منذ اكتشاف واقعة التخلّف أمام التفوق الأوروبي، برز في الفكر العربي-الإسلامي سؤال: لماذا تأخّرنا وتقدّم غيرنا؟ ولئن حمل السؤال عنوان كتابٍ لشكيب أرسلان، حظيَ بشهرة كبيرة في زمانه، حتى غدا علامة مميزة تؤرّخ تعاطي النهضويين العرب مع إشكالية التأخر الحضاري؛ فإنه ظل حاضرًا برسم التداول في كل النِتاج الفكري العربي الحديث.
تعدّدت محاولات الإجابة عن السؤال. من مشاريع “نقد العقل” عند محمد الجابري وجورج طرابيشي ومحمد أركون وصادق جلال العظم، إلى دراسات “الشخصية” عند علي الوردي وجمال حمدان وغيرهما. تضمّنت الإجابات مقاربات لجملة من العوامل التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية، بوصفها محدّدات تسعى لاكتشاف المسببات التي آلت بالوضع العربي إلى الانحدار والجمود، ومن ثم التخلف. ما يجمع هذه الأعمال أنها أعطت -أو أوحت بذلك على أيّ حال- لأبحاثها بُعدًا معرفيًا أو “إبستمولوجيًا”، يحرّر التفكير من أسر الآيديولوجيا، لينطلق في فضاءات الحفر والتفكيك وإعادة القراءة، بانضباط كبير بأدوات البحث المعرفي.
في خضمّ هذا النشاط الفكري، ظلّت ليبيا بمنأىً عن أيّ مقاربة تتناول تحوّلاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودورها في تشكيل وعي الفرد الليبي بذاته، وتفاعله مع مفاهيم الدولة والاجتماع ونمط الحياة الحديث. فالشطر الأكبر من تاريخ ليبيا المعاصر، رُسم في عهد نظام حكم شمولي، لم يكتفِ بتجريم السياسة وتجريف الثقافة فحسب؛ بل رسّخ ما يُشبه “حقائق بديلة” على الطريقة الأورويلية، قُدمت فيها ليبيا كوضع استثنائي، لا تُجدي معه المفاهيم الشائعة عن جدلية التقدم والتأخر.
لكن وكما استفاق العرب على واقعة تأخّرهم، استيقظ الليبيون على حقيقة تخلّفهم، وشذوذ تجربتهم، واختلافهم البيّن عن جيرانهم، بدءًا من شكل نظامهم السياسي، وصولاً إلى فقر نتاجهم الفكري والثقافي والفني، مرورًا بنظام اجتماعي-اقتصادي هجين، ما يزال يراوح بين تقاليد عتيقة، وحداثة تبدو ولادتها متعسّرة.
وكان لا بد من حدث ذي طبيعة زلزالية كالثورة، لتخرج هذه التساؤلات من حيّز الهمس إلى التداول العام. هنا حضر تعبير “العقلية”، كمصطلح يجمع سمات العقل الليبي. وبرغم كونها أقرب للعاميّة، فإن الكلمة وجدت طريقها نحو كتابات الصحفيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، في تفسيرهم لسلوكيات وأنماط تفكير، لا تقف عند الأفراد العاديين وحدهم، وإنما تمتد إلى مجالات السياسة والثقافة والرياضة، والتفاعلات الاجتماعية اليومية.
في هذا السياق، نشر عالم الاجتماع الليبي مصطفى التير كتابيه: “أسئلة الحداثة والانتقال الديمقراطي في ليبيا: المهمة العصيّة” وكتاب “صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي”، الصادرين عن منتدى المعارف ببيروت عامي 2013 و 2014 على التوالي. شرح الكاتب من خلال هذين العملين، رؤيته النقدية للواقع الليبي، مُفرِدًا جزءًا كبيرًا من بحثه لظاهرة “الشخصية الليبية” نقدًا وشرحًا وتحليلًا.
يعتبر الكاتب أن النفط لعب دورًا حاسمًا في التغيّرات التي أثّرت في الشخصية الليبية، فالليبيون قبل اكتشاف النفط ليسوا هم بعد اكتشافه، حيث وُظّف النفط لتحديث المجتمع بالمعنى المادي، دون أن يؤدي هذا إلى “التحديث على مستوى الشخصية”.
