دروج Drooj

الاكتشافات الأثرية في ليبيا.. بين جهود فرق الآثار وغياب مؤسسات الدولة

رغم قلة الإمكانيات وضبابية الدعم المؤسسي، تواصل فرق مراقبة آثار شحات أداء دورها الميداني، كحراس للذاكرة الليبية، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإرث المهدد بالاندثار. ومع ذلك، وفي ظل الاضطراب السياسي والأمني الذي يطبع المشهد الليبي، تتحوّل الاكتشافات الأثرية في البلاد من مدخلٍ للنهضة والسياحة الثقافية إلى عبء يكشف هشاشة البنية المؤسسية المسؤولة عن حماية التراث.

آخر هذه الاكتشافات كان موقعاً أعلنت عنه مراقبة آثار شحات، على شكل مبنى دائري تحت الأرض، تتفرع منه دهاليز بعمق نحو 4 أمتار، ويتضمن قطعاً أثرية يُرجّح ارتباطها بالحضارة الرومانية المبكرة أو الهلنستية.

هذا الاكتشاف كان يُفترض أن ينعش الوعي العلمي والسياحي، وأن يُلاقي ترحيباً مغلفاً بالفضول لنتائج فحوصات الموقع وتقدير قيمته التاريخية، لكن التفاعل على الحدث أعاد طرح السؤال الأكثر إيلاما: كيف لبلد يطفو على ذاكرة من الحضارات أن يعجز عن صيانة ذاكرته الحجرية؟

إن شحات، بما تحمله من آثار إغريقية ورومانية فريدة، تواجه اليوم مفارقة حادة؛ فكل كشفٍ جديد لا يُستقبل بخطة حماية أو ترميم، بل يضاعف من عبء مؤسسات ثقيلة الخطوات، محدودة الموارد، ومفتّتة الصلاحيات. هكذا يتحول الكشف الأثري إلى ما يشبه “اللعنة الحضارية” التي تفضح العجز المؤسسي أكثر مما تُعيد مجد المكان. إذ يغيب التخطيط والتأمين والإدارة المتخصّصة، وتظل القوانين حبراً على ورق في مواجهة النهب والتعدّي والتغير المناخي، بالإضافة إلى عوامل الطبيعة، من فيضانات وتآكل بيئي، تقضم ببطء ما تبقّى من المعابد والأسوار القديمة، فيما يفاقم الإهمال والتوسع العمراني غير المنضبط نزيف المكان. 

بهذه المعطيات، لا تبدو اكتشافات شحات بشائر حياة جديدة، بل مرايا تعكس أزمة الوعي والحوكمة في التعامل مع التراث. فحين يُكتشف الحجر ولا يُصان، وحين يُحتفى بالماضي بينما يُهمَل الحاضر، يصبح الاكتشاف إعلانا عن الفقد أكثر مما هو وعد بالنهضة. وما لم تتكوّن منظومة قادرة على تحويل هذا الإرث إلى مشروع وطني حيّ، سيظل تاريخ ليبيا يكتشف ليُنسى، ويُروى ليُهمل.

Share This Article

منشورات ذات صلة

أرض جدّي، كما يروي أبي، كانت تُعرف بصخرة واحدة لا أكثر، حدًّا يفصل حقه عن حق جاره. وحين…

تُعد تجربة الانتخابات بصورتها المتعارف عليها حديثة ومحدودة في ليبيا. وخلال فترة حكم القذافي تبنت ليبيا نموذجًا خاصًا…

دراسة للباحث محمد قاسم محجوب تُواجه ليبيا تحديات بيئية متصاعدة تضعها بين أكثر دول شمال أفريقيا هشاشة وتأثرًا…

حوار مع عبد الحفيظ العابد أجْرته: عزيزة حسين عبد الحفيظ العابد شاعر وروائي وناقد وأكاديمي ليبي، بدأ تجربته…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.