×

خليفة البشباش: تيفيناغ في ليبيا.. بين السر والعلن

Tmazight 85

خليفة البشباش: تيفيناغ في ليبيا.. بين السر والعلن

تعرف تيفيناغ ⵜⵉⴼⵉⵏⴰⵖ في بعض أطوارها القديمة بالكتابة الليبية “Libyque”، وبينما تتمثل أشهر آثارها في النقوش الصخرية المنتشرة عبر منطقة واسعة من مواقع النقوش الصخرية في شمال إفريقيا خصوصا المناطق الصحراوية منها، فإن مواقع أخرى لم تنل ذات النصيب من الشهرة حوت نقوشا ليبية أيضا، يتحدث “ديفيد ماتنغلي” عن عشرات الكتابات الليبية التي نقشت على أضرحة ومبان في مدينة قرزة، وتشير “ألوين بروجان” مؤلفة أهم دراسة عن المدينة، أنه في حين تمت قراءة نقوش مشابهة في الجزائر بفضل النقوش ثنائية اللغة، فلم تحظ تلك النقوش في قرزة والتي تتزامن مع فترات رومانية متأخرة بالدراسة الكافية لمحاولة فك شفراتها.

استمر إيموهاغ “الطوارق” في المناطق الجنوبية في استخدام أبجدية التيفيناغ بلا انقطاع حتى يومنا هذا، ولكن الحال مع كثير من المناطق شمالا كان مختلفا، إذ أخذت الأبجدية العربية محلها في كتابة اللغة الأمازيغية مع مجيء الإسلام، حيث ألفت كتب عدة باللغة الأمازيغية المكتوبة بحروف عربية، واشتهر المهدي بن تومرت بكونه أول من ترجم معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية، وفي ليبيا تعد ترجمة أبي زكريا اليفرني “للمدونة الكبرى” لمؤلفها أبي غانم الخراساني إحدى أقدم المخطوطات الإسلامية الأمازيغية، والتي ما تزال محفوظة إلى يومنا هذا، المخطوط المشهور بـ”كتاب البربرية” يرجح أنه كتب بين القرن الرابع والسابع الهجري، في حين نال كتاب الشماخي في الجغرافيا والتاريخ النفوسي “إغاسرا د ابريدن” الشهرة الأكبر بين هذه المخطوطات.

وإضافة للتآليف الكاملة، فإن كثيرا من المؤلفات التي كتبت بالعربية ضمت نصوصا أمازيغية بين صفحاتها، تلاحظ خديجة كرير –وهي باحثة ومحققة في التراث الإباضي- أن بعض النساخ المتأخرين لكتاب “البغطوري” –مثلا- قد أسقطوا النصوص الأمازيغية من مخطوطاتهم، وقد ساهم تقصير النساخ هذا في إخراج طبعات ناقصة للكتاب اعتمدت على تلك النسخ، غير أن محققين آخرين تداركوا الأمر عبر المقارنة مع مخطوطات أقدم وطبعوا النص كاملا. ويضع الأستاذ المصراتي -الذي لاحظ هذه النصوص- البغطوري ثانيا في قائمته لأقدم المؤرخين الليبيين، وقد فاته آخرون. أدى المنع والإتلاف والإهمال وقلة وجود مؤسسات معنية بالحفاظ على التراث الأمازيغي المخطوط إلى ضياع كثير منه للأبد، وما بقي لم ينل ما يستحقه من الاهتمام والدراسة.

3 المدونة الكبرى في الفقه الإباضي بالامازيغية
المدونة الكبرى للفقه الإباضي بالأمازيغية

           الطريق إلى المطبعة

هذا التراث -النفوسي في معظمه والنفيس في قيمته- لاقى عداء مطلقا من الأنظمة السياسية في ليبيا وإهمالا من الباحثين، يكاد يكون كتاب الشماخي “إغاسرا د ابريدن” الاستثناء الوحيد الذي وجد طريقه إلى الطباعة في عهد نظام القذافي، حيث نشرت الترجمة العربية للكتاب تحت عنوان “الطرق والقصو” عبر “مركز جهاد الليبيين”، لكن النص الأمازيغي للكتاب لم يسمح بخروجه، وقد تضمنت الطبعة إضافة إلى الترجمة -التي انتقدها عدة باحثين- مقدمات وحواشي كثيرة تعزز أطروحات النظام المعادية للثقافة الأمازيغية، وتولى “المعهد الملكي المغربي-الرباط” لاحقا إعادة تحقيق الكتاب وطباعته بنصيّه، الأمازيغي الأصلي وترجمته العربية.

في ليبيا منع بشكل كامل تداول أو إحياء أو ممارسة أي شكل من أشكال الثقافة الأمازيغية، وكان السجن مصير كثير من الكتاب والفنانين والنشطاء جزاء مخالفتهم لذلك، ينص القانون رقم 12 لسنة 1984م وقانون رقم 24 لسنة 2002م على منع استعمال غير اللغة العربية في المطبوعات والإعلانات ونحوها، وفي حين استثنيت الإنجليزية ولغات أخرى لأغراض سياحية ومعرفية، فقد منعت اللغة الأمازيغية بشكل مطلق.

على الرغم من كل ذلك، نشرت بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي عدد من المجلات والكتب الأمازيغية من قبل ناشطين في الحركة النضالية الأمازيغية في ليبيا، كانت هذه المطبوعات تنشر بأسماء مستعارة أو بدون أسماء لمؤلفيها، مجلات مثل “تيفيناغ” و”إيمنزا” و”إيفاو” و كتب مثل “إيسفرا ن نفوسا” وتعني الشعر النفوسي، طبعت ووزعت سرّا في تحد واضح آن ذاك لقمع السلطة القائمة.

4 نماذج لمجلات وكتب طبعت سرا بين السبعينيات والتسعينيات
مجلات وكتب بالأمازيغية، نشرت سرًا بين السبعينات والتسعينات في ليبيا

كما أدى ظهور الإنترنت إلى اختراق آخر، تتحدث “خديجة كرير” التي أشرفت على تحقيق ونشر عدة كتب إلكترونية عبر “مؤسسة تاوالت ⵜⴰⵡⴰⵍⵜ” عن أهمية تلك المرحلة، فحين كانت تقبع كل الكتب الامازيغية وكثير من الكتب الإباضية في أقسام “الكتب الممنوعة” داخل بعض المؤسسات الليبية، سمح الفضاء الإلكتروني بنشر كثير من الكتب عن اللغة والثقافة والتراث الأمازيغي والليبي عموما، لتجد طريقها إلى الطباعة لاحقًا.

استحدث مؤخرًا “مركز الدراسات الأمازيغية” التابع للهيئة الليبية للبحث العلمي، المركز الذي نشر مجموعة من الدراسات، وما يزال أمامه الكثير من التحديات لخلق بيئة علمية بحثية والرفع من مستوى النشر والدراسات الأمازيغية، وكغيره من المؤسسات الرسمية يواجه انتقادات عدة.

5 بعض إصدارات المركز الليبي للدراسات الأمازيغية
بعض إصدارات المركز الليبي للدراسات الأمازيغية

ويقول الكاتب “مادغيس بو زخار” إنه يجب إلغاء قانون المنع، وهو ما لم يحدث، ورغم صدور قانون حقوق المكونات الثقافية سنة 2013 -وهو قانون معيب في نظره- فالبنية القانونية ما تزال غير كافية، هذا عدا عن الممارسات العملية للجهات المعنية؛ حيث يضطر الناشرون للتوقيع على تعهدات لا سند قانونيا لها عند التوجه لإدارة المطبوعات.

سجن “بو زخار” في أواخر عهد نظام القذافي بسبب نشاطه الثقافي الأمازيغي، وهو اليوم يدير منظمة “تيرا” ⵜⵉⵔⴰ، وتعنى في أحد أنشطتها بالنشر والطباعة، وهو لا يخفي عدم رضاه عن وضع الإنتاج الأمازيغي في ليبيا حيث يقول: “أتابع بشكل أساسي الإنتاج الأمازيغي في الدول المجاورة وفي أوروبا، لأن لدينا مشكلة في الوعي بأهمية البحث والكتابة والإنتاج، يمكن أن يعزى جزء من هذا إلى حداثة تعليم الأمازيغية مقارنة بدول أخرى، وإلى الحراك الثقافي الضعيف عامة في ليبيا، لكنني أرى أن جزءًا منه يعود لسلبية المجتمع الأمازيغي الليبي نفسه، وعدم قدرته على الخروج من دور الضحية بسبب ما تعرض له”.

كذلك تتحدث “خديجة كرير” عن عوائق أخرى، فقد أدت الصعوبات المادية وعدم القدرة على تمويل تكاليف الطباعة إلى توقف “مؤسسة تاوالت” عن نشاطها في عالم النشر الورقي، ويرى الباحث “عيسى يخلف” مؤلف كتاب “تومالت ن ؤبدّل” أن تجاهل المسؤولين والمماطلة في الطباعة خلق جوا سلبيا لدى الباحثين الامازيغ، وأدى الى عزوفهم عن النشر.

           يا، ياب، ياگ.. التعليم الرسمي

شهد عام 2012 واحدة من أهم مراحل مسيرة الأمازيغية في العصر الحديث على المستوى الليبي، حيث اعتمدت اللغة الأمازيغية في مناهج التعليم المدرسي، وقد كان هذا قرارا تاريخيا في انتقال دراسة الأمازيغية من الطور الشفهي والسري إلى الرسمي والكتابي، ومنح فرصة ذهبية لتنشئة جيل جديد قادر على التواصل بلغته عبر مهارات وآليات لم تكن مسموحة في الماضي، على الرغم من ذلك.. ينتقد كثير من الناشطين والمختصين وأولياء الأمور مستوى تعليم اللغة الأمازيغية في القطاع المدرسي، يقول رياض قطوسة إن قرار تدريس الأمازيغية كان في البداية قرارا سياسيا سريعًا وهو أمر يدعمه، “لكننا بحاجة إلى خطوات أكاديمية وعلمية للرفع من مستوى تعليم الأمازيغية”.

ومن أجل توفير عدد كاف من المدرسين لتنفيذ القرار سنة 2012، خضع مدرسون من تخصصات مختلفة لدورات قصيرة كلفوا بعدها بتدريس اللغة الأمازيغية للصفوف الابتدائية، يقول رياض قطوسة إن هذا الأمر يجب أن يتوقف، “رياض” -وهو أحد القلائل من حاملي درجة الليسانس والذين تخرجوا من الدفعة الأولى لقسم اللغة الأمازيغية بجامعة الزاوية سنة 2022- يقول إنه يجب أن يكون كل مدرسي اللغة الأمازيغية قد تلقوا تعليما جامعيا وعلميا مختصا في المستقبل القريب، وأن الاستمرار في إسناد تدريس اللغة الأمازيغية لغير مختصين يضعف من عملية تعليمها.

6

وبينما ينادي ناشطون بضرورة استحداث أقسام في معاهد التعليم والكليات في المناطق الأخرى أسوة بكلية آداب زوارة التابعة لجامعة الزاوية، يلقي رياض بجزء كبير من اللائمة على المجتمعات الأمازيغية نفسها، وقلة وعيها بأهمية الدراسة الأكاديمية والعلمية المتخصصة لتطوير مستوى اللغة الأمازيغية في ليبيا.

يرى “عيسى يخلف” أن وضع اللغة الامازيغية اليوم أفضل مقارنة بما سبق، ولكن “حال العملية التعليمية الأمازيغية ليس جيدا، كونها تعاني عدة مشاكل وتحديات مثلها مثل العملية التعليمية عامة على مستوى ليبيا”.

تعليق واحد

comments user
محمد الطيار

إذا كانت هناك من رغبة وإرادة صادقتين لإحياء اللغة الأمازيغية في ليبيا من قبل المتكلمين بها، فيجب عليهم العمل على نشرها بين أكبر عدد ممكن من المواطنين وجعلها لغة مألوفة لديهم، وتوسيع نطاق استعمالها بينهم، والخروج بها من النطاق الأمازيغي الضيق إلى النطاق الوطني الواسع، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، وهذا أمر يمكن لأي متكلم بالأمازيغية أن يساهم فيه مساهمة يومية فعالة، بجهد قليل ونفع كثير.

إرسال التعليق