ذلك أن هناك تمييزًا يُقيمه الكاتب بين التحديث والحداثة. فالأول يمكن أن يظهر في العمران وبناء المؤسسات ومشاريع التنمية الاقتصادية، بينما تتصل الحداثة -في نظره- بمجموعة أخرى من القيم، كاحترام الفرد وتقبّل الاختلاف الفكري والثقافي وانتهاج التفكير العلمي. لذلك “ربّما وُجد أشخاص حداثيون في ليبيا ولكن لم يوجَد تحديث على مستوى الشخصية”.
ولا يُخفي الكاتب تأثّره بالمفكر الفلسطيني هشام شرابي وأطروحته الخاصة بنقد “الحداثة المشوّهة”، فالتحديث في ليبيا لم يكن منفصلًا عن الموروث الثقافي-الديني. وقد أسفر هذا الدمج عن ظهور نموذج “المراوحة في المكان”، ونشوء ثقافة أعاقت عملية التحديث، دافعةً المجتمع الليبي للبقاء أسيرًا لبُناه الاجتماعية التقليدية، كقيم البداوة والقبلية التي يعتبرها استمرارًا لطغيان الهياكل والانتماءات الأوّلية على منظومة الدولة والمجتمع. كما يتحدث الكاتب عن ” الهروب إلى الوراء”، والنكوص إلى الماضي، حيث العودة الدوريّة إلى التراث في كل مواجهة مع تحدٍّ حاضر.
لكنّ التير لا يربط هذه الظواهر بالبداوة وحدها. فهو يُعطي للتجربة السياسية التي عاشها الليبيون خلال عقودهم السابقة دورًا رئيسيًا في التشكيل المشوّه لملامح الشخصية الليبية. فبسبب سياسة “اللون الواحد” وسيكولوجيا الخوف التي تكبح قدرة الفرد على التعبير والإبداع، والتي ترتبط أساسًا بالنهج الشمولي للنظام؛ أضحى الليبي رهينة لثقافة “الاستسهال” و”التقليد” وغياب المبادرة، واستبطان الاتكالية، والتعصّب للرأي، ورفض التعددية. هذه التشوهّات امتدّت لتشمل النخب المتعلمة والمثقفة، التي يُفترض أنها تشكّل طليعة التغيير، من فنانين ومبدعين ومفكرين. فبدلاً من الاجتهاد والابتكار الخلّاق، يلاحَظ ميل واضح إلى النقل والتقليد وحتى السرقة العلمية.
وتعود طبيعة النظام السياسي لتظهر في علاقة الفرد بمؤسسات الدولة، حيث يصعب الفصل بين العام والخاص، أو بين “العلاقات الرسمية وغير الرسمية”. ويسمي التير هذه الثقافة بـ”شخصنة القوانين”، أي أن المؤسسة تُدار أحيانا وفق العلاقات الخاصة والقيم الفردية الذاتية، لا وفق القواعد العقلانية العامة التي يُفترض أن تحكمها.
هذا المسار من التحولات الذي رسم ملامح “العقل الليبي”، يختلف قليلا عن التصوّر الذي ذهب إليه الباحث التونسي المنصف ونّاس في كتابه (الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة).
صدر الكتاب سنة 2014، واستُقبل بحفاوة ليبية كبيرة، فقد جاء ليُصادق على مقولات كانت قد انتشرت في كتابات الليبيين عن أنفسهم، حتى أضحت مسلّمات أو قوانين عامة، لا يمكن فهم “الشخصية الليبية” بدونها.
تحتل البداوة في “النموذج التفسيري” للمنصف ونّاس بُعدًا مركزيًا. فالبداوة قدَر الليبي الذي لا فكاك له منه. ليس وليد سياقات تاريخية واقتصادية وسياسية؛ بل تبدو “الذهنية البدوية” قادرة على إعادة تشكيل نفسها في كل ظرف تقريبًا.
فالليبي بدويّ، و”البداوة ذهنية قبل أي شيء آخر”. و”البِنيات الذهنية والثقافية تتسم بديمومة وتأثير لا يمكن إخضاعهما لتحقيب تاريخي دقيق”. كذلك فإن الذهنية البدوية تبدو صعبة الانقياد إلى التغيير، “فهي لا تندثر حتى مع تأثّر قاعدتها الإنتاجية”. هذا مع إقراره بأن البداوة “نظام اجتماعي واقتصادي يقوم على عدم الاستقرار والترحّل”.
