا الفحص عند النظر إلى طريقة تعامل المجتمع مع الانتهاكات التي تستهدف الفئات الأضعف. فقد أثيرت في إجدابيا قضايا تتعلق باستغلال أطفال وقاصرات، وتداولت منصات التواصل معلومات عن وقائع مؤلمة، من بينها ما قيل عن استغلال طفلة لم تبلغ الحادية عشرة من عمرها. ولا يجوز الجزم بتفاصيل هذه الوقائع أو بناء اتهامات عليها من دون تحقق مستقل، لكن القضايا المتعلقة بسلامة الأطفال تستحق معالجة جادة تستند إلى الأدلة، وتحمي الضحايا، وتضمن المساءلة.

لا يصح الادعاء بأن المجتمع تجاهل هذه القضايا كلها، أو أن حجم التفاعل معها كان أقل بالضرورة من التفاعل مع المقهى، ما لم تدعم ذلك مقارنة موثقة. غير أن هذه القضايا تفتح مجالًا ضروريًا لمراجعة أولويات الخطاب الأخلاقي: هل تُوجَّه الرقابة الاجتماعية إلى الأفعال التي تنتهك حقوق الآخرين، أم تمتد بسهولة أكبر إلى خيارات النساء التي لا يثبت أنها ألحقت ضررًا بأحد؟ وما الذي يجعل بعض القضايا قابلة للتحول إلى سجال عام، بينما تحتاج قضايا الحماية والمساءلة إلى جهد أطول حتى تحظى بالاهتمام الكافي؟

هذه ليست مقارنة بين عدد التعليقات على واقعتين، بل بين معيارين مختلفين للحكم. الأول ينطلق من حقوق الإنسان ووجود ضرر يمكن إثباته ومحاسبة المسؤول عنه. والثاني ينطلق من القلق إزاء سلوك يختلف عن المألوف، ثم يتعامل مع هذا القلق كما لو كان دليلًا كافيًا على وجود مشكلة. وإذا لم يُفصل بين المعيارين، أمكن تحويل كل اختلاف اجتماعي إلى تهمة، في الوقت الذي تصبح فيه مواجهة الانتهاكات الفعلية أكثر تعقيدًا بسبب النفوذ والمصالح والخوف من الفضيحة.

ولا تقتصر هذه المفارقة على إجدابيا. فصور الوصاية الاجتماعية على النساء موجودة في مدن ليبية مختلفة، وإن اختلفت مظاهرها ودرجاتها واللغة التي تُبرَّر بها. لذلك فإن تحويل النقاش إلى مواجهة بين الشرق والغرب لا يساعد على فهم المشكلة، بل يتيح لكل طرف إدانة الآخر والتغاضي عن الممارسات الموجودة في محيطه. ليست هناك منطقة تحتكر المحافظة أو الانفتاح، كما لا توجد مدينة بمنأى عن التناقض بين القيم المعلنة وطريقة تطبيقها.

ما يستحق النقد، إذن، ليس مجتمعًا بعينه ولا رابطة اجتماعية في حد ذاتها، بل منطق يمنح الجماعة حقًا واسعًا في تقرير ما ينبغي للفرد أن يفعله. ويتطلب نقد هذا المنطق التمييز بين التضامن والوصاية، وبين احترام العادات وإخضاع الأفراد لها، وبين حق الإنسان في التمسك بقيمه وادعائه أن له سلطة فرضها على الآخرين.

فالمجتمع الذي يريد حماية أطفاله ونساءه يحتاج إلى أكثر من حملات الاستنكار. يحتاج إلى مؤسسات تستقبل الشكاوى، وقانون يطبق على الجميع، وإجراءات تحمي الضحايا، ومساءلة لا تتراجع أمام النفوذ الاجتماعي. كما يحتاج إلى ثقافة لا تجعل الإبلاغ عن الانتهاكات تهديدًا لسمعة الأسرة، ولا تحمّل الضحية مسؤولية الأذى الذي تعرضت له، ولا تخلط بين استقلال المرأة وبين انتهاكها لحقوق الآخرين.

ليس المطلوب أن يتخلى الناس عن قناعاتهم أو أن يتوقفوا عن مناقشة ما يرونه مناسبًا لمجتمعهم. المطلوب أن تكون هذه المناقشة محكومة بحدود واضحة: لا اتهام من دون دليل، ولا وصاية لمجرد الاختلاف، ولا تحويل للعرف إلى سلطة تعلو على الحقوق والقانون. فالقيم التي لا تستطيع التمييز بين الضرر الفعلي والسلوك المختلف تفقد قدرتها على حماية الإنسان، وتتحول إلى أداة لضبطه.

افتتاح مقهى للنساء لا يثبت وحده أن المجتمع يمارس الوصاية، كما أن الاعتراض عليه لا يكفي وحده لإدانة مدينة بأكملها. لكن الطريقة التي يُناقش بها المكان يمكن أن تكشف حدود العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين القناعة الشخصية والسلطة الاجتماعية. ومن هنا تبدأ أهمية القضية: ليس في تحديد ما إذا كان المقهى يرضي هذا الطرف أو ذاك، بل في التمسك بمعيار يجعل حقوق النساء شأنًا يُحترم، لا امتيازًا يُمنح بقدر موافقة المجتمع على خياراتهن.

فالأخلاق التي تحتاج إلى مراقبة النساء كي تثبت حضورها ليست معيارًا مكتملًا للعدل؛ معيارها الأهم هو قدرتها على حماية الإنسان من الأذى، ومحاسبة من ينتهك حقوقه، ومنع أي سلطة اجتماعية من تحويل الاختلاف إلى ذريعة للوصاية.

Share This Article

منشورات ذات صلة

لم يكن افتتاح مقهى مخصص للنساء في إجدابيا مجرد افتتاح مشروع تجاري جديد. سرعان ما تجاوز النقاش حدود…

سأكتُب. لا أريد أن يموت هذا السرّ الجميل معي، السرّ الذي لم تفهمه ابنتي ولا أبيها ولا أمي…

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد…

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.