دروج Drooj

أطفال التوحد: رحلة البحث عن مركز آمن لطفلي في طرابلس

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد الانهيار أولًا، ومحاولة رفض التصديق، بدأت رحلة البحث عن إجابة عمّا يحدث لطفلي. كانت رحلة صعبة. طبيب الأطفال يحيلك إلى طبيب أعصاب، وطبيب الأعصاب يقول لك إن طفلك لا يعاني من شيء، وإنه يحتاج فقط إلى الاختلاط بالأطفال. نسمع كل الكلام ونأخذ به، ونعود إلى البيت. يختلط الطفل بالأطفال، ولا يحدث شيء. تمر سنة ونصف أخرى، وتصبح الأمور التي كنا نلاحظها أكثر وضوحًا.

طبيب أعصاب آخر. طبيب أنف وأذن وحنجرة. فحوصات وانتظار ومواعيد وتحويلات. لا أحد يعطينا خطة للتعامل مع الحالة، ولا أحد يشرح لنا ببساطة ما الذي يحدث لطفلنا، وإلى أين يتوجب علينا الذهاب. نتخبط من دون وجهة، حتى نصل في نهاية المطاف إلى طبيب نفسي مختص بالأطفال، ونحصل أخيرًا على التشخيص: التوحد. 

كنت مخطئة حين ظننت أن الحصول على التشخيص يعني انتهاء المرحلة الأصعب. فقد كان التشخيص بداية رحلة أخرى مليئة بالمخاوف والتحديات.

كان علينا أن نبدأ فورًا جلسات تعديل السلوك والتخاطب وغيرها من الجلسات التي يحتاج إليها الطفل التوحدي في سن مبكرة. كانت التكلفة نحو ألف وأربعمئة دينار شهريًا، تُدفع مقدمًا، إلى جانب ضرورة حضور ولي الأمر، ما يعني أن على أحد الوالدين أن يترك عمله وحياته ومواعيده، ويتفرغ لمرافقة الطفل.

ثم بدأت رحلتنا مع المراكز. واكتشفت سريعًا أن أمام الوالدين مسارات عدة يمكن اختيار ما يناسب الطفل منها، وأن لكل مركز منهجه الخاص، كما أن لكل مسؤول وولي أمر اجتهاده وظروفه. فبعض المراكز تعمل بأساليب لا تستند إلى توصيات علمية، وبعضها يتبع مناهج تكتشف، عند البحث عنها، أن فعاليتها لم تثبت. والوقت يمر، وهو أمر بالغ الأهمية لطفل يحتاج إلى تدخل مبكر.

ذهبنا إلى أحد أكبر المراكز المتخصصة في طرابلس. كنت أجلس في الخارج أنتظر طفلي، وأسمع صراخ الأطفال. حاولت في البداية إقناع نفسي بأن الأمر طبيعي، وأن الأطفال قد يبكون خلال الجلسات. لكن اتضح لي أن ما يحدث يتجاوز بكثير بكاء طفل يرفض الجلسة. كان هناك عنف. سمعت إهانات تصلني من داخل الفصول، وسمعت مقدمي الرعاية يصرخون في وجه الأطفال. بدت لي الغرف، وأنا جالسة في الخارج، كأنها غرف تعذيب.

وفي أحد الأيام رأيت مقدمة رعاية تحاول إطعام طفل غير ناطق لم يتجاوز الرابعة من عمره. أغلقت أنفه وأجبرته على ابتلاع الطعام، وكلما بصق الطعام ضربته. أخرجت طفلي من المركز فورًا. كلفنا هذا المكان ألفًا وسبعمائة دينار شهريًا، ومع ذلك لم أكن أضمن ألّا يتعرض طفلي للإساءة على يد مقدمي الرعاية.

ثم ذهبنا إلى مركز ثانٍ. سمعنا كلامًا كثيرًا عن العناية والاهتمام والتطور، والكثير من العسل في الرواني، لكن دخول أولياء الأمور إلى الفصول كان ممنوعًا. كان طفلي يخرج منها تعيسًا كل يوم، بعيون غارقة في الدموع، وكنت أصدّق الصور والمقاطع التي يصورونها له ويُرونها لي، وهو فيها يتلقى الجلسات ويتفاعل. كذّبت عيناه وصدقتهم، إلى أن أتيت لاصطحابه إلى البيت ذات يوم، فوجدت باب الفصل مفتوحًا. سمعت صرخة، ثم سبًا وشتمًا. كانت الأخصائية تصرخ بأعلى صوتها، وتهين الأطفال وتدعو عليهم. أخرجت طفلي من المكان فورًا.

وفي مركز ثالث، لم أكن بحاجة إلى سماع شيء لأعرف ما يحدث. ذات يوم خرج ابني لملاقاتي خارج الفصل، فوجدت كدمات على جسده. طالبت بمراجعة تسجيلات الكاميرات، فرأيت أنه تعرض للضرب.

صحيح أن لدينا مراكز كثيرة مختصة بالأطفال المصابين بالتوحد، لكن الكثير منها يعتمد على الدعاية، من خلال عرض صور ومقاطع للأطفال وإنجازاتهم المزعومة لجذب أكبر عدد من الزبائن. في هذه المراكز، يصبح الطفل التوحدي وولي أمره مجرد زبون. ومع كل تجربة، كنت أتعلم الشيء نفسه. أنه عندما لا يسمح لك المركز بمعرفة ما يحدث لطفلك، عليك أن تقلق، خصوصًا إذا كان الطفل غير ناطق، لأنه قد يتعرض للأذى من دون أن يكون قادرًا على الشكوى أو إخبارك بما حدث. ليس معنى ذلك أن كل مركز فصوله مغلقة الأبواب مكان سيئ بالضرورة، لكنك حين تترك طفلك في رعاية جهة أخرى، بغض النظر عن حالته الصحية، فإن أبسط حق لك هو أن تعرف ما الذي يحدث له.

هناك مثل أفريقي يقول إن تربية طفل تحتاج إلى قرية بأكملها. أما تربية وتأهيل طفل توحدي، فتحتاج إلى دعم دولة بأكملها. لكن الدولة لا توفر لأسر الأطفال نظامًا متكاملًا للتشخيص والتأهيل والمراقبة. تقتصر المساعدة على إعانة شهرية تبلغ أربعمائة دينار، تُصرف بعد عرض الطفل على لجنة وإثبات تشخيصه، وهي قيمة لا تكفي، في ظل الأسعار الحالية، لتغطية تكلفة الجلسات، فضلًا عن بقية احتياجات الطفل. أما التأهيل، فيبقى مسؤولية ولي الأمر وحده. فإما أن يدفع آلاف الدنانير لمراكز خاصة لا تخضع لرقابة، أو يترك طفله من دون تأهيل.

وهناك المركز الحكومي، لكنه لا يستوعب أعداد الأطفال الذين يحتاجون إلى خدماته، كما أن وجود مركز حكومي لا يعني بالضرورة أن الأسرة تستطيع الاطمئنان إلى جودة الخدمات التي يقدمها. أما الأطفال المؤهلون للدراسة، فلا توجد مدارس كافية لاستقبالهم، وبعض المدارس تشترط وجود معلمة ظل على نفقة ولي الأمر، فيما لا تقبل جميع المدارس بنظام الدمج.

نسمع في كل المراكز تقريبًا القصص نفسها، ونرى الحالات نفسها. هناك عائلات لديها أكثر من طفل توحدي يحتاج إلى جلسات، وعائلات أخرى كبر أطفالها وأصبحوا مراهقين وشبابًا يحتاجون إلى رعاية متخصصة، فيما يضطر أولياء الأمور إلى تدبّر أمورهم بأنفسهم في ظل غياب الدعم الكافي من المؤسسات الرسمية.

وفي النهاية تصبح أنت كل شيء. أنت الذي تبحث عن التشخيص، وأنت الذي تبحث عن المركز، وتقرأ عن طرق التأهيل وتحاول أن تعرف أيها يستند إلى العلم وأيها مجرد اجتهاد. أنت الذي يدفع، وأنت الذي يترك عمله، وأنت الذي يتعين عليه مراقبة المركز حتى لا يؤذي طفلك. والأسوأ أنك لا تملك حتى الأدوات التي تمكّنك من معرفة ما يحدث له.

هناك معايير وخطط وأساليب معروفة لتأهيل الأطفال، وطرق لتدريب العاملين ومراقبة المراكز وحماية الأطفال الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أو إخبار أهلهم بما يحدث لهم. لكن هنا، عندما يكون لديك طفل توحدي، عليك أن تتعلم كل شيء بنفسك. لا أحد يطالب المؤسسات الرسمية بفعل شيء خارق، بل فقط ألّا يكون الحصول على الرعاية والتأهيل والحماية بهذه الصعوبة.

Share This Article

منشورات ذات صلة

كان عمر طفلي ثمانية عشر شهرًا فقط عندما اكتشفت أن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. وبعد…

تجددت في يفرن احتجاجات مواطنين على خلفية قيام إحدى الشركات بالتخلص من نفايات نفطية في منطقة وادي الأثل،…

يسلط اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف 10 أكتوبر، الضوء على تأثيرات النزاعات والتوترات المتواصلة على الشخصية الليبية،…

تعود إلى الواجهة المادة 424 من قانون العقوبات الليبي، والتي تتيح للجاني في جريمة الاغتصاب الإفلات من العقاب…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.