والحق أن نية الكاتب تتبدّى منذ المقدمة. فهو لا يشرح فحسب منهجه الذي يقوم عليه عمله، بل إنه يعترف ضمنًا باضطراب رؤيته، وعجزه عن الخروج بنظرية متماسكة. فعند حديثه عمّا أسماه “الشخصية القاعديّة”، يعرّفها بأنها “محصّلة لتراكمات تاريخية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية امتدّت عبر آلاف السنين، وأكسبت الإنسان الليبي صفات معينة”. هكذا تصبح “الشخصية الليبية” عابرة لحدود الزمان والمكان، وفي الوقت نفسه نتيجة لتراكمات تاريخية متعددة الأبعاد.
يمكن تحويل الكتيّب كله تقريبًا إلى اقتباسات تُحيل إلى نوع من الحتميات الجبريّة التي تحكم الشخصية الليبية. لكن ماذا عن التحديث والعولمة اللذين أصابا كل سكان الأرض تقريبًا، وإن بدرجات متفاوتة؟ يذهب الكاتب إلى أنه لا إمكان لتصالح الشخصية الليبية مع المؤسسات الحديثة للاجتماع الحديث، “فالشخصية البدوية ليست ميّالة إجمالاً إلى تحمّل إكراهات المجتمع وضغوط المدن والحواضر وضوابط الحياة العصرية”، ليعزو كل ذلك إلى محض “تركيبة نفسية”.
يشترك التير وونّاس في سعيهما لتفسيرٍ يتجاوز الظواهر المباشرة إلى البنية الاجتماعية والشخصية المؤسسّة لها، وكلاهما يرى في البداوة والقبلية عنصرين مهمين في فهم أنماط الاجتماع الليبي؛ لكن بينما يميل التير إلى تفسير الشخصية من خلال التاريخ، يعكس ونّاس النموذج، ليفسّر التاريخ من خلال الشخصية، جاعلًا منها تعويذة تفكّ كل أسرار الجمود. لكنّ المفهوم وفق هذا التوظيف يُخاطر بألا يقول شيئًا في النهاية، لأنه يصبح قادرًا على تفسير كل شيء بآلية مسبقة، بدل أن يكون هو ذاته موضع بحث وتحليل. ولعل هذه الاختزالية تشرح سبب إعجاب عدد من الليبيين بالكتاب، وصل إلى حد التقريظ المفرط، والمناشدات العاجلة بقراءته. لا لخلو الساحة الثقافية المحلية من محاولات كهذه فقط، وإنما كذلك بسببٍ من الإحباط الكبير الذي واكب حدث التغيير في ليبيا، ووضع الليبيين وجهًا لوجه أمام علّاتهم، ليجدوا أنفسهم في إعادة اكتشاف لذواتهم، وإن بقلم أجنبيّ.
بيد أن قيمة هذه الأعمال، تكمن في أنها أعادت الاعتبار إلى سؤال ظل مؤجلًا منذ أمد بعيد: كيف نكتب تاريخ الشخصية الليبية من داخل تاريخ ليبيا نفسها؟ لا بوصفها طبيعةً أزلية، أو محض تركيبةٍ من العيوب الجماعية، بل باعتبارها نتاجًا لعلاقات معقدة بين ثنائيات القبيلة والدولة، والريف والمدينة، والاقتصاد والسياسة، والدين والتعليم، والتقاليد والحداثة.
على أنّ وجاهة الإجابة ترتهن بمدى ابتعادها عن تبسيط “الشخصية الليبية” في جوهر ثابت أو مجموعة من الصفات الجماعية المبتورة من سياقها التاريخي الذي أنتجها. فالقبيلة والبداوة والاستبداد والنفط، تمثل عناصر أساسية في تحليل المجتمع الليبي، لكنها لا تكفي، منفردةً أو مجتمعةً، لتفسير تعقيداته، ولا تبرّر اختزال الليبيين في نموذج شخصي واحد يتكرر بمعزل عن الزمان والمكان. لذلك، لا تقتضي الحاجة إنتاج مزيد من التعريفات التعميمية لـ”الليبي”، بقدر ما تدفع لدراسة التحولات التاريخية التي تُعيد تشكيل الفرد والمجتمع والدولة في كل طور من أطوار التاريخ الليبي.
ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد الجامعات ومراكز البحث على مناهج علمية حديثة، تتكامل فيها حقول الدراسات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، دون الاكتفاء بالتوصيفات الانطباعية السطحية. وعندئذٍ يمكن أن تغدو “الشخصية الليبية” موضوعًا للتحليل العلمي التاريخي والمنهجي، لا خلاصةً تفسيرية/تبريرية جاهزة، يُعاد توظيفها بآلية بليدة، إما بسبب من الخوف المجتمعي أو الكسل الفكري.. أو كليهما.