×

خليفة البشباش: <strong>الحياة البرية في ليبيا وصراع البقاء</strong>

0 87

خليفة البشباش: الحياة البرية في ليبيا وصراع البقاء

أكدت وزارة البيئة في يناير الماضي التزامها باتفاقية التنوع البيولوجي، وقالت الوزارة إن الاتفاقية تدعو كل الدول الأطراف لإعلان مساحة لا تقل عن 10% من إجمالي مساحة أراضيها محميات طبيعية؛ للحفاظ على الموائل والبيئات الملائمة للكائنات الحية النباتية والحيوانية. أُنشئت أول محمية طبيعية في ليبيا سنة 1978 في منطقة الكوف بالجبل الأخضر وهي المنطقة الغابية الطبيعية الوحيدة في المسافة الممتدة بين خليج قابس وفلسطين المحتلة، وفي التقرير الوطني لتنفيذ الاتفاقية سنة 2010م فإن نسبة المحميات الطبيعية من مجموع المساحة الكلية لليبيا لم يكن يتجاوز 0.16 % وهو رقم شديد الضآلة بالمقارنة مع النسبة المأمولة التي تبدو بعيدة. كما أعلنت وزارة البيئة -المستحدثة مؤخرا- سلسلة من القرارات لإعلان مجموعة من محميات لحماية الحياة البرية، ومحميات كأراض رطبة، ومحميات بحرية وساحلية، لكن التحدي الحقيقي هو التطبيق العملي لهذه القرارات وإخراجها من الطور الورقي للواقعي، وتوفير الحماية للمحميات القديمة والمستحدثة منها.

يقول الدكتور خالد التائب أستاذ قسم علم الحيوان في جامعة طرابلس ورئيس الجمعية الليبية للطيور، إنه لم يبق من المحميات سوى القليل، تعرضت محمية الكوف التي كانت أفضل المحميات وأكثرها تنوعا حيويا في ليبيا -بحسب التائب- لأضرار بسبب النشاط العمراني والبشري مثل إقامة المنتجعات والاستراحات، وعانت محميات مثل الهيشة من أضرار بسبب الحروب والنزاعات، وتتعرض محميات أخرى للتلوث والرعي الجائر وغيرها من الاعتداءات، ومحميات مثل محمية تالة لم تكن أصلا أكثر من حبر على ورق.

أُسس في سنة 2022م جهاز الشرطة البيئية، ومن المفترض أن الحد من الاعتداءات على المحميات من ضمن اختصاصاته، لكن رئيس الجهاز العقيد مصطفى القديم يقول إنهم ما زالوا في صدد الترتيبات الداخلية، ويحتاجون لتكاتف جهود المسؤولين والمواطنين لمواجهة التحديات التي تنتظرهم على الأرض.

وفي أواخر سنة 2021 أعلنت اليونسكو محمية “الشعافيين” أول محمية ليبية تدخل قائمة محميات المحيط الحيوي لليونسكو، وتعد محمية الشعافيين التي تبلغ مساحتها 83.060 هكتاراً استثناء في حالة الحفظ الجيدة التي تميزها، وهي موطن لمجموعة من الحيوانات المدرجة في القائمة الحمراء للأنواع المهددة التي يصدرها “الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة”، مثل الضبع المخطط والسلحفاة البرية وطيور الحبارى إضافة لتنوع نباتي مهم ونادر.

البنية التشريعية والقانونية

تبلغ غرامة صيد الودان والغزال البري في ليبيا خمسين دينارا فقط، وفق قانون “بشأن الصيد” لم يعدّل منذ صدوره في خمسينيات القرن الماضي ونص على حيوانات مهددة بعينها، وينص قانون “حماية وتحسين البيئة” الصادر سنة 2003م على أن “يعاقب بغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تتجاوز خمسة آلاف دينار كل من قام بعمليات الصيد بدون ترخيص أو قام بالصيد  في المناطق المحمية”، يعلّق أنس القايدي رئيس الجمعية الليبية للحياة البرية قائلا: “إن قيمة الغزال الواحد في السوق السوداء يصل إلى 2500 دينار، لذا لا تشكل هذه العقوبات رادعا للصيادين المخالفين للقوانين والذين يصطادون ويتاجرون بكميات كبيرة”، ويضيف القايدي: “يجب تعديل قوانين الصيد بما يتناسب مع الوضع الحالي”، وفي سياق مماثل يطالب الدكتور خالد التائب بضرورة اعتماد الجهات التشريعية للقانون الجديد للمحميات الطبيعية الذي انتهى تجهيزه، وأعلنت وزارة البيئة سابقا إحالته لمجلس النواب، تحتاج القوانين والتشريعات الليبية إلى المراجعة والتحديث بما يراعي التغيرات الحديثة.

وتواجه الحياة البرية في ليبيا كثيرا من التهديدات، مثل الصيد الجائر والزحف العمراني والتلوث ورمي المخلفات، وتغيير البيئة الطبيعية للكائنات من خلال أنشطة الرعي والزراعة والصناعة غير المنظمة، إضافة إلى تهريب الحيوانات النادرة واستخدام الأسلحة والأدوات المحظورة وغيرها من العوامل التي تؤثر سلبا على التنوع الحيوي.

ويقول العقيد مصطفى القديم إن جهاز الشرطة البيئية قد باشر تحقيقات في بعض الحالات التي تتعلق بالتلوث وتسريب المخلفات غير القانونية، لكن نشاطهم لا يزال بسيطا. يتبع جهاز الشرطة البيئية لوزارة البيئة بحسب (القديم)، ويحمل بعض عناصره صفة مأمور ضبط قضائي، ومن مهامهم جمع الاستدلالات والتحقيق والإحالة إلى النائب العام، وتقع كثير من التهديدات البيئية في دائرة اختصاصهم.

يظل تطبيق القوانين وردع المخالفين على أرض الواقع تحديا بالغ الصعوبة بالنظر للحالة الأمنية والسياسية الراهنة، يُحظر –على سبيل المثال- بحسب القانون الليبي استخدام المتفجرات “الجيلاطينة” في الصيد البحري، لكونها طريقة مدمرة لمواطن الأسماك وبيئة عيشها وتكاثرها، لكن هذه الطريقة ما تزال تستخدم على نطاق واسع في ليبيا في ظل ضعف تنفيذ هذ القوانين و عدم وجود جهة تمنع الصيادين من مخالفتها. يتحدث الأستاذ “صالح بورزيقة” عن عمليات تهريب واسعة للسلحفاة المهددة بالانقراض والمعروفة علميا باسم “Testudo kleinmanni“، ورغم توثيق عدد كبير من عمليات تهريبها إلى خارج ليبيا وضبط بعضها إلا أن قليلا منها اتخذت فيه إجراءات قانونية، ويقول أنس القايدي: “في سنة 2015، رصدنا حالة لصيد أكثر من 200 طائر بط في يوم واحد من إحدى البحيرات الليبية، وهو واحد من الأرقام المخيفة التي نرصدها أحيانا على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تباهي بعض الصيادين للأسف بما يفعلونه دون خوف من الملاحقة القانونية”

الوعي والمعرفة

يدير صالح بوزريقةمنظمة الحياة لحماية الكائنات البرية والبحرية“، وهي بدورها منظمة نشطة في مجال حماية الحياة البرية والتوعية بأهميتها، ويقول بوزريقة إنه يلحظ تقدما في الوعي العام بأهمية الحياة البرية ويتحدث عن قصص إيجابية في هذا المجال: “على الرغم من افتراسه لاثنين من أغنامه، قام أحد الرعاة بإمساك ضبع مخطط هاجم حظيرته ولم يقتله، بل سلمه إلى منظمتنا لإعادة إطلاقه في بيئته“، ويضيف: “شارك كثير من المواطنين أيضا في مهرجان إطلاق الصقور الذي أقمناه”.

يتفق جل من حاورناهم على ارتفاع الوعي المجتمعي بأهمية الحياة البرية وعلى أهمية الاستمرار في العمل إعلاميا واجتماعيا على زيادة هذا الوعي نوعا وكما، ويقول “القايدي” إن التفاعل الشعبي مع المخالفات التي يرصدونها وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي كثيرا ما تشكل ضغطا على المخالفين والمنتهكين، وهو أمر إيجابي، فيما يعتقد “د. التائب” أن مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الحياة البرية مقبول جدا، لكن المشكلة هي عدم وجود الرادع القانوني الفعال للمخالفين.

على المستوى الأكاديمي والعلمي، هناك نقص واضح في البيانات المتعلقة بالتنوع الحيوي، من حيث الأنواع ووضع البيئة بشكل عام؛ تصدر الهيئات والوزارات المعنية بالبيئة في دول العالم المختلفة تقاريرًا بشكل مستمر عن البيئة والحياة البرية، بينما هذه التقارير قليلة وغير منتظمة في ليبيا، ويقول “التائب”: “صدرت (الفلورا الليبية) عن النباتات الليبية في السبعينيات، وكانت بادرة علمية مميزة لكنها توقفت لاحقا.. النشاط الدراسي والإحصائي الوحيد الذي يعد منتظما في ليبيا -بحسب التائب- هو التعداد الشتوي للطيور المائية IWC“، لكنه ينتقد الجهود المشتتة للجامعات وضعف الدعم والتنظيم للبحث العلمي مما أثر سلبا على توفر البيانات والتقارير، ويرى أ. “بوزريقة” أن المنظمات والجمعيات غير الحكومية يمكن أن تلعب دورا داعما للمؤسسات العلمية والبحثية في سد هذه الفجوة المعرفية، ويقول إنهم يقدمون الدعم باستمرار لطلبة الجامعات والباحثين من خلال منظمة “الحياة”، التي تقوم ببناء قواعد بيانات خاصة بها عن الطيور والحيوانات والتنوع الحيوي بشكل عام، فضلا عن الخبرة والتجربة العملية التي تقدمها، بينما يرى “القايدي” أن الرصد الإعلامي للانتهاكات مفيد في تقييم الوضع العام لبعض الأنواع في حالات عدم توفر البيانات العلمية بشكل مستمر.

إرسال التعليق