“تغنم روح الإنسان عدة منافع من الغناء. ومن المنافع السكينة التي تهبط عليها في ساعة الهموم أو الآلام”. من كتاب الكافي في الموسيقى لأبي منصور الحسين بن زيلة، من مخطوط في المتحف البريطاني.
هذه غنائم روح الإنسان بالمطلق، فماذا عن روح الليبي الهائمة في شمال أفريقيا منذ الأزل؟ ماذا عن روح توالت عليها الحكومات والثورات والخيبات والانكسارات؟ ماذا عن جيل عاصر الإعدامات والصراعات والحروب المشتعلة على الحدود الجنوبية، وكلها ابتلعت من أرواح الليبيين وحيواتهم وأحلامهم الكثير؟ فمن أحوج منا إلى هذه السكينة التي يصنعها الغناء وتبثها الموسيقى؟
في حديقتنا الخلفية، المليئة بأسرار الصمود في وجه المحن، وتحت سماء ملبدة بغيم الأمنيات، ولد “الطائر الأبيض”، وانتشل أرواح جيل بأسره، وحلق بها عاليًا، حيث رصعت البهجة حواف الذكريات، ومنحتنا صك الانتماء إلى الجنس البشري ذي الفطرة السليمة.
لم يحجب غبار السنين بعض أجمل الأغنيات الليبية التي جعلت “الريقي” رفيق درب ولسان حال قال كل شيء، في زمن كانت فيه الجامعات الليبية تمنح طلابها الشهادات العلمية المستحقة، ولا تبخل عليهم مسارحها ومدرجاتها بحفلات لفرقة الطائر الأبيض، لم تخدش جودة هذه الشهادات ولا حياء المجتمع.
في دروج، التقينا أحد مؤسسي هذه الفرقة الرائدة، الفنان المبدع عبد السلام الصالحين، عازف “ليد غيتار” وموزعًا موسيقيًا لفرقة الطائر الأبيض، وكانت لنا هذه الفسحة معه.
سألنا ضيفنا عن الفكرة التي خلقت “الطائر الأبيض”، وعن هذا الاسم دون غيره، وعن صناع هذا المشروع، فقال:
تأسست الفرقة عام 1990م، ولم تكن مجرد مجموعة موسيقية عابرة، بل كانت مشروعًا فنيًا حمل على عاتقه تقديم الكلمة الهادفة واللحن المتفرد. كان إصرارنا على النجاح مدفوعًا بدعم معنوي كبير من الأهل والأصدقاء والجيران، لذلك كان هدفنا واضحًا: تكوين فرقة تقدم أغاني ذات معانٍ نبيلة، لا تخدش الحياء، وتلامس وجدان المجتمع برقي. وقد اخترنا “الطائر الأبيض” اسمًا لفرقتنا ليعكس فلسفتها كرمز للسلام والنقاء.
وعن مؤسسي الفرقة، قال الفنان عبد السلام الصالحين:
تكونت النواة الأساسية من خالد الصالحين، مطربًا ومؤلفًا وملحنًا موسيقيًا، وعبد الرحمن سعد، عازف إيقاع “درامز/طبول”، وأحمد الصالحين، عازف غيتار ومطرب، وأبوبكر الصالحين، عازف “بركيشن/طبول”، ويوسف الصالحين، عازفًا على آلة الباز، الذي غادر إلى بريطانيا، وناب عنه في الفرقة الفنان عبد العزيز عون، وكلاهما مبدع وضع لمسته الخاصة في أعمال الفرقة. وعبد الكريم المقدمي، عازف “رتم كيبورد”، اعتذر بعد فترة بسبب ظروف خاصة، وحل محله الفنان عماد غثيرة.
كل هؤلاء رفاق الفنان عبد السلام الصالحين، وبعضهم إخوته، وقد وصفهم بالعبقرية الفنية والحس المرهف الذي صنع الاختلاف والتميز للكيان الذي تأسس بهم ومعهم: “فرقة الطائر الأبيض”.
أخبرنا ضيفنا أيضًا عن الراحل “إبراهيم الروك”، أو إبراهيم عبد الجليل، كما عرفناه ورأيناه على التلفزيون في برنامج “الأمن والمجتمع”، بوسامته الصارمة وملامحه المتماهية تمامًا مع فحوى برنامجه وقتها. فهذه الملامح كانت تخفي رهافة وإبداعًا ظهرا وحلقا بعيدًا مع الطائر الأبيض، فقال عنه:
كان إبراهيم عبد الجليل، رحمه الله، معروفًا بإبراهيم الروك، أو الروك الليبي، وكان له دور كبير في بداية تأسيس الفرقة، فكانت لمساته الجميلة تمزج بين موسيقى الريقي وموسيقى الروك. كان معنا، بالإضافة إلى كونه فنانًا معروفًا في الدول المجاورة أيضًا، خاصة في تونس، وقد غنى للعديد من الفنانين العالميين مثل جيمي هيندريكس وفرقة ديب بربل وغيرها.
نعود إلى الهزة التي أحدثتها هذه الفرقة في الذوق العام، فقد جعلت هذا النوع من الموسيقى الغربية مستساغًا ومقبولًا، بل مطلوبًا، خاصة في أوساط الشباب، هذه الشريحة صعبة الإرضاء بشكل عام. يكفي أن موسيقى الريقي هي آخر عهد الشباب الليبي بالرقص العلني، قبل أن تحل محله استعراضات المال والسلاح.
وعن الانتشار الذي ربما لم تسعَ إليه الفرقة، وعن سطوعها في ليبيا، ومتى بدأ تحديدًا، قال الفنان عبد السلام الصالحين:
بدأت المرحلة الذهبية للفرقة مع إصدار ألبومنا الأول “ما تصدقيش الناس” سنة 1993م، فكانت أغنياته بطاقة العبور لقلوب الليبيين. أما خارج ليبيا، فالظروف حالت دون تواجدنا المباشر والقريب من الجمهور العربي بالشكل المأمول.
يرى البعض أن الريقي الليبي تراجع، تاركًا مكانه للراب، الأكثر جرأة وتمردًا، وربما الأكثر تعبيرًا عن المزاج العام لفئة من الليبيين هي الأكثر تأثرًا بما يحدث في البلاد على كل الصعد. فقيم الحب والجمال التي عكستها معظم الأغنيات المنتمية للريقي الليبي، بشكل عام، لم تعد تمثل عقلية هذه الشريحة واهتماماتها.
وعن مكان الريقي في ليبيا اليوم، قال ضيفنا:
يرى أعضاء الفرقة أن الريقي الليبي لا يزال يحتفظ بمكانته، ولم ينسحب أمام موجات الراب، مؤكدين أن لكل فن محبيه. ومع ذلك، انتقد الصالحين ورفاقه اتجاه بعض فناني الريقي للاعتماد السهل على “الريتم بوكس” الإلكتروني، بدلًا من إبراز المهارات الفنية الحقيقية في العزف المباشر.
وعن الخذلان والمستقبل، أضاف:
رغم العتاب الذي يحمله أعضاء الفرقة تجاه الإعلام، الذي قد يكون لم ينصفهم، إلا أنهم يؤكدون بقاءهم في مكانهم الفني، متطلعين إلى مستقبل مزدهر للفن الليبي إذا توفرت الإمكانيات الجيدة والدعم اللازم لإبراز هذه الإبداعات.
أخيرًا، بمقياس الزمن والسنين، تأسست هذه الفرقة منذ سنين طويلة، ومنذ ما يقترب من ثلاثة عقود، وهي تتربع على عرش الريقي الليبي، لا ينازعها تاجه أحد. وبمقياس الحنين، يكفي أن تسمع المقدمة الموسيقية أو الصوتية لإحدى أغنيات الطائر الأبيض لتذهب معها بعيدًا. يقول هذا ويؤكده صوت طفلة تحفظ “القلب حالف” كما تحفظ اسمها ودروسها، رغم أن الأغنية ولدت قبلها ببضع سنين، وتقول هذا كل أغنيات “الطائر الأبيض” التي لا تشيخ، بل تتمترس خلف جدار القلب، فيسمعها بحب ويعتزل كل ما يؤذيه.