دروج Drooj

يمين متطرّف ومستورد

ظهرت في السنوات الأخيرة لغة لم تكن جزءًا من القاموس المحلي في ليبيا. هي لغة تشبه خطاب اليمين المتطرف في أوروبا، لكنها لا تخرج من تاريخ ليبي داخلي بقدر ما هي استعارة جاهزة من الخارج، رغم ما تحتويه ثقافتنا من إرث وتاريخ عنصري ثري وحافل. اليوم صار الحديث عن الغزو الديموغرافي، ورفض التوطين، وحماية الهوية، عبارات تتردد في الشارع الليبي وفي صفحات الفيسبوك كمفاهيم ناضجة في بيئة أخرى هبطت علينا دفعة واحدة. فصارت ليبيا، التي لم تعرف أحزابًا يمينية منظمة ولا تقاليد سياسية محافظة كما في نسختها الأوروبية، تنتج يمينًا متطرفًا من مواد مُستوردة.

هذا الخطاب ظهر نتيجة الخوف من النزوح، ومن غياب الأمن، ومن الاقتصاد المنهار، ومن المستقبل الذي لم يَعُد واضحًا. صار أسهل على الناس تبنّي سرديات جاهزة، وصار المهاجرون طبعًا هم السبب في كل هذا الخراب، وبدت فكرة التوطين مؤامرة، رغم أن ليبيا تاريخيًا بلد هجرة واستقبال. لقد أعاد العقد الأخير تشكيل الهوية بطريقة دفاعية جعلت “الأخر” يُقرأ كتهديد مباشر.

هذا اليمين الليبي ليس أيديولوجيًا بقدر ما هو مزاجي وفوري، يتغذّى على المقاطع القصيرة والتسجيلات الغاضبة، ولا يحتاج تنظيرًا أو منظّرين. ويملك قدرة هائلة على التأثير في بلد ناسه عنصريون أصلاً. لكنّ الهدف الأساسي منه هو تُغذية العنصرية ضد المهاجرين من جنوب الصحراء والعمالة الوافدة، بل وحتى ضد الليبيين القادمين من مناطق أخرى. ويحوّل نقاش التوطين من ملف قانوني وإنساني إلى اختبار وطني متشنّج لا يقبل المناطق الرمادية.

غير أن نقد استيراد الأيديولوجيات الجاهزة لا يخص اليمين وحده؛ فحتى التيارات الليبرالية، بكل خطابها التقدّمي، وقعت في خطأ استجلاب نماذج جاهزة من الغرب وتطبيقها على واقع ليبي لا يشبه الواقع الأوروبي الذي وُلدت فيه. يواجه كثير من الليبراليين الشعبوية بنصوص مستوردة أيضًا، وبنقاشات قادمة من جامعات أوروبا وأمريكا، دون أخذ اعتبار أن هذا الغرب نفسه المُلهِم لخطابهم هو الذي صاغ البنَى الفكرية التي صدّرت للعالم أفكار التفوّق العرقي، وخلقت المحافظات المتطرفة، وأنتجت الفاشية التي أنهكت ليبيا وأقاليمها قبل أقل من قرن. أصبح الطرفان يتغذّيان من المصدر نفسه، كلٌّ بطريقته، ويعيدان إنتاج التبعية الفكرية بوجوه مختلفة.

ومثل كل الشعبويات، يقدّم اليمين الليبي إجابات بسيطة على أسئلة معقدة، وبدل أن يُسائل الناس فشل الحكومات وتآكل الدولة، يسألون لماذا يزداد عدد الأجانب. وبدل نقاش انهيار سوق العمل، يلومون “الغريب”. فتتحوّل الأزمة من بنية سياسية إلى قصة عاطفية، ومن خلل اقتصادي إلى صراع هويّاتي.
ربما ما يزال هذا التيار صوتًا عاليًا أكثر من كونه قوة سياسية، لكنه يكشف عن معركة أعمق على معنى ليبيا، وعلى مَن يملك حق تعريف الهوية، وعلى ما إذا كانت البلاد ستملك يومًا ما القدرة على إنتاج أفكارها بدلاً من استيرادها، حين تستيقظ من عقود الاستبداد والفوضى الطويل.

Share This Article

منشورات ذات صلة

أرض جدّي، كما يروي أبي، كانت تُعرف بصخرة واحدة لا أكثر، حدًّا يفصل حقه عن حق جاره. وحين…

تُعد تجربة الانتخابات بصورتها المتعارف عليها حديثة ومحدودة في ليبيا. وخلال فترة حكم القذافي تبنت ليبيا نموذجًا خاصًا…

دراسة للباحث محمد قاسم محجوب تُواجه ليبيا تحديات بيئية متصاعدة تضعها بين أكثر دول شمال أفريقيا هشاشة وتأثرًا…

حوار مع عبد الحفيظ العابد أجْرته: عزيزة حسين عبد الحفيظ العابد شاعر وروائي وناقد وأكاديمي ليبي، بدأ تجربته…